كيف نواجه حملات التشكيك فى المشروعات القومية الكبرى؟

19/10/2016 - 12:00:03

تحليل يكتبه: أحمد أيوب

إذا أردت أن تقتل أمة فانشر بين أهلها اليأس واضرب بينهم الشك وحاصرهم بالإحباط، جملة لم يقلها أحد لكنها ملخص لما يفكر فيه من يريدون قتل الأمة المصرية وهدمها، لا يتركون قرارا ولا مشروعا ولا تحركا أو تصرفا إلا أحاطوه بالشكوك كى يفقد المواطنون الثقة بينهم وبين قيادتهم وحكومتهم.


بالتأكيد ليس كل شىء على ما يرام، ولا كل المشروعات أو القرارات منزلة من السماء أولا تقبل النقاش أو المحاسبة حتى عن جدواها، بل أكثر من هذا فإن بعض القرارات أو المشروعات تحتاج بالفعل لمراجعة وإعادة حسابات فى ظل الظروف التى تمر بها البلاد.


لكن ليس معنى هذا أن كل ما يحدث بلا قيمة وأن جدواه لا تذكر أو خاسرة.


والمفترض أن يفهم المصريون هذا جيدا ويدركوا أن القضية ليست مشروعات لا قيمة لها، وإنما القضية من الأساس أن من يروجون لهذا أغلبهم لا تشغلهم المشروعات رابحة أو خاسرة، بقدر ما يشغلهم ويهمهم أن يغضب المواطن ويثور ويفقد ثقته في من يقود ويخطط ويدير.


الحسبة فى هذه الحملة التشكيكية والتى لم تترك شيئا إلا وطالته بسيطة ويمكن أن يقرأها أى مواطن دون أن يكون متخصصا أو حتى على قدر معين من التعليم.


فما يحدث مثلا مع المشروعات القومية الكبرى التى بدأتها الدولة مع تولى الرئيس عبد الفتاح السيسى قبل عامين يؤكد أن الموضوع لا علاقة له بأشخاص يخافون على مصر أو يحبون الخير لها وإنما الغاية هى عدم منح أى فرصة لهذه المشروعات أن تتم وترى النور، لأنها إذا تمت سيرى الشعب معها الخير وسيعود للدولة جزء من قوتها.


بالتأكيد من يشككون ليسوا أغبياء ولكنهم يتحركون وفقا لقواعد مدروسة ويعرفون كيف يتمكنون من هز ثقة المواطن فى هذه المشروعات وكيف يحولونه من الترحيب بها ومساندتها إلى الرفض التام لتخصيص أى جنيه واحد لإتمامها.


وأمام تزايد الحملة وإصرار مروجيها على الاستمرار فيها، تأكد الجميع أن الأمر لا علاقة له بتلك المشروعات وإنما الهدف المباشر هو السيسى نفسه، فهم يريدون عرقلته وإظهاره أمام الشعب بدون أى نجاحات تحسب له، ولهذا خرج مؤيدوا هذه المشروعات ليطالبوا الرئيس بأن « يريح دماغه» ويوقف هذه المشروعات ويترك البلد تسير كما كانت، فيوقف مشروعات الطرق، ومحطات الكهرباء وآبار الغاز، ويردم أنفاق قناة السويس ويلغى ما تبقى من مشروع المليون وحدة سكنية، ويوقف مشروع علاج فيروس سى على نفقة الدولة، ومشروع المليون ونصف المليون فدان، والخط الرابع للمترو، وبلاها مدن جديدة لا إسماعيلية جديدة ولا علمين ولا هضبة جلالة ولا روبيكى ولا مدينة الأثاث فى دمياط ولا محطات نووية، ولا موانئ ولا مطارات ولا مساكن لنقل العشوائيات وليعودوا كما كانوا إلى العشش مرة أخرى.


وأن يجمع الرئيس كل أموال هذه المشروعات ليشترى بها “زيت وسكر وأرز” ويوزعها مجانا على المواطنين ربما ينال الرضا


بل طالبوه من قبيل السخرية ممن يهاجمون المشروعات الكبرى أن يعيد الغارمات إلى السجون وتسترد الدولة ما دفعته لإنقاذهم وأن يلغى مشروعات تطوير مراكز الشباب، وأن يطأطئ الرأس للأمريكان حتى ترضى عنه ويقبله اللوبى الأمريكى فى مصر، وأن يرضخ لمطالب بعض الدول التى تدفع لعملائها كى يتوقفوا عن تشويهه.


بالتأكيد هذه السخرية كانت ردا على تجاوز البعض وهجومهم القاسى على مشروعات يجمع الاقتصاديون على أنها أهم ما يفعله السيسى الآن.


لكن وللحقيقة وحتى نكون مخلصين فى الحديث فقد نجح هؤلاء المشككون فى التلاعب بمشاعر كثير من المواطنين وأفقدوهم الحماس الذى كانوا عليه فى بداية طرح هذه المشروعات، ربما لأن الدولة، وهذا حقيقى، لم تستطع أن تدافع عن رؤيتها فى هذه المشروعات ولم تقدمها بالشكل الذى يناسبها وبالفائدة التى يمكن أن تحققها للبلد وللمواطنين، وربما لأن الخطاب السياسى كان من البداية يركز على أمور لم تعد تشغل المواطن الآن دون أن يقدم التفاصيل الكاملة لما يمكن أن تحققه هذه المشروعات، وربما أيضا لأن بعض المشروعات ونتيجة للظروف الاقتصادية العالمية لم تحقق نفس النجاح الذى كان ينتظره المواطن المصرى مثل ما حدث فى قناة السويس الجديدة التى لم تساعد ظروف التجارة الدولية على أن تحقق النمو الذى كان منتظرا فى إيراداتها،


لكن فى النهاية كل هذه كانت عوامل ساعدت على نجاح مخطط التشكيك مثلما ساعد على نجاحه أيضا الحالة الاقتصادية السيئة التى تمر بها البلاد وموجة الغلاء التى طالت الجميع ولم تتمكن الحكومة من الوقوف فى مواجهتها ولم يراع التجار ضمائرهم،


ووسط هذا لا يمكن إنكار التقصير الإعلامى الذى تعامل فى أغلب الحالات مع بعض المشروعات القومية بمنطق إعلانى وليس دورا وطنيا.


الموضوعية تقتضى تناول خريطة المشروعات القومية الكبرى دون تزيد أو تقليل، ومن يتناولها من هذا المنطق سيتأكد دون حاجة لأى متخصص أنه أمام فرصة لمستقبل أفضل للبلد، فأمامنا نحو ١٤ مشروعا قوميا كبيرا، صحيح أنها ستتكلف مئات المليارات وربما تريليونات، لكن لا بديل عن هذا الاختيار إن كنا نريد أن نحمى بلدنا من السقوط، لأن سياسة ترحيل المشاكل لم تعد تصلح لمواجهة أزمات مصر.


وكما يقولون “بضدها تتميز الأشياء”، وليس هناك أفضل من مثال الكهرباء، فبالطبع كان من الممكن أن نعيش دون أى تطوير أو إضافة لمصادر الطاقة وإنتاج الكهرباء، لكن المؤكد أن العيشة كانت ستصبح ظلاما ، ووقتها كانت ستتعالى صرخات المواطنين من انقطاع الكهرباء والظلام الدامس وتوجه الاتهامات والسخرية للحكومة بل والرئيس شخصيا وسيزيد الإنفاق على شراء ماكينات إنتاج الكهرباء والمولدات، لكن عندما تحملت الدولة مسئوليتها ووضعت خطة استراتيجية لمواجهة هذه الكارثة وقررت ألا يعانى الشعب من انقطاع الكهرباء وحققت الخطة نجاحا شهد به الجميع لم يتمكن أحد من أن يفتح فيه بكلمة واحدة تحمل أى قدر من التشكيك، لأن الإنجاز ظهر أثره على الأرض ويشعر به الجميع دون استثناء، لكن رغم أن الدولة كانت واضحة من البداية وأعلنت أن هذه الخطة ستصاحبها خطة موازية لرفع الدعم تدريجيا عن الكهرباء للطبقات غير الفقيرة إلا أنه مع أول زيادة خرج من يحاول استغلال الأمر وإشعال غضب المواطنين واستجاب لهم بالفعل البعض، بينما الجزء الأكبر أعطاهم ظهره لأنه لمس تحسنا فى الكهرباء وشعر أن هذا التحسن يستحق أن يشارك فى تحمل ثمنه.


هذا ما يريده المواطن، أن يشعر بالتحسن وبنتيجة ما تقوم به الدولة على الأرض لكن كى يتحقق هذا فالأمر فى بعض المشروعات يحتاج وقتا، لأن المشروعات القومية لا تتم فى يوم وليلة وإنما تستغرق سنوات، وما يحدث فى الكهرباء ليس بالضرورة أن يحدث فى مجالات أخرى، فالكهرباء فيها محطات جاهزة وأساليب يمكن أن تتم فى وقت سريع على عكس المشروعات الصناعية مثلا.


لكن من حق المواطن فى كل الأحوال أن يستمع من الدولة أو الحكومة وبالأرقام كيف سيستفيد من هذه المشروعات.


ففى العاصمة الإدارية الجديدة التى رحب بها كل المصريين دون استثناء عند الإعلان عنها لأنها كانت مطلبا ملحا لعشرات السنوات لرفع العبء عن كاهل العاصمة التاريخية لمصر، ولأن الترحيب الشعبى كان كبيرا لم تفكر الدولة فى طرح الجدوى من هذه العاصمة، ولا تحدثت عن ثمارها فى المستقبل، لكن مع تزايد الضغوط الاقتصادية وزيادة حملات التشويه بدأت بعض الفئات ترفض الاستمرار فى هذه العاصمة واستغلال ما سينفق عليها فى توفير السلع للمواطنين لترفع عنهم هم الغلاء، وكان يمكن لمن يفهم تركيبة المصريين وأن مبدأهم « احيينى النهارده وموتنى بكره» أن يستجيب لهذه المطالبات ويرفع يده سريعا عن العاصمة الجديدة ويسخر كل الإمكانيات التى كانت ستضخ فى إنشاء هذه العاصمة لتذهب إلى توفير السلع بالغالى وبيعها بالرخيص للمواطن كى يشعر بالراحة، لكن هذا الدواء وإن كان سهلا لكنه فيه سم قاتل يخفف الألم بينما السرطان سيظل يسرى فى الجسد ليموت فجأة مختنقا بكارثة لن يستطيع أحد حلها بكل مسكنات العالم.


كان الطبيعى مثلا على القيادة السياسية أن تؤجل المشروع وترحل المشاكل وليتحملها من سيأتى بعدها، وهذا هو المنطق الأصوب والأفضل مصريا ووقتها كان المواطنون سيرفعون القيادة السياسية على الأعناق، لكنه اختار الطريق الأصعب وتحمل ثمن اختياره مهما كان، لأنه لا يطمع فى شعبية زائفة تبنى على الخداع والهروب من المشاكل وإنما يريد إصلاح يذكره له التاريخ حتى وإن كان ثمنه مرا.


ليس هذا اختيار العند ولا إصرار الغرور وإنما يقين من يعرف أن المسكنات لم تعد تصلح مع المريض وأن الجراحة هى الحل الوحيد، ومشروع مثل العاصمة الإدارية الجديدة وإن كان سيتكلف مليارات لكنه سيضخ ضعفها استثمارات تشغل مصانع وتخلق فرص عمل وتزيد الناتج القومى وتدر عملة صعبة على البلد.


ما يلفت النظر أن الأرقام التى تتضمنها دراسة الجدوى لهذا المشروع لم تعلن كلها حتى الآن، وهذا مع كل الاحترام للمسئولين عنه خطأ كبير، لأنه كان من الواجب أن يعلم كل مواطن ما ستحققه هذه العاصمة من فائدة مالية واستثمارية وتشغيلية حتى يكونوا على علم بشكل المستقبل وحتى لا نتركهم فريسة لمروجى الشائعات ومن يسعون للانتقام من هذا البلد.


بنفس المنطق تم التعامل مع بقية المشروعات القومية الكبرى سواء المليون ونصف المليون فدان أو المشروع القومى للطرق والذى يتضمن نحو خمسة آلاف كيلو متر طرق تحيي مناطق كاملة وتمد جسور التنمية إلى كل ربوع مصر، أو منخفض القطارة، أو المشروعات القومية للاستزراع السمكى، أو المثلث الذهبى للتعدين بالصحراء الشرقية ، أو توشكى أو غيرها من المشروعات المهمة والعملاقة والتى نبنى عليها أملا حقيقيا فى مسقبل هذا البلد وشعبه، لكنها للأسف لم يتم الترويج لها كما يجب ولم يعرف شباب البلد أنهم المستفيد الأول منها وأنها أصلا ما خطط لها ولا بدأ إنشاؤها إلا من أجلهم.


الأهم أن يرى المواطن وبسرعة، ثمارا ولو قليلة لهذه المشروعات على الأرض، وليس هذا صعبا على من حفروا قناة فى عام واحد، لأنه لا بديل فى محاربة اليأس إلا خلق الأمل، ولا وسيلة لمحاربة الإحباط سوى النتائج الملموسة، ولا سلاح يقضى على التشكيك غير الشفافية وإعلان الحقائق كاملة على الشعب.


لابد أن يعلم الجميع أن المشروعات القومية الكبرى هى جزء لا يتجزأ من حماية الأمن القومى المصرى،ومن أجل هذا دخلت القوات المسلحة لتنفيذ ما يزيد على ١٧٠٠ مشروع، ولولا هذا ما دخلت القوات المسلحة وتحمست لها وتحملت عبء الكثير منها فهى لا تدخل فى مشروعات وهمية ولا تشارك فى أفكار تحقق مصالح حاكم أو نظام وإنما لابد أن تحقق مصلحة شعب.


لابد أن يخرج من الدولة جدول واضح وبالأرقام عن كل مشروع كم تكلف وما هو عائده وكم سيشغل من الشباب والمدى الزمنى لتحقيق هذا.


لقد وضع الرئيس مدى زمنيا لمشروعات قومية مهمة ولأن المواطن لمسها بنفسه فلم يستمع لمن يشككونه فيها، مثل المشروع القومى لنقل سكان العشوائيات، فعندما حدد الرئيس عامين للتخلص من هذه الكارثة وإقامة مجتمعات كريمة لنحو ٨٥٠ مليونا من المواطنين الذين يسكنون العشوائيات الخطرة وشهد المواطن أمامه مدينة الأسمرات ثم غيط العنب أدرك أنه أمام مشروع عملى وينقذ مئات الآلاف من المصريين فلم يستمع للمشككين ولم يسلم أذنه للمحبطين بل ينتظر كل مواطن دوره فى هذه المشروعات وكله أمل لأنه أمام جدول زمنى واضح ونتيجة لمسها بيده.


أيضا عندما أعلن الرئيس عن مشروع الصوب الزراعية وحدد مدة عامين على الأكثر ليرى المصريون ثماره ونتائجه صدقه المصريون ولم يلتفتوا لمن يسفهون من المشروع .


وعندما بدأت الحملة القومية لمكافحة فيروس سى ونجحت بشكل غير مسبوق فى علاج أكثر من ٨٠٠ ألف مريض والتفت كل الجهات لدعمها ولمس المواطن نتائجها كان الدعم الشعبى للحملة أهم وأكبر من الدعم الحكومى بمراحل.


بل والمثل الأكبر على هذا المشروع القومى للإسكان والذى نجحت وزارة الإسكان أن تحقق فيه رؤية الرئيس ليس فقط على مستوى التنفيذ وإنما أيضا الترويج له شعبيا بالشكل المناسب حتى شعر كل مواطن أنه صاحب حق فى هذا المشروع وصاحب مصلحة فى أن يتم بالكامل لأنه مستفيد منه، فقير أو متوسط أو لديه قدرات مالية، وظلت كلمة الرئيس التى أعلن فيها أن كل من سيتقدم لطلب شقة سيتم توفيرها له هى الشعار الذى التف حوله الجميع، فكان هذا الدعم الشعبى هو أهم أسباب نجاح المشروع الإسكانى الأضخم فى الشرق الأوسط.


بالتأكيد حملات التشكيك لن تتوقف، وستصرف عليها مليارات لأن مصر ليست أمرا سهلا عند من يخططون، وستزيد هذه الحملات التشكيكية ومحاولات بث اليأس وإشعال غضب المواطنين خلال الشهور القادمة بشكل أكثر عنفا وإصرارا على تحقيق الهدف وهو خلق الفوضى الداخلية فى مصر، فما يتم الآن هو محاولة تصنيع ثورة داخلية، تستغل فيها الأسعار والفساد وكل القرارات والتصرفات التى تلوى حقائقها لتقدم للمواطن المصرى مقلوبة لإشعال غضبه ضد الرئيس والحكومة والجيش.


لكن على الجميع أن يلتفتوا لهذا وأن تشهد الأيام القادمة حوارا مباشرا بين الرئيس والشعب فيه تفاصيل أكثر وشرح دقيق وصريح لما تواجهه مصر.


أيضا على الحكومة أن تخرج إلى الناس بدلا من الصمت المريب الذى يحتمون به.