الأولى دولة مهمة إقليمياً.. والثانية دولة شقيقة مهمة: إيران ليست بديلاً عن السعودية لمصر!

19/10/2016 - 12:02:39

بقلم - عبدالقادر شهيب

نعم إيران ليست بديلًا للسعودية بالنسبة لمصر.. فالسعودية دولة عربية شقيقة مهمة، والعلاقات القوية معها ضرورة لنا ولها وضرورة أيضًا لكل العرب.. أما إيران فهى دولة مهمة فى إقليمنا فصياغة علاقات متوازنة معها قائمة على الاحترام وعدم التدخل فى الشئون الداخلية ضرورة أيضًا.. لكن هذه العلاقات لا تغنى عن العلاقة القوية بين مصر والمملكة العربية السعودية، مثلما لا تغنى السعودية علاقة قوية بتركيا عن علاقة أقوى وأكثر متانة مع مصر.


أقول ذلك بشكل مباشر وواضح وصريح لكل من تصور خطأ أن مصر يمكن أن تستبدل علاقاتها بالسعودية بعلاقة مع إيران، سواء كان هؤلاء فى السعودية أو مصر، خاصة بعد أن التقى وزير الخارجية المصرى مع وزير الخارجية الإيرانى على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وما اكتنف هذا اللقاء من تكهنات ذهبت بعيدا فى تفسيره ودلالاته، وأيضًا بعد أن تداولت مواقع إعلامية معلومات غير مؤكدة حول عروض عراقية وربما إيرانية لتدبير احتياجات مصر من المواد البترولية فى أعقاب توقف أرامكو السعودية عن تنفيذ اتفاقها التجارى بهذا الشأن مع مصر فى هذا الشهر وعدم إبلاغها الحكومة المصرية باستئناف تنفيذ هذا الاتفاق فى الأشهر المقبلة حتى الآن.


وهذا ما يعيه فى الأغلب الإيرانيون أنفسهم وعبر عنه بوضوح المحلل السياسى الإيرانى على أكبر فرازى يطالب فى مقاله بصحيفة أرمان الإيرانية الإصلاحية بلاده بإظهار حسن النوايا تجاه مصر وأن تعلن استعدادها لتأمين احتياجات مصر البترولية دون الدخول فى منافسة مع دول أخرى أو لمواجهة السعودية.. ويوضح أكثر قائلًا: لا يجب أن نعتقد أن الخلاف بين مصر والمملكة العربية السعودية سيؤدى إلى أن تفقد مصر المملكة ذلك لن يحدث أبدا.. ولكن لا يجب أن نتشاءم وألا نستغل الفرصة المواتية مع العلم أن مصر تحتاج إلى العالم العربى والسعودية.


وهذا الكاتب الإيرانى محق لأن السعودية دولة عربية شقيقة ومهمة فى محيطها العربى والإقليمى ولا يمكن لمصر التضحية بعلاقاتها معها ليس فقط لأننا نحتاج لها ولدعمها ولمساندتها لنا، كما فعلت بقوة بعد الثالث من يوليو، حينما أطحنا بحكم الإخوان الفاشى المستبد وأغضب ذلك الغرب والأمريكان وكادوا يعزلوننا، ولكن أيضًا لأن السعودية تحتاج مصر أيضًا بجانبها بقوتها العسكرية وبوزنها الإقليمى تأثيرها أيضًا المقدر فى محيطها العربى، خاصة أن السعودية تخوض حربا لا تعرف متى تنتهى فى اليمن، وتتعرض لتهديدات واسعة سواء من إيران، التى تتربص بالمنطقة العربية كلها، وليست منطقة الخليج وحدها، وأيضًا من دول غربية وأمريكان يراهنون على تفجيرها داخليا طائفيًا وتقسيمها إلى خمس دول صغيرة ضعيفة مهيضة الجناح يسهل فرض الهيمنة عليها.


بل إن مصر ترى أن العلاقة القوية مع السعودية ضرورية أيضًا للأمن القومي.. وأن حدوث صدام مصرى سعودى لا يخدم هذا الأمن، بل يتيح الفرصة لقوى إقليمية أخرى أن «تبرطع»، كما يحلو لها فى منطقتنا العربية ويزيد من نفوذ هذه القوى، ولا يتيح إقامة علاقات عربية متوازنة معها.


ولذلك لا يمكن أن تفكر مصر فى أن تكون علاقتها بإيران بديلًا لعلاقتها مع السعودية، أو حتى تستخدم تحسين علاقتها بإيران كورقة ضغط على السعودية مثلما نثق أن السعودية تعى أن علاقتها بتركيا بديل لعلاقتها مع مصر.. ولذلك لم تتحدث مع السعودية فى أمر علاقتها بتركيا.


بل إن مصر تنتهج سياسة الانفتاح على الجميع فى العالم وتسعى لنسج علاقات طيبة مع الكل، خاصة مع القوى العالمية والإقليمية المهمة والمؤثرة.. إن علاقاتنا الطيبة مع روسيا مثلا لم تكن بديلًا لعلاقة نأمل أن تكون طيبة مع أمريكا.. وعلاقاتنا الطيبة مع السودان لم تمنع أن يكون لنا علاقة طيبة مع دولة جنوب السودان.. وبالتالى لا يمكن أن نفكر أن تكون علاقاتنا بإيران بديلًا لعلاقاتنا مع السعودية، أما تدبير احتياجاتنا البترولية -فى ظل توقف شركة أرامكو السعودية عن تنفيذ اتفاقها التجارى معنا هذا الشهر- من أية جهة أو دولة فهذا أمر ضرورى وليس له أية دلالات سياسية، أو لا يمكن استنطاقه سياسيا بما هو ليس فيه.


أما إذا كنا نحتاج لعتاب ومصارحة نحن والأشقاء السعوديون لتجاوز خلاف أو فتور فى العلاقة أو توتر شابه فلنفعل ذلك فورا وبصراحة وشفافية، ولكن فى إطار الحفاظ على هذه العلاقة وتقويتها وإزالة ما شابها من فتور أو توتر، والحرص على ألا يتحول هذا العتاب إلى شجار إعلامى أو قطيعة دبلوماسية أو صدام سياسى.


وهذا يقتضى أن نتوافق على مجموعة من الأمور معا:


أولًا: ليس مطلوبا ولا يمكن أن يحدث تطابق بين البلدين فى كل مواقفهما سواء بخصوص سوريا أو أية قضية عربية وإقليمية ودولية.. وإنما المطلوب هو حد مناسب ومعقول من التوافق فى الرؤى والمواقف، مع القبول بقدر من مساحة الاختلاف فى السياسات.. على أن يكون ذلك معروفا وواضحا ومحددا.. أى التوافق والاختلاف.


ثانيًا: اعتماد المصارحة والشفافية أساسًا للعلاقات.. حتى لا تفاجأ مصر مستقبلًا بما قامت به شركة أرامكو السعودية حينما أوقفت مد مصر بحصة شهر أكتوبر من المواد البترولية، رغم أن ذلك تنفيذ لاتفاق تجارى وليس سياسيًا، بل وعدم إبلاغها مصر حتى الآن إن كانت سوف تستأنف تنفيذ هذا الاتفاق الشهر القادم أم لا.


ثالثًا: مراعاة كل من مصر والسعودية ظروف الدولة الأخرى.. وهذا ما فعلته مصر حرفيا عندما لم تناقش السعودية أو تعاتبها على علاقاتها الطيبة مع تركيا، التى تؤوى قادة وكوادر جماعة الإخوان ويتخذون من أراضيها نقطة انطلاق لما يخططون له وينفذون من عمليات عنف داخل أراضينا ولشن حرب إعلامية ضدنا.. وهذا ما تفهمته السعودية عندما اكتفت مصر فى اليمن بوحدات بحرية ترابط فى باب المندب لحماية حرية المرور فيه ولم نشارك بقوات برية، كما كان يأمل السعوديون فى البداية.


رابعًا: الحاجة الدائمة للتواصل المستمر على أعلى مستوى بين مصر والسعودية حتى لا يترك شيئًا عالقًا فى العلاقة المشتركة من شأنه أن يسبب فتورا فيها أو يعكر صفوها أو يتيح الفرصة لمن يريد تأويله أو تفسيره بشكل خاطئ.. ولعل عموم المصريين أثار ضيقهم قرار شركة أرامكو بالتوقف عن مد مصر بحصة شهر أكتوبر لأن الطريقة، التى تم بها إبلاغ ذلك للمسئولين عن قطاع البترول فى مصر كان ينقصها الوضوح والصراحة، الأمر الذى فتح باب تفسيره بأنه نوع من الضغوط السعودية على مصر، وهو الأمر الذى لايقبله المصريون ويرفضونه بشدة ولن يقبلوه سواء من أى أحد حتى ولو كان شقيقًا مهمًا.


خامسا: القناعة بأن العلاقة الطيبة بين البلدين لاتخدم بلدا واحدا وإفساد هذه العلاقة لايضر طرفا واحدا.. وإنما العلاقة الطيبة تفيد البلدين معا، وإفساد هذه العلاقة يضر بالبلدين معا، بل والأمن العربى كله نظرا للدور المصرى والسعودى عربيا وإقليميا.. فإن كانت مصر لاتتعامل مع السعودية بوصفها حافظة نقود أو مصدرًا مهمًا للمساعدات، فإنه يتعين أن تتفهم السعودية أن مصر بوصفها الدولة الكبيرة لايقبل شعبها ألا يكون قراره مستقلًا وسياسته هو الذى يحددها، بل إنه تحد قوى دولية وإقليمية كبيرة وأطاح بحكم الإخوان الفاشى المستبد، وقد ساندته السعودية فى ذلك. إن التوافق على تلك القواعد الأساسية من شأنه حفظ وصيانة العلاقات الطيبة القوية بين مصر والسعودية، وحمايتها من أية اختلافات فى الرؤى والمواقف أو محاولات لتعكيرها وإفسادها، بل ولتقويتها باعتبارها واحدة من ركائز حماية الأمن القومى العربى كله.. وذلك الذى سيقنع الجميع أن مصر لايمكن أن ترى فى إيران بديلا للسعودية، وأن السعودية لا تتعامل مع تركيا كبديل لمصر..


وإذا كانت العلاقة الطيبة والقوية بين السعودية ومصر لم تمنعها من تقوية علاقاتها مع تركيا، وهو الذى بدا واضحا مؤخرًا فى الاستجابة لطلب أردوغان باعتبار منظمة عبدالله جولن إرهابية، فإن العلاقة الطيبة والقوية بين مصر والسعودية يجب ألا تمنع التواصل المصرى مع إيران أو حتى الاستجابة مصريًا لمحاولات إيرانية لتصحيح هذه العلاقة والارتقاء بها، خاصة أن العلاقات المصرية الإيرانية الدبلوماسية كانت مقطوعة فى الوقت، الذى كانت العلاقات الدبلوماسية الإيرانية مع دول الخليج وعلى رأسها السعودية موجودة والعلاقات الاقتصادية قائمة وتتزايد..


فإن إيران دولة إقليمية مهمة.. ولايمكن لنا فى مصر أو فى المنطقة العربية كلها تجاهلها أو الإغفال عن وزنها وتأثيرها، بل ونفوذها الذى اتسع فى منطقتنا واخترق عددًا من دولنا العربية ابتداء من لبنان، ومرورًا بالعراق وسوريا، ووصولا إلى اليمن.. ناهيك عن أن إيران تمكنت من خلال اتفاقها مع الدول الخمس زائد واحد أن تحظى ليس فقط باعتراف دولى بمشروعها النووى، وإنما وهذا هو الأهم باعتراف دولى بدورها الإقليمى وتأثيرها ونفوذها فى منطقتنا.. ولذلك فإن تصحيح العلاقات الإيرانية العربية.. وليست المصرية فقط ضرورة، وذلك لاحتواء وتحجيم مخاطر السياسات التى تنتهجها على الأمن القومى العربى ولضمان التوصل إلى قدر من التفاهم المشترك ينبذ ويوقف التدخل الإيرانى فى شئوننا الداخلية العربية، كما هو حادث الآن فى مناطق عربية عديدة، ويتيح حلا سلميًا للصدامات والأزمات العربية المتورطة فيها إيران بدعم أطراف من المتصارعين، ويوفر فرصًا للتعاون المشترك بين إيران وكل العرب يفيدنا جميعًا ولايكون على حساب حقوقنا ومصالحنا العربية وأمننا القومى العربى.


وهذا ما تقتنع به السياسة الخارجية المصرية.. ولذلك التقى وزير خارجيتنا بوزير الخارجية الإيرانى قبل أسابيع قليلة مضت، ولم يكن هذا هو اللقاء الأول بينهما.. كما أن وزارة الخارجية المصرية لاتترك أية فرصة إلا وتستثمرها فى إعلان مساندتها للشعب التركى فى مواجهة الإرهاب، الذى يتهدده، رغم الموقف العدائى السخيف والمثير للاستفزاز الذى تنتهجه القيادة التركية الحالية ضدنا فى مصر ودعمها ومساندتها للإخوان فى العنف الذى يمارسونه ضدنا.. فإن مصر أعلنت منذ وقت مبكر أنها منفتحة على الجميع بلا استثناء.. على كل القوى الدولية والإقليمية، وتمد يدها بالتعاون مع من يمد يده بالتعاون معنا مصريا وعربيًا، بل إنها حتى فى ظل حدوث خلافات أو مشاكل تعترى علاقاتنا مع بعض الدول لا تلجأ إلى التصريحات الرسمية العدائية والهجومية، مثلما فعلت تجاه كل من قطر وتركيا.. كما تحكم مصر العقل وتتسلح بالحكمة مثلما فعلت بعد التصريح، الذى أدلى به المندوب السعودى فى مجلس الأمن الذى انتقد فيه تصويت مصر لصالح المشروع الروسى رغم أنها صوتت أيضًا لصالح المشروع الفرنسى، الذى كانت تؤيده السعودية.. فلم يصدر أى تعقيب مصرى رسمى على ذلك ولو من باب العتاب، وهو ماحدث أيضا بعد أن أوقفت شركة أرامكو تنفيذ اتفاق تجارى لها مع قطاع البترول المصرى، وهو الأمر غير المألوف فى الاتفاقات التجارية.


ونرجو أن يتفهم الأشقاء السعوديون ذلك أيضًا ويقتنعوا به حتى لايتم تأويل أو تفسير موقف مصرى هنا أو تصرف لمصر هناك بشكل يجافى الحقيقة مثل التصويت المصرى على المشروع الروسى، أو لقاء وزير الخارجية المصرى مع وزير الخارجية الإيرانى، أو رغبة مصر فى إيجاد حل سلمى لكل الأزمات التى تمسك بخناق منطقتنا خاصة فى سوريا واليمن وليبيا.


بل إن هذه السياسة الخارجية المصرية التى تستهدف تهدئة الأوضاع فى منطقتنا وإيجاد حلول سلمية لأزماتها والانفتاح على كل القوى الإقليمية والعالمية المهمة والمؤثرة مثلما سيفيد مصر سوف يفيد السعودية أيضًا.. فهو من شأنه أن يخفف عنها أعباء مالية وغير مالية مثلما هو حادث فى اليمن ويوفر لها دعما ومساندة فى مواجهة التحرش الأمريكى بها بعد إقرار قانون جاستا.. بل حتى وجود علاقات غير متوترة بين مصر وإيران تحديدًا من شأنه أن يفتح نافذة للتواصل السعودى مع إيران عبر القاهرة مثلما أن وجود علاقات طيبة بين السعودية وتركيا يمكن أن يكون آلية ضغط على تركيا لكى تخفف عداءها تجاهنا فى مصر.. إن الدول تلجأ إلى توزيع الأدوار بين القوى المختلفة داخلها تجاه الدول الأخرى.. وهذا أمر يمكن أن تفعله المنطقة العربية أيضًا، مادمنا نحافظ على ثقة فيما بيننا.. وهذا ما نحتاجه الآن عاجلا فى مصر والسعودية.