شيخ الأزهر فى مؤتمر الإفتاء معترفاً: نحن مقصرون ولا نمتلك شجاعة الاجتهاد والتجديد

19/10/2016 - 11:22:01

تقرير يكتبه: طه فرغلى

اختتم مؤتمر الأمانة العالمية لدور الإفتاء - والذى انفردت المصور بنشر تفاصيله العدد الماضى - أعماله أمس


المؤتمر الذى شارك فيه أكثر من ٨٠ عالما من قارات العالم الخمس جاء ليواجه أزمة حقيقية تعانى منها الجاليات الإسلامية فى العالم وهى سيطرة المتشددين والمتطرفين على المراكز والمساجد، وهو ما يجعل المسلمين فى هذه الدول نهبا للتنظيمات الإرهابية.


اختتم المؤتمر أعماله ولكن تبقى الكلمة التى ألقاها الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر تعبر عن الأزمة الحقيقية، وهى خوف العلماء والمفتين من التجديد والدخول فى القضايا الشائكة.


شيخ الأزهر فى كلمته القوية الكاشفة قال إن علماء المسلمين فى القرن الماضى كانوا أكثر شجاعة من علماء اليوم، وأن علماء دارالإفتاء المصرية ومجمع البحوث الإسلامية مترددون فى اقتحام القضايا الأكثر خطرا فى حياة المجتمع، وقال نصا: «مِن المُؤلِمِ جِدًّا أَنْ أسجِّلَ هنا أنَّ علماءنا ومُفتِينا فى القرنِ الماضى كانوا أكثرَ شجاعةً مِن علمائنا اليومَ على اقتحام قضايا وأحكامٍ مَسَّتْ حاجةُ الناسِ إلى تجديدِها والاجتهادِ فيها فى ذلكم الوقت».


وأعلن شيخ الأزهر رفضه وتحفظه على مصطلح الأقليات المسلمة فى عنوان مؤتمر دار الإفتاء وقال: «إن مصطلح الأقلياتِ المسلمة، فى عنوان المؤتمر، هو مصطلح وافد على ثقافتنا الإسلامية وقد تحاشاه الأزهر فى خطاباته وفيما صدر عنه من وثائق وبيانات، لأنه مصطلح يحمل فى طياته بذور الإحساس بالعزلة والدونية، ويمهد الأرض لبذور الفتن والانشقاق، بل يصادر هذا المصطلح ابتداء على أية أقلية كثيرًا من استحقاقاتها الدينية والمدنية.


وأضاف: «أن ثقافتنا الإسلامية لا تعرف هذا المصطلح، بل تنكره وترفضه، وتعرف بدلًا منه معنى المواطنةِ الكاملةِ كما هو مقرَّر فى وثيقة المدينة المنورة، لأنَّ المواطنةَ –فى الإسلام- حقوق وواجبات ينعم فى ظلالها الجميع، وفق أُسس ومعاييرَ تحقِّق العدل والمساواة، فالمواطن المسلم فى بريطانيا مثلًا هو مواطن بريطانى مواطنة كاملة فى الحقوق والواجبات، وكذلك المسيحى المصرى هو مواطن مصرى مواطنة كاملة فى الحقوق والواجبات، ولا محل مع هذه المواطنة الكاملة، لأن يوصف أى منهما بالأقلية الموحية بالتمييز والاختلاف فى معنى المواطنة.. وفى اعتقادى أن ترسيخ فقه المواطنة بين المسلمين فى أوربا، وغيرها من المجتمعات المُتعَدِّدة الهويات والثقافات - خطوةٌ ضرورية على طريق «الاندماج الإيجابي» الذى دعونا إليه فى أكثرَ من عاصمة غربية، فهو الذى يحفظ سلامة الوطن وتماسكه.


وأوضح شيخ الأزهر أن المسلمين يعانون مما اسماه الفقه العبثى الذى يطرُقُ أسماعَ الناس ليلًا ونهارًا، ويُطاردُهم حيثما كانوا.


وكان شيخ الأزهر شديد الصراحة عندما قال إن هذا الفقه العبثى


وجد كتائبَ موازيةً من المُفتينَ، نَجَحوا –للأسفِ الشديدِ!- فى أن يتغلَّبوا على كثيرٍ من دُورِ الإفتاءِ فى عالَمِنا العربيِّ، وأكادُ أقولُ: على كلِّ مَجامِعِ الفقهِ والتشريعِ، وأوَّلُها مَجمَعُ البحوثِ الإسلاميةِ هنا فى الأزهرِ.


وأكد أن كتائب الفقه العبثى نجحت من خلال القدرةِ على التحرك والنزولِ إلى الناسِ بدُعاةٍ وداعياتٍ، ودُخولِ البيوتِ فى القُرى والكُفُورِ، عِلاوةً على اعتلاءِ بعض المنابرِ، والتحدُّثِ إلى الناسِ بما يُريدون، فى الوقتِ الذى ظلَّت فيه فتاوى دُورِ الإفتاءِ، وفتاوى المَجامِعِ ولجانِ البحوثِ الفقهيةِ، فتاوى فرديَّةً راكدة، قاصرةً على المُستفتي، أو حبيسةَ مُجلَّداتٍ عِلميَّةٍ لا يفيد منها ملايين الجماهير مِن المسلمين، أو رَهْنَ مؤتمراتٍ يُحدِّثُ فيها بعضُنا بعضًا، ونتواصَى فى نهاياتِها بما شاءت لنا أحلامُنا من آمالٍ وأمانٍ لا تَجِدُ من المُختصِّين مَن يرعاها أو يتابعُها أو يسعى إلى تنزيلِها على واقعِ الناسِ.


وخاطب شيخ الأزهر العلماء الحضور قائلا «أنا قبلَكم أوَّلُ مَن يتحمَّلُ نصيبَه من المسئوليَّةِ أمامَ الله وأمامَ المسلمين، ولكنى ربَّما كنتُ أكثرَكم التصاقًا بالجماهيرِ والبؤساءِ والبائساتِ، ومعرِفةً بما يَلحَقُهم من مُشكلاتٍ أُسَريَّةٍ تبلُغُ حدَّ الدَّمارِ والتشريدِ، بسببٍ من جُمودِ الفتوى، وتهيُّبِ الاجتهادِ، والعجزِ عن كسرِ حاجزِ الخوفِ من التجديدِ، حتى ظننتُ أنَّنا -كأهلِ علمٍ وإفتاءٍ- إن كنَّا على علمٍ دقيقٍ بما نُفتى به نصًّا، فإننا مُغيَّبون قليلًا أو كثيرًا عن محلِّ النصِّ، وإدراكِ الواقعِ الذى يُفتى بتنزيلِ النصِّ عليه. لا نتوقَّفُ عنده، ولا نتأمَّلُ مُلابساتِه ولا وزنَ الضررِ الذى يترتَّبُ عليه، ولا حجمَ المُعاناةِ الاجتماعيةِ والنفسيةِ التى تأخُذُ بتلابيبِ الناسِ من جرائه.


وأضاف «أَضرِبُ لحضراتكم مثلًا مُشكِلةً حيَّةً تتعلَّقُ بظاهرةِ فوضى تعدُّدِ الزواجِ، وفوضى الطلاقِ أيضًا، وما يَنشأُ عن هذه الظاهرةِ من عَنَتٍ يَلحَقُ بزوجةٍ أو أكثرَ، وتشريدٍ يُدمِّرُ حياةَ الأطفالِ، وضياعٍ يُسْلمهم إلى التمرُّدِ والإجرامِ، وأبادِرُ بالقولِ بأنَّنى لا أدعو إلى تشريعاتٍ تُلغى حقَّ التعدُّدِ، بل أرفُضُ أى تشريعٍ يَصدِمُ أو يَهدِمُ تشريعاتِ القرآنِ الكريمِ أو السُّنَّةِ المُطهَّرةِ، أو يَمسُّهمَا من قريبٍ أو بعيدٍ، وذلك كى أقطعَ الطريقَ على المُزايِدِينَ والمُتصيِّدين كلمةً هنا أو هناك، يَقطَعونها عن سِياقِها، ليتربَّحوا بها ويتكسَّبوا من ورائها. ولكنِّى أتساءلُ: ما الذى يَحمِلُ المُسلمَ الفقيرَ المُعوِزَ على أن يتزوَّجَ بثانيةٍ -مثلًا- ويتركَ الأولى بأولادِها وبناتِها تُعانى الفقرَ والضَّياعَ، ولا يجدُ فى صَدْرِه حَرَجًا يردُّه عن التعسُّفِ فى استعمالِ هذا الحقِّ الشرعيِّ، والخروجِ به عن مقاصدِه ومآلاتِه؟!


والإجابةُ فى نظري: أن الدعوةَ إلى شريعةِ الإسلامِ فى هذه القضيةِ لم تَصِلْ لهؤلاء على وجهِها الصحيحِ، وأنَّ الفتاوى –فى هذه القضية- تراكَمَتْ على المشروطِ الذى هو إباحةُ التعدُّدِ، وسكتت عن شرطَ التعدُّد، وهو: العدلُ وعدم لُحوقِ الضررِ بالزوجةِ.


وأردف قائلا «أثبتت الإحصائياتِ التى أُجرِيَتْ على أطفالِ الشوارعِ أنَّ ما لا يقلُّ عن ٩٠٪ منهم إنما كانوا ضحايا أُسَرٍ عبثَتْ بها فوضى الزواجِ وفوضى الطلاقِ، وأنَّ كلَّ أنواعِ الجرائمِ الخُلُقيَّةِ والاجتماعيَّةِ التى يُفرِزُها مجتمعُ أطفالِ الشوارعِ، إنما مردُّه إلى تعسُّفٍ فى استعمالِ حقٍّ شرعيٍّ، أو فهمٍ لنِصفِ الحقيقةِ الشرعيَّةِ، مع سُوءِ فهمٍ رديءٍ لنِصفِها الآخَرِ، وهو ما أدَّى إلى ما يُشبِهُ حالةَ الانفصامِ بين فقهِ النصِّ وفقهِ الواقعِ».


وقال «لابُدَّ من الاعترافِ بأنَّنا نعيشُ أزمة حقيقية يدفع المسلمون ثمنها غاليًا حيثما كانوا وأينما وجدوا، نتيجة الخوف والإحجام من التعامل مع الشريعة التى نصفها بأنها صالحة لكل زمان ومكان، لتقديم إجابات مناسبة لنوازل وواقعات مستجدة، وأيضًا نتيجة غياب الرؤية المقاصدية التى تشوِّش حتمًا على النظرة الاجتهادية، وتأخذ الفقيه بعيدًا عن الحادثة التى يبحث فى محلها عن الحكم الشرعى المناسب.. وأيضًا نتيجة الفتاوى المعلبةِ والمستوردةِ العابرةِ للدول والأقطار، ولا تراعى أحوال المجتمعات، ضاربة عرض الحائط باختلاف الأعراف والعادات والثقافات واللغات والأجناس، حتى صارت الفتوى الواحدة يُفتى بها للمسلم مهما اختلفت دياره وتنوَّعت أوطانه وتبدَّلت أحواله من حربٍ وسلامٍ وغنى وفقر وعلم وجهل، فهل يُعقَل أو يقبل أن يُفتَى للمسلم بفتوى واحدة فى النوازل المتشابهة من حيث الشكل والمختلفة، من حيث الواقعُ واحتمالاتُ الضرر والمصلحة فى القاهرة وميامى ومقديشو وجاكارتا ونيودلهى وموسكو وباريس وغيرها من الحواضر والبوادى فى الشرق والغرب».


من جانبه قال الدكتور شوقى علام مفتى الديار المصرية: إن أهمية هذا المؤتمر تنبع من التوقيت الذى يشهد موجة عنف لتيارات تبحث عن فتاوى تشرعن لها العنف.


واوضح أن الإحصائيات تؤكد أن خمسين ألف مقاتل فى صفوف داعش نصفهم من أبناء الأقليات المسلمة، وإعلام التنظيم يتحدث بـ١٢ لغة فكان على المؤسسات الدينية العريقة وذات الشأن فى هذا المجال أن تعلن عن نفسها لترد بقوة وبحسم على الأفكار الضالة بمنهجية علمية رصينة.


وأضاف أن الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم تعمل على إيجاد منظومة علمية وتأهيلية للقيادات المسلمة فى العالم يكون من شأنها تجديد منظومة الفتاوى التى يستعين بها المسلم على العيش فى وطنه وزمانه، كما ترسخ عنده قيم الوسطية والتعايش، وتعمل أيضًا الأمانة العامة على تأصيل الرباط بين الأئمة والدعاة وبين العلماء الثقات والمؤسسات الإسلامية الكبرى فى العالم الإسلامى وعلى رأسها الأزهر الشريف، ودار الإفتاء المصرية.


وأكد أن الحرب الفكرية مع الإرهاب والتطرف لا تقل ضراوة عن المواجهات الميدانية بالجبهات العسكرية.


المؤتمر اختتم أعماله بعد أن أعلن تبنيه خمس مبادرات:


المبادرة الأولى مرصد الجاليات الإسلامية، وهو بمثابة آلة بحثية لخدمة الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم لتحقيق الرصد الدقيق والمتابعة الرصينة لأوضاع الجاليات الإسلامية فى الخارج، ومساعدة صناع القرار فى المؤسسات الدينية والإفتائية على اتخاذ المواقف وبناء السياسات والبرامج التى تحقق صالح تلك الجاليات وتدفع فى اتجاه حل مشكلاتهم والتغلب على المعوقات التى تواجههم. ويستهدف المرصد بناء خريطة للجاليات المسلمة فى الخارج وأماكن توزيعها، وشبكة علاقاتها وطبيعة أوضاعها، ومجموعة القضايا والموضوعات التى تدخل فى دائرة اهتمام كل جالية.


المبادرة الثانية: وهى إعلان القاهرة، حيث تسعى الأمانة العالمية إلى إصدار إعلان من القاهرة بلد الحضارات التاريخية والأزهر الشريف الوثيقة الأولى لمبادىء التعاون والتعايش للجاليات المسلمة فى بلدان العالم لتمثل مرجعا للإفتاء والعمل ولتنظم العلاقة بين المسلمين بعضهم مع بعضهم، وكذلك مع غيرهم داخل الجاليات المسلمة حول العالم.
وسوف يهتم هذا الإعلان بإرساء مبادئ تتعلق بمفاهيم مثل: التعايش الفعال، والإخوة الإنسانية، واحترام الاختلاف، والحفاظ على الحريات، واحترام الدساتير والقوانين وسيادتها، ونبذ الكراهية، إدارة التطرف.
والمبادرة الثالثة: تقديم الدعم العلمى والفنى فى إنشاء مؤسسة إفتاء ومن المنتظر أن تشتمل هذه المبادرة على بيان تفصيلى لكيفية تأسيس دار إفتاء منذ التفكير فى إنشائها وبيان كيفية وضع الرؤية والرسالة لهذه الدار الناشئة بما يتوافق مع الرؤية والأهداف الاستراتيجية للدول التى تنشئها.


أما المبادرة الرابعة فهى برنامج تدريبى لتحسين المعارف والمهارات الإفتائية لإكساب المشتغلين بالعلوم الشرعية المهارات الإفتائية، والعلمية، والفنية اللازمة لرفع كفاءة وجودة الأداء الإفتائى لديهم، ومن ثم رفع كفاءة وفعالية المؤسسات الإفتائية إن كانوا بالفعل يمارسون الإفتاء فيها.
وأخيرا تأتى المبادرة الخامسة التى تهدف إلى إنشاء ملتقى بحوث ودراسات الأقليات المسلمة، بحيث يجمع الباحثين والدارسين من مختلف التخصصات التى تتعلق بشئون الأقليات المسلمة، وتعقد حلقات نقاشية حول هذه الشئون وتخرج بورقة عمل رصينة تتعلق بضبط التعامل مع قضية من قضايا الأقليات على أن تعقد جلسات وحلقات هذا الملتقى فى شكل ندوات دورية يشارك فيها الباحثون وأبناء الأقليات فى شكل تفاعلى بنَّاء.