.. وبدأت معركة الموصل.. بعد داعش الحرب الطائفية تهدد المنطقة

19/10/2016 - 10:47:57

تقرير: عزة صبحى

على شاشة التليفزيون العراقى الرسمى أعلن الرئيس حيدر العبادى بدء العمليات التى من المنتظر أن تكون هى الأشرس منذ الانسحاب الأمريكى من العراق قبل ٥ سنوات . بدأت فجر الاثنين معركة تحرير الموصل والتى طال الاعداد لها وذلك بغطاء جوى بقيادة أمريكية غطى سماء شمال المدينة، ولكن حتى اللحظة ليس من المعروف التوقيت الذى ستدخل فيه القوات البرية المدنية، حيث يبلغ عدد القوات البرية التى تشارك فى العملية ٦٠ ألفاً وتخطط لشن الهجوم على أربعة محاور، محوران فى الشمال عبر تل عفر وسهل نينوى وتقوم به قوات البشمركة الكردية ومحور جنوبى عبر القيادة المشتركة من جيش وشرطة اتحادية عراقية أما المحور الرابع فهر غربى مدينة الموصل ويهدف لمنع هروب عناصر داعش إلى سوريا.


الاتفاق على الخطط الحربية ليست شرطاً لنجاح تحرير الموصل واستقرارها فيما بعد، فالخلافات الشديدة بين بغداد وأنقرة والاختلاف بين جميع الأطراف حول مابعد داعش فى الموصل ومن تبقى له السيطرة على الأرض يهدد بنشوب حرب طائفية سنية شيعية تبدأ فى الموصل وربما تصل إلى دول الإقليم والـــدولة الإسلامية كله


٦٠ ألف جندى من الجيش العراقى بعتادهم الثقيل والخفيف وعشرات الآلاف من ميليشيات قوات البشمركة من أكراد العراق والحشد الوطنى السنى والحشد الشيعى وأكثر من ثمانية آلاف من الأجانب من قوات التحالف الدولى الذى يضم ستين دولة هذا فضلا عن القوات التركية المتمركرة فى معسكر بعشيقة . كل هذه الحشود فيها من تنظيم داعش الإرهابى الذى يملك مابين ستة إلى ثمانية آلاف مقاتل على أكثر تقدير . وتعتبر محافظة نينوى وعاصمتها الموصل ثانى أكبر مدينة فى العراق بعد الأنبار، وتبلغ مساحتها حوالى أربعين ألف كيلومتر وتشكل تسعة بالمائة من مساحة العراق وتتكون من ٣٢ بلدة عشرة تشارك فى تحرير الموصل كبيرة و٢٢ صغيرة. المحافظة مترامية الأطراف ويبلغ عدد سكانها قبل دخول تنظيم داعش إليها فى يونيه ٢٠١٤ نحو ثلاثة ملايين ونصف المليون انخفض إلى مليونين الآن طبقا لتقديرات بالأمم المتحدة بعد نزوح مئات الآلاف منها إلى الخارج .


يسيطر داعش على مركز نينوى وشرقها وجنوبها ويملك معبراً حدوديا مهماً إلى سورية عبر قضاء البعاج مما سينمحه ميزة فى المناورة عبر جلب تعزيزات من سورية أو الانسحاب مؤقتا إلى الجانب السورى ومعاودة والاتصال وتكمن قوة التنظيم الإرهابى فى الضواحى المحيطة حيث قام التنظيم بتلغيم كل مداخل المحافظة وقام بحفر الخنادق وتفخيخ كل المبانى الإدارية والرسمية كما حصل التنظيم مؤخرا على طائرات بدون طيار قام باستخدامها بالفعل فى عملياته الأخيرة . وبسبب المساحة الشاسعة فإن على قوات تحرير الموصل أن تخوض عدة معارك فى نفس الوقت اعتمادا على المشاركات الكثيرة فى هذه المعركة. إذ تنتشر قوات البشمركة الكردية فى الأجزاء الشمالية من نينوى ضمن هلال يبدأ من بلدة مخمورة فى الشرق انتهاء الى سنجار فى الغرب بينما ينتشر الجيش العراقى فى الأجزاء الجنوبية عند بلدة القيارة. أما قوات الحشد الوطنى السنى فتنتشر فى الشمال بالقرب من بعشيقة وفى الغرب ينتشر خليط من مقاتلى حزب العمال الكردستانى والبشمركة والأيزيديين فى الغرب .


المشكلة التى عرقلت بداية المعركة والتى عملت واشنطن على حلها فى أسرع وقت هى أن السبعة تشكيلات للقوات التى تنتظر ساعة الصفر على أبواب المواصل ترفض بعضها بعضاً وتريد استبعاد طرف أو آخر . عشائر نينوى والموصل ترفض اشتراك الحشد الشيعى فى المعركة خوفا من تعرضهم للقتل والانتقام والعنف الطائفى كما حدث عند تحرير الفلوجة. قوات البشمركة أيضا ترفض الفصائل الشيعية ومثلها تركيا التى حذرت من أن مشاركة الحشد الشيعى ستؤدى إلى حرب طائفية . أما الجيش العراقى فينظر بعين الشك إلى قوات الحشد الوطنى السنى التى قامت بتدريبها القوات التركية الموجودة فى معسكر بعشيقة على اعتبارات ولائهم لأنقرة. كما أن حزب العمال الكردستانى الموجود فى سنجار قرب الموصل فيواجه تحفظات واعتراضات من الحزب الديمقراطى الكردستانى بزعامة مسعود برزانى بسبب خلافات كردية داخلية. أما القوة التركية البالغ عددها ألفا جندى بعتادهم الثقيل والصواريخ فتواجه رفضا تاماً للمشاركة من قبل الحكومة العراقية والحشد الشيعى حيث تدور الآن معركة دبلوماسية كبيرة بين بغداد وأنقرة حول وجود القوات التركية على الأراضى العراقية. وبدورها ترفض تركيا مشاركة الفصائل الشيعية فى المعركة وترفض مشاركة حزب العمال الكردستانى على اعتبار أنه منظمة إرهابية .


جميع القوات المشاركة فى المعركة لها هدف واحد فقط مشترك وهو طرد تنظيم داعش من الموصل ولكن فى نفس الوقت لكل طرف منهم أهداف أخرى مختلفة ومعارضة ومتصارعة فى نفس الوقت من دخول الموصل .


تسعى الفصائل الشيعية إلى السيطرة على مدينة تلعفر والتى يؤكدون أنها كانت تضم حوالى نصف مليون شيعى من طائفة الشبك والذين فروا منها بعد دخول داعش . وتسعى قوات البشمركة الكردية إلى السيطرة على قضاء سنجار ومناطق سهل نينوى التابعة للمسيحيين وضمها إلى إقليم كردستان .


وتعتبر قوات البشمركة هذه المعركة قومية من أجل رسم خريطة دولة كردستان وتسعى لحماية حدود الإقليم والعمل على ضم سهل نينوى وسنجار إلى إقليم كردستان ومنع الجيش العراقى والفصائل الشيعية من الاقتراب من هذه الحدود .


أما التشكيلات العسكرية الأيزيدية المتحالفة مع حزب العمال الكردستانى فتسعى للعودة الى مناطقها فى الموصل والانتقام من العرب السنة الذين يعيشون جنوب سنجار وتعرض الآلاف منهم للقتل والخطف على يد مسلحى تنظيم داعش ويتهمون العرب السنة بالمشاركة فى هذه الأعمال . بوادر هذا الانتقام بدأت بالفعل فى يناير الماضى عندما هاجم مسلحون أيزيديون قرى سنية وقتلوا وحرقوا منازل السنة. أما زعيم الفصيل الشيعى «عصائب الحق » الذى يعمل من خلال الحشد الشعبى الشيعى فقد أكد أن مشاركته فى معركة الموصل إنما تأتى من أجل الانتقام والثأر من قتلة الإمام الحسين بن على بن أبى طالب الذى قتل عام ٦٨٠ ميلادية!!


الأطماع التركية


أطماع الأطراف السابقة المشاركة فى معركة الموصل تعتبر كلها خاصة بمكونات من الشعب العراقى حتى لو كانت مدعومة بأطراف إقليمية ودولية . أما الأطماع التركية من وراء معركة الموصل فهى تدخل سافر ينذر بتحويل مابعد المعركة إلى حرب طائفية إقليمية لتركيا أطماعها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية فى الموصل وهى تحاول الاستناد إلى اتفاقية أنقرة الموقعة عام ١٩٢٦ المختصة بالنزاع على الموصل بين تركيا والعراق حيث اعترفت أنقرة بتبعية الموصل للعراق وتنازلت تركيا عن أى ادعاءات بشأنها وترسيم الحدود بشكل نهائى بين الدولتين. حصول تركيا على ١٠٪ من نفط كركوك لمدة خمسة وعشرين عاما إعطاء تركيا حق التدخل العسكرى فى الموصل لحماية الأقلية التركمانية لأى اعتداء كما أن الرئيس التركى اردوغان أكد بنفسه مؤخرا أنه غير راض عند الحدود التركية الحالية التى نتجت عن الاتفاقيات الدولية التى وقعتها تركيا أثناء انهيار الإمبراطورية العثمانية على يد مصطفى كمال أتاتورك والتى بمقتضاها تنازلت تركيا عن مساحات من الأراضى لدول محيطة بها كما تنازلت عن جزر فى بحر إيجه لليونان .


ويؤكد المراقبون أن تذكر تركيا فجأة لهذه الاتفاقيات إنما يعود إلى رغبة اردوغان فى أحياء الإمبراطورية العثمانية ويتساءلون أين كانت تركيا عندما تعرض التركمان لمذابح وتنكيل على أيدى النظام العراقى السابق فى الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضى. ويضيف هؤلاء المراقبون أن تركيا طامعة فى قضاء تلعفر الغنى بالنفط من حقل زالة وممر أنابيب النفط من كركوك شمالى بغداد إلى ميناء جيهان التركى . كما أن لهذا الإقليم الموصل موقعاً استراتيجياً مهم كونه يربط بين ثلاث دول العراق وسوريا وتركيا عبر منفذ ربيعة الحدودى . كما أن موقع الموصل الجغرافى يقوم بمثابة الحد الفاصل ليحول دون قيام مايسمى بدولة كردستان الكبرى باعتبارها تفصل بين الوجود الكردى فى ايران والعراق وتركيا وسوريا. وتؤكد تحليلات أخرى أن تركيا ترغب فى تكوين مركز قوة سنى فى شمال العراق عبر حكومة اقليم كردستان والعشائر السنية فى هذه المنطقة ليكون بمثابة منطقة عازلة لها من النفوذ الشيعى الإيرانى . وذلك مثلما تقوم الآن من خلال عملية درع الفرات التى تقوم بها فى سوريا بإنشاء منطقة عازلة لها داخل سوريا على الحدود مع تركيا تصل مساحتها إلى خمسة آلاف كيلومتر لتأمين حدودها من أكراد سوريا ومن داعش .


مابعد داعش


واشنطن التى تمسك بزمام معظم الخيوط فى العراق قد تنجح فى التوفيق بين الأطراف المختلفة لبدء معركة تحرير الموصل بعد تقديم الوعود والتطمينات المختلفة لكل أطراف العملية العسكرية ، لكن هذا لاينفى أن معركة الموصل لايمكن توقع مجرياتها بشكل كبير كما أن هناك استحالة بتوقع نتائجها فهى المعركة الأكثر تعقيدا فى العراق فى حال انتهاء المعارك والتى من المتوقع أن تمتد لشهور طويلة ستظهر على الفور مشكلات سياسية وقومية ودينية وعرقية بقيت منذ سنوات طويلة بلا حل . كما أن المحافظة التى تضم خليطاً من السكان من السنة والشيعة والمسيحيين والشبك والأيزيديين والكرد لن يكون من السهل إدارتها تحت قيادة فى ظل تعدد وتضارب المصالح كما أن ما أقدم عليه داعش من ممارسات وحشية خلال العامين الماضيين لايمكن نسيانه بسهولة .


تدور الاقتراحات الآن حول الدفع فى الموصل بعد تحريرها من داعش حول عدة محاور . أولها والمثير للجدل تقسيم نينوى إلى عدة محافظات حسب تقسيمها القومى والدينى ، تكون هناك مدن خاصة بالمسيحيين والأيزيديين وأخرى خاصة بالسنة وأخرى بالشيعة وأخرى بالكرد وكلها مستقلة عن بعضها بعضاً وتقوم بحماية نفسها دون الاهتمام بالمدن المجاورة .


بعض القيادات السنية تطالب بضم إقليم الأنبار إلى إقليم نينوى فى إقليم واحد خاص بالسنة فى العراق . أما أردوغان فأكد أنه لايجب أن يبقى فى الموصل بعد تحريرها إلا أهاليها من السنة العرب والسنة التركمان والسنة الأكراد ولايحق للشيعة أن تدخل هذه المناطق .


أما الحكومة العراقية فهى لاتمتلك رؤية حقيقية وواقعية لمستقبل الموصل وتؤكد أن المدينة يجب أن تعود إلى الوضع الذى كان قائماً وهو محافظة واحدة تضم جميع البلدان السنية والشيعية والكردية والأيزيدية وهى هنا تقترح وضعاً لاتملك هى نفسها القدرة على تحقيقه . وللأسف فإن معظم التوقعات تحذر من حرب طائفية سنية شيعية قد تبدأ فى الموصل بعد تحريرها لتمدد بنيرانها بعد ذلك إلى الدول الإقليمية ومنها إلى العالم الإسلامى كله .