«هوامش الربح».. أقصر الطُرق للسيطرة على الأسعار

19/10/2016 - 11:31:11

تقرير: أميرة جاد

قبل عام و نصف العام من الآن، و تحديدا خلال احتفالات عيد العمال قبل الماضى وجه الرئيس عبد الفتاح السيسى، إلى ضرورة مراجعة المنتجين و الموزعين لهوامش الربح التى يحصلون عليها من المستهلك.


المثير فى الأمر هنا، أن الأشهر الطويلة التى تلت «التوجيه الرئاسى» لم تشهد سوى مزيد من ارتفاعات الأسعار، ليس هذا فحسب لكنها شهدت أيضا تجاهلا واضحا من جانب حكومة المهندس شريف إسماعيل لـ»توجيه السيسى»، للدرجة التى دفعت البعض للإشارة إلى أن بطء أداء الحكومة فى الإنصات، ومن ثم تنفيذ توجيهات الرئيس يمكن القول أنه السبب الرئيسى فى تفاقم أزمة الأسعار التى ضربت غالبية السلع والمنتجات.


فى المقابل، وكنتيجة حتمية لـ»تطنيش الحكومة» سجل معدل التضخم فى سبتمبر ٢٠١٦ نحو ١.٣ ٪ عن أغسطس السابق عليه، زيادة سبتمبر لم تكن الأولى من نوعها خلال العام الجارى، وكافة الشواهد الحالية ومعطيات الوضع الراهن تشير- بل وتؤكد- أنها لن تكون الأخيرة طالما استمر ت المغالاة فى هوامش الربح من قبل المنتجين و حلقات التوزيع المختلفة .


الأرقام المتاحة حاليا تشير إلى أنه على صعيد المواد الغذائية نجد أن متوسط  هامش الربح فى هذة التجارة يصل الى ٢٨ ٪، و هو ما أكدته  دراسة رسمية صادرة عن مركز المعلومات و دعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء بعنوان “ دور تجار التجزئة فى ارتفاع أسعار السلع الغذائية “ ، والتى أكدت أيضا أن  متوسط هامش ربح تجارة التجزئة فى مصر  يبلغ حوالى ٢١٪ بالنسبة للموارد الغذائية مقارنةً بمتوسط يسجل نحو ٤.٤٪ فى بعض الدول.


الدراسة بررت الأرقام السابقة بالإشارة إلى أن قطاع تجارة التجزئة فى مصر يسيطر عليه عدد كبير من متاجر التجزئة صغيرة الحجم، موضحة - فى الوقت ذاته- أن الحل الأساسى للنهوض بقطاع تجارة التجزئة يتمثل فى إنشاء اتحادات لتجمع بين المتاجر الصغيرة، إضافة إلى ضرورة تشجيع الشركات المحلية والعالمية الكبرى على الدخول فى مجال تجارة التجزئة..


وبمقارنة هوامش الربح فى مصر ودول أخرى يتضح أنه فى الوقت الذى سجل فيه هامش ربح تجار التجزئة للمواد الغذائية نحو ٢١٪ فى مصر فإنه فى المقابل سجل نحو ٢ ٪ فى الولايات المتحدة الأمريكية، ونحو ٢.٩ ٪ فى أستراليا و ٣ ٪ فى ألمانيا بينما سجل هامش ربح المواد الغذائية فى أنجلترا و أيرلندا نفسة النسبة المقدرة بـ ٦.٥ ٪ أما كندا فيصل متوسط هامش الربح فيها للمواد الغذائية نحو ٤.٥ ٪


دراسة مركز دعم المعلومات واتخاذ القرار، كشفت أيضا أن هامش ربح تجار الجملة الذين يقومون بالتوزيع على التجزئة يبلغ نحو ٦.٦ ٪ و بهذا يصل إجمالى متوسط هامش الربح فى المواد الغذائية لنحو ٢٨ ٪.


وفيما يتعلق بهامش الربح فى قطاع إنتاج وتوزيع مواد البناء، اتضح أنه يصل لنحو ٥٠ ٪ للحديد و ٨٠ ٪ للاسمنت ، وذلك وفقا لتصريحات صادرة عن رئيس شعبة مواد البناء بغرفة القاهرة التجارية، فيما يبلغ متوسط هامش الربح بالنسبة لإنتاج و توزيع الملابس الجاهزة لـ ٤٠ ٪ - وفقا لبيانات صادرة عن غرفة الجيزة التجارية.


تجدر الإشارة هنا إلى أن هوامش الربح المبالغ فيها دفعت العديد من الجهات المهتمة بحقوق المستهلك للمطالبة بتشريع لتحديد متوسطاتها سواء للمنتجين أو الموزعين فى خطوة منهم لصد هجوم موجات التضخم المتتاليه.


و كان المستشار القانونى اللواء مصطفى عبدالستار ، سبق وأن طالب خلال أكثر من مناسبة البرلمان بضرورة سن تشريع لتحديد متوسطات هوامش الربح، هو نفس الأمر الذى طالب به بعض أعضاء اللجنة الاقتصادية بالبرلمان .


وتعقيبا على هذا الأمر قالت د. كريمة كريم، أستاذة الاقتصاد جامعة الأزهر، المستشار غير الدائم لدى الأمم المتحدة: الأسعار وصلت لحد السُعار، والوضع القائم حاليا يحتم على الدولة اتخاذ عدة إجراءات لوقف موجات التضخم المتتالية و غير المتوقفة منعا لسقوط أعداد جديدة من المصريين تحت خط الفقر .


د. «كريمة» تابعت حديثها قائلة: إذا تم وضع تسعيرة بمفهومها الحديث حتما ستكون واحدة من حلول  أزمة الاحتكار وارتفاع الأسعار، ومن الممكن أن يتم الاستعانة بمتخصصين و فنيين فى مختلف السلع لاحتساب التكلفة الحقيقية لكل سلعة و يتم تحديد متوسط للربح يتراح و بين ١٥ – ٢٠ ٪ ، وأن يتم على ضوء هذا الأمر إلزام المنتج بالبيع للمستهلك بسعر نهائى يمثل التكلفة الحقيقية للإنتاج مضافا إليها هامش الربح، على أن يتم عقاب كل من يخالف تقييمات تسعير اللجان المتخصصة فى تسعير السلع، على أن يكون العقاب عبارة عن غرامة تفوق الأرباح التى حققها المنتج.


وفى سياق الحديث عن «التسعيرة»، أكملت د. كريمة، بقولها: علينا أن ندرك هنا أن «التسعيرة» لا تعنى بأى حال من الأحوال العودة إلى النظام القديم، لكن يمكن القول أنها نظام يفرضه على السوق  قلة عدد المنتجين و غياب الرقابة، وأنها ستكون لجميع السلع و الخدمات إلى حين أن يزداد عدد المنتجين و تكون هناك منافسة حقيقية.


وفيما يتعلق بإشارة بعض الأصوات إلى أن تحديد متسوطات لهوامش الربح يخالف اقتصاد أستاذة الإقتصاد، عقبت على الأمر أوضحت أن «تحديد متوسطات لهوامش الربح لا يخالف اقتصاد السوق، كما أننا لا يجب أن نقارن أنفسنا بالدول الرأسمالية الكبرى، لأن هذه الدول سبقتنا فى تطبيق الرأسمالية إلى أن وصلت بعدد المنتجين إلى مستويات خلقت منافسة حقيقية، وليست منافسة مزعومة بين ٥ أو ٦ منتجين، يضاف إلى هذا أن قوانين حماية المنافسة و منع الممارسات الاحتكارية من القوانينن الصارمة فى التطبيق لدى هذه الدول، وليس معنى أن مصر تتبنى اقتصاد السوق أنها لا تحمى الفقراء و الطبقات المتوسطة - على حد تعبيرها.


وحول الآليات التى يمكن أن تتطلبها عملية وضع متوسطات لهوامش الربح قالت: لابد أن تجتمع الجهات المعنية مثل الزراعة و التموين و الصناعة، وأن يتم إرسال مندوبين لدى الدول التى يتم استيراد السلع الأساسية منها لمعرفة التكلفة الحقيقة لإنتاج السلعة، وأن يتم أيضا الاجتماع بالفلاحين فى الداخل لتحديد الأسعار الحقيقية للمحاصيل، ووضع سعر عادل للمنتج و معاقبة كل من يتجاوز المتوسط الموضوع لهامش الربح فى حلقته بغرامات مادية باهظة حتى يعتبر من يحاول حجب السلع أو يقوم بتخزينها والمتاجرة بقوت البسطاء .


كما شددت د. «كريمة» - فى سياق حديثها- على ضرورة وضع متوسطات هوامش الربح بناءا على أسس علمية و عادلة حتى يتقبلها الشارع، وفى الوقت ذاته تنال قبول التجار و المنتجين، والوضع الاقتصادى الحالى يحتاج أن تتخذ الحكومة وضع الهجوم وليس الدفاع.


من جانبه قال د. إبراهيم المصرى، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة: لم يعد من الممكن إنكار أن المغالاة فى الربح واحدة من أهم أسباب ارتفاع أسعار السلع والخدمات، وتحديدا خلال العام الجارى، ولدينا مثال حى متمثل فى تصريحات وزير الصحة، الدكتور أحمد عماد الدين، التى قال فيها إن شركات الأدوية كانت قد اتفقت على بيع دواء بسعر ١٤٦ جنيها و بعد الاجتماعات و المفاوضات تقرر بيعه ب ٦١ جنيها فقط ، كما أن هذه الظاهرة ليست بجديدة على مجتمعنا، لكن يمكن القول أنها تفاقمت بقوة خلال الفترة الماضية، لذا على جهاز حماية المستهلك و الغرف التجارية ووزارة التموين  الاتفاق على هامش ربح يلتزم به الجميع حماية للمنتج، كما أن المغلاة فى هوامش الربح ستصل بالمستهلك فى مرحلة ما إلى العزوف عن الشراء، و هو ما سيتسبب فيما يسمى الركود التضخمى و يقصد به ارتفاع الأسعار يلازمه ركود فى حركة البيع و الشراء.


د.»إبراهيم» أوضح أيضا أن «تحديد متوسطات لهوامش الربح ليست أمرا صعبا «، وتابع قائلا: على الأقل يمكن البدء بأسعار السلع الأساسية، وهنا أحذر من تراخى السلطات التنفيذية فى تطبيق التشريع ، لأن إصدار تشريع ما شىء وتنفيذه شىء آخر وتحديدا فى مصر، كما أننى أطالب البرلمان بعدم الاكتفاء بممارسة دوره التشريعى فقط، لكننى أرى أنه عليه ممارسة دور رقابى على مؤسسات الدولة المختلفة، وأن يدرك أيضا أنه ٦٠ ٪ من المصريين فقراء فإذا لم يتم عمل سيستم يحقق المصلحة للجميع سوف تكون العواقب وخيمة.


فى سياق ذى صلة قالت د. الحماقى أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس : مقترح وضع متوسطات لهوامش الربح يجب أن يكون فى شكل تسعيرة استرشادية، ويجب أن يوضع فى الاعتبار أيضا ألا تشكل قيود على المنتجين و الموزعين حتى لا أمنح للحكومة سلطة أو بابا إضافيا للفساد أو الرشاوى فى تحديد الأسعار و متوسطات هوامش الربح..


د.»يمنى» أنهت حديثها بقولها: وضع تسعيرة استرشادية سيسهم فى اكتشاف حلقات الاحتكار فى منظومة التوزيع أو الإنتاج، إلى جانب متابعة حركة السوق إذ أنه ستتم متابعة السعر المتفق عليه مع كل الحلقات، والحلقة التى سيرتفع فيها السعر هذا يعنى أنها هى الحلقة المخالفة و هنا أستطيع ضبط المخالفين و محاسبتهم بموجب القوانين المختصة.