مصر.. والحصار متعدد الأبعاد

19/10/2016 - 11:56:55

بقلم: د. حسين عيسى

يسألنى الكثيرون فى العديد من اللقاءات والمناسبات هل مصر فى حالة حصار؟ وما هى أبعاد ومظاهر هذا الحصار وكيفية مقاومته والتغلب عليه.. وبداية أرى أن مصر بالفعل تعانى من حالة حصار بدأت بعد ثورة ٣٠ يونيه ٢٠١٣ ووضحت معالمها بشكل لا يخفى على أحد فى السنتين الأخيرتين ٢٠١٥، ٢٠١٦ وقبل أن نبدأ فى تحليل هذا الواقع، ونستعرض أسبابه ومقوماته وسبل المقاومة علينا أن نقر أنه ليس أول حصار لمصر فى التاريخ الحديث.. فهناك حصار عام ١٩٥٦ كنتيجة لتأميم قناة السويس ثم اندلاع العدوان الثلاثى وما تلاه من حصار سياسى واقتصادى وهناك حصار من نوع آخر بدأ عام ١٩٦٧ بهزيمة ٥ يونيه وما تلاه من مظاهر الحصار الاقتصادى والسياسى ولكننا الآن نعانى من حالة حصار أكثر شمولًا وشراسة فهى تضم أبعادا سياسية واقتصادية ودينية واجتماعية وإعلامية ومصادر هذا الحصار بعضها داخلى والآخر خارجى، وبالتالى فإن مواجهة هذا الحصار تستدعى فهم أسبابه وخصائصه ومقوماته وتداعيات المستقبل.


أسباب ومبررات الحصار شديدة الوضوح فمن يقرأ مذكرات هيلارى كلينتون يعرف أن ميعاد إعلان الدولة الإسلامية فى جزء من سيناء كان الخامس من يوليو ٢٠١٣ وكان المخطط هو تقسيم مصر إلى عدة دويلات صغيرة تقوم على أسس مذهبية طائفية وإعطاء وطن جديد للفلسطينيين مع ترك حلايب وشلاتين للسودان مع وجود دولة للنوبة وأخرى للأقباط وثالثة للأغلبية السنية وكان الاتفاق والتحالف الأمريكى مع جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية هو أساس كل هذه المشروعات، ولا يجب أن نتعجب أن عرفنا أن آن باترسون سفيرة أمريكا فى مصر فى ذلك الوقت عقدت خلال سنة واحدة (حكم محمد مرسى) أكثر من ٣٠ لقاء مع خيرت الشاطر باعتباره هو الرئيس الفعلى للجماعة ولمصر بطبيعة الحال.


جاءت ثورة ٣٠ يونيه لتقضى على كل ذلك وانتفض الشعب بحماية الجيش المصرى ليعلنها لا صريحة مدوية لا للحكم الدينى لا للعمالة والخيانة.. لا للاستبداد والتحكم فى الناس باسم الدين.. لا للاتجار بالدين وخلط الدين بالسياسة.. جاءت ثورة ٣٠ يونيه لتقضى على أحلام دعاة الإرهاب والقتل والذبح والتدمير باسم الدين والدين منهم براء وتزامن مع حدوث الثورة، وتقلد الرئيس السيسى الحكم أن عادت شعارات مصر دولة مدنية ديمقراطية حرة مستقلة وعادة شخصية مصر، التى تتسم بالوسطية والاعتدال والتسامح واستقلالية القرار، وبدأت تعود لمصر بريقها السياسى بين الدول كإحدى أهم القوى الإقليمية فى المنطقة وبدأ الاهتمام بتسليح القوات المسلحة ليقف الجيش المصرى شامخًا مدافعًا عن الحق والخير والكرامة.


أعزائى القراء.. هل بعد كل ما حدث نتعجب من تعرض مصر لحالة حصار.. شىء طبيعى ومنطقى أن تتحرك بعض القوى والدول لوقف هذا المد الوطنى القومى لتعود مصر دولة صغيرة تصارع مشاكلها الداخلية بلا نهاية وتكافح أرهاب اسود يريد أن يقضى على الأخضر واليابس.. نعم نحن فى حالة حصار متعدد الأبعاد ففيه السياسى والاقتصادى والدينى والاجتماعى والإعلامى.


هناك حالة واضحة من الحصار السياسى بسبب تبنى القيادة السياسية والشعب المصرى منهج استقلالية اتخاذ القرار وتطبيق المبادئ الأخلاقية قبل ممارسة الاستغلال السياسى، وهذا واضح من الاحداث الأخيرة.. فالكل يبحث عن دوره ومصلحته ولذلك يريد أن تتوافق معه لتحقق ذلك الدور أو تلك المصلحة ولا بأس فى سبيل ذلك من بعض التنازلات والمساعدات والمنح والتسهيلات وغيرها.. لم تبلع مصر هذا الطعم وأخذت تجاهد فى سبيل الحفاظ على استقلالية الإرادة والقرار فى جميع المحافل الدولية.. توجد بعض الأخطاء نعم ويمكن إصلاحها، ولكن المحور السياسى فى الاستراتيجية المصرية يقوم على استقلال القرار والحفاظ على الأمن القومى المصرى والعربى فى ضوء المتغيرات السياسية العالمية.. هناك محاولات لتضخيم أثار أى قرار سياسى لا يعجب البعض.. هناك محاولات فاشلة حتى الآن لعزل مصر سياسيًا فى بعض المحافل الدولية، ولكن أعتقد أن دول العالم المستنيرة والمتقدمة تعى حقيقة موقف ودوافع مصر السياسية، مما نتج عنه فشل معظم محاولات الحصار السياسى التى من المرجح أن تستمر وبقوة فى المستقبل.


تعانى مصر حاليًا من ضغوط اقتصادية ومالية عنيفة يأتى بعض أسبابها من محاولة بعض الدول تطبيق بعض أساليب الحصار الاقتصادى غير المعلنة وغير المرئية.. محاولات مستميتة لتأخر عودة السياحة بحجج وذرائع شتى، مما يؤدى إلى ضعف أرصدة العملات الحرة ومحاولات أخرى لضرب الصادرات سواء كانت منتجات صناعية أو زراعية، مما يؤثر بالسلب على الدخل القومى والمعروض من الدولار وغيرها من أساليب الحصار الاقتصادى المعلنة وغير المعلنة ويضاف إلى ذلك حصار اقتصادى من نوع آخر للأسف داخلى يقوم على قيام التجار الفاسدين والمحتكرين والمتاجرين بأقوات الشعب ومصاصى دماء الغلابة بتخزين السلع الأساسية من أرز وسكر وزيت وغيرها ثم طرحها فى توقيتات متفق عليها بأسعار مرتفعة ترهق محدودى ومتوسطى الدخل.. بل هى فى الحقيقة ترهق المجتمع كله.. هذا لون آخر من ألوان الحصار الاقتصادى الداخلى، الذى يجب أن نتصدى له حكومة وشعب بكل قوة وحزم وإصرار وعزيمة ونتخذ كافة الوسائل لكبح جماح هؤلاء اللصوص حتى لا نكرر أخطاء الماضى.. الحصار الاقتصادى الخارجى يحتاج إلى حلول جريئة غير تقليدية لإنعاش السياحة والصادرات، ولهذا مساحة أخرى من الحديث والحوار.


البعض يتساءل عن ما هية الحصار الدينى، الذى تعانى منه مصر وأتصور أن هذا الحصار هو الذى دعا رئيس الجمهورية ليطلق دعوة تجديد الخطاب الدينى.. فنحن بالفعل فى حالة حصار دينى يقوم على التفسير المتزمت الحرفى للنصوص وعلى التعصب بين المذاهب وتغذية بذور الفرقة بين السنة والشيعة وإبراز أهمية مذاهب على حساب مذاهب أخرى وحجب العقل عن النقد والتفكير والاستخدام السيئ لمفهوم ازدراء الأديان والتطبيق غير المتوازن لبعض المواد القانونية والفصل بين الشعائر الدينية ومقومات السلوك المجتمعى والتعصب ضد الآخر وعدم قبوله... وغيرها العديد من مظاهر الحصار الدينى، الذى تقوم به أطراف داخل وخارج مصر وهو الحصار الذى لا يقل خطورة عن الحصار السياسى أو الاقتصادى، والذى لا سبيل إلا مواجهته بكل القوة والحكمة والعقل والمنطق وتطبيق آليات جديدة لتجديد الخطاب الفكرى والدينى، استنادًا إلى منظومة جديدة للتعليم وأساليب جديدة لتقديم منتج ثقافى فكرى متميز يهز الوجدان ويوقظ الضمير وينير العقل، ويشعل الروح ويحقق استدامة الاستنارة الحقيقية.


هناك حصار إعلامى شديد الوطأة لمصر فالإعلام الغربى تحديدًا دأب على نشر أخبار وتقارير مغلوطة عن الوضع السياسى والأمنى والاقتصادى لمصر، وذلك عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعى المختلفة، وهناك كتائب جماعة الإخوان الارهابية التى تمطر وسائل التواصل الاجتماعى ليلًا ونهارًا بوابل من الشائعات والأكاذيب بهدف إحداث أكبر قدر من اللغط والبلبلة فى صفوف الشعب.. وعن الإعلام بالداخل حدث ولا حرج فالفضائيات المصرية الخاصة أصبحت تفتقر إلى أبسط قواعد المهنية والاحترافية، وأصبحت تلهث هى الأخرى وراء الأخبار والأحداث المثيرة بصرف النظر عن مدى صحتها أو مصداقيتها فالمادة الإعلانية هى المسيطرة وحصول المذيعين على الملايين هو الأساس ولتذهب المهنية والموضوعية والشفافية إلى الجحيم.. بل ليذهب الوطن كله إلى الجحيم فى سبيل إرساء ودعم المصالح الخاصة والأجندات المشبوهة.


هناك حصار إعلامى أصبح يشكل عبئًا على الدولة والشعب والرئيس وهنا لابد من الانتهاء من قوانين الإعلام الجديدة، التى من الممكن أن ترشد إيقاع الأداء الإعلامى وتعيده إلى منابع إيضاح الحقائق ونشر المعلومات الصحيحة وعرض النقاط المضيئة بجانب السلبيات الأخرى مع مساعدة الناس على تكوين رأى عام صحى تجاه التحديات، التى تواجه الوطن.


فى الخمس سنوات الأخيرة تعرضت مصر لحصار اجتماعى من نوع غريب الأطوار فالقيم الاجتماعية والسلوكيات الإنسانية تعرضت لتآكل مستمر وتدمير ممنهج وضعفت ثقافة احترام قيمة العمل وتسلل إلى الناس مقولات أن نطلب ونطلب ونطلب حقوقًا لا تنتهى ولا نلتزم بأى واجبات، وإذا كنا نرى دولًا متقدمة من لا يعمل فيها لا يأكل فإننا نرى فى مصر الآن أن من لا يعمل يأكل ويشرب ويلعب ويطالب ويصرح ويتظاهر ويطلب كل الحقوق وهو لا يعمل شيئًا ذا قيمة لنفسه أو للمجتمع نحن نعيش فى حصار اجتماعى مدمر فالكل يشكك فى الكل ومسئولى الدولة يهاجموا فى وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعى قبل أن يبدأوا العمل الفعلى وسادت فى بعض الأوساط الاجتماعية قيم اليأس والإحباط واللامبالاة، واتسعت الفجوات بين الطبقات الاجتماعية المختلفة فأصبحنا نشعر أننا لا نعيش فى مصر واحدة، بل مجتمعات مختلفة تتبنى مجموعات متباينة من القيم والسلوكيات ولابد من العمل بجدية على فك هذا الحصار الاجتماعى من خلال ممارسة العديد من الأنشطة الثقافية والفكرية والتعليمية، وكذلك مشاركة منظمات المجتمع المدنى، بحيث يعمل الجميع على تبنى مهمة إعادة صياغة الشخصية المصرية وطرح منظومة جديدة خلاقة من القيم والمبادئ والسلوكيات الإيجابية.


نعم مصر فى حالة حصار متعدد الأبعاد.. حصار سياسى اقتصادى دينى إعلامى اجتماعى، ولعل هذه الحالة تحفز كل قوى المجتمع على الاصطفاف سويًا لفك هذا الحصار وليس الاستسلام له.. فالاستسلام هنا يعنى الموت والفناء والدمار، وإذا كان البعض يشكك فى نظرية المؤامرة فإن الحصار الحالى يشكل نتيجة للتطبيق الجزئى لمؤامرة فعلية تعرضت لها مصر والمنطقة العربية بالكامل ولابد من التصدى لتلك المؤامرة، ولذلك الحصار من خلال التشخيص السليم والتخطيط المنظم والتنفيذ الكفء الفعال، بحيث نحول تلك المخاطر والتهديدات إلى فرص رائعة قد لا تتكرر للنمو والتقدم والازدهار.. هذه دعوة لنعمل جميعًا أفراد الشعب المصرى لفك الحصار وكسب رهان المستقبل.


 



آخر الأخبار