لوزان- لندن الأزمة السورية بدون حل

19/10/2016 - 10:39:20

تقرير: سناء حنفى

لم يخرج اجتماع “لوزان” الذى استمر لمدة أربع ساعات ونصف الساعة عن التوقعات، ولم يسفر عن أى نتائج أو خطوات ملموسة للأزمة الخطيرة التى تمر بها مدينة حلب سوى أنه كسر الجمود الذى أصاب المحادثات بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا احتجاجاً على التصعيد العسكرى الروسى فى حلب، وإذا كان الاجتماع ساده توترات شديدة كما ذكر وزير الخارجية الأمريكى جون كيرى، إلا أن سيرجى لافروف وزير الخارجية الروسى اعتبره فرصة لمناقشة أفكار مثيرة للاهتمام وجديدة والاتفاق على مواصلة المفاوضات فى المستقبل القريب.


وقد شاركت فى المؤتمر دول المنطقة الأكثر تأثيراً على الوقائع على الأرض مثل تركيا وقطر السعودية وكذلك مصر والعراق والأردن وإيران، فى حين لم تدع الدول الغربية وخاصة فرنسا وبريطانيا لتبنيها موقفاً متشدداً تجاه موسكو كما لم تتم دعوة المعارضة السورية إلى محادثات لوزان، وهو الأمر الذى دعا وزير الخارجية الأمريكى لعقد اجتماع فى العاصمة البريطانية لندن مع وزراء خارجية فرنسا وألمانيا وبريطانيا، لبحث سبل وقف الحرب الأهلية المستمرة فى سوريا، وقد ذهب كيرى إلى لندن دون أن يحمل معه أى خطة مفصلة للسلام فى سوريا وإنما ما وصفه بأنه مجرد أفكار جديدة، وقد عكس اجتماع لوزان العجز الدولى للتوصل إلى طريق سلمى بعيداً عن الصراع الذى راح ضحيته نصف مليون من القتلى وساهم فى خلق أسوأ أزمة للاجئين فى أوربا منذ الحرب العالمية الثانية، كما تسبب فى حالة من عدم الاستقرار فى المنطقة وهو الأمر الذى استغله تنظيم الدولة.


وعلى الرغم من شراسة الهجوم الروسى والسورى على الشطر الشرقى لمدينة حلب الذى يخضع للمعارضة وذلك لاستعادة السيطرة الكاملة على مدينة حلب المنقسمة منذ عام ٢٠١٢ واستهداف هذه الهجمات المتعمدة للمستشفيات والطواقم الطبية والمدارس، بالإضافة إلى استخدام البراميل المتفجرة والقنابل العنقودية والأسلحة الكيماوية وهو ما يمثل تصعيداً كارثياً فى الصراع يرقى لجرائم الحرب. إلا أن اتهام روسيا بارتكاب مثل هذه الجرائم لن يسفر عن نتائج حاسمة وحتى فرض المزيد من العقوبات ضد روسيا والضغط عليها لانتهاج حل سياسى، لكن يرى البعض أنه لن يكون رادعاً للسياسة الروسية وظهر ذلك واضحاً من خلال العقوبات التى فرضت ضدها بعد استيلائها على شبه جزيرة القرم والتى تتحملها روسيا بل وتلعب معها دورا كبيرا على الساحة الدولية، ومن ناحية أخرى فإن الحلفاء الأوربيين لا يتحمسون لهذا التحرك، وتعترض دول غربية على عدم وجود حماية إقليمية للتصعيد ضد روسيا وزيادة التعاون بين موسكو وأنقرة خاصة بعد حادث الطائرة الروسية التى أسقطتها تركيا، وهو الأمر الذى يكشف عن قدرة موسكو على استغلال الأوراق المتاحة أمامها.


ومن جهة أخرى يعارض الرئيس الأمريكى باراك أوباما والبنتاجون بشدة توجيه أى هجمة عسكرية ضد قوات الأسد لأنها تتداخل مع القوات الروسية ويمكن أن يدفع ذلك لحرب خطيرة تخرج عن السيطرة، كما تخشى الإدارة الأمريكية أيضاً من تسليم فصائل مختارة من الجيش الحر صواريخ يصل مداها إلى ٤٠ كيلو متراً لإعاقة تقدم القوات البرية فى شرق حلب وتسليم بعض المقاتلين مضادات طائرات قاذفة أو أى أسلحة متطورة خوفاً من وقوعها فى أيدى الجماعات المتطرفة.


وكان هناك أيضاً اقتراح بمراقبة المجال الجوى السورى وفرض حظر جوى فوق حلب نظراً لاحتكار النظام السورى والروسى القوة الجوية فوق المدينة، لكن يبدو هذا وكأنه مجازفة بمواجهة كارثية فإذا كان الحظر الجوى الذى فرضته الولايات المتحدة وبريطانيا فوق شمال العراق عام ١٩٩١ لحماية الأكراد قد نجح ولم يشكل خطورة على البلدين، فالسبب وراء ذلك أنهما كانتا فى حرب بالفعل ضد صدام حسين، وأنه كان معزولاً ولم يكن مدعوماً من روسيا أو أى حليف عربى وفرض منطقة حظر جوى من جانب واحد سيكون بمثابة إعلان حرب على روسيا والأسد معاً.


ويبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية تدرك مدى العجز الدولى فى إيجاد حل للأزمة السورية إلا من خلال المفاوضات فى محاولة للحد من بحور الدم التى تسفك فى سوريا وقام أوباما بتوجيه فريق الأمن القومى التابع له لتجديد الجهود الدبلوماسية، خاصة أن التقرير الاستخباراتى الأمريكى يشير إلى أن القوات النظامية السورية والتى تدعمها روسيا وإيران ستواصل الهجوم على حلب لتسقط بشكل كامل خلال ٤ أو ٦ أشهر وفرض هذا الواقع على الإدارة الأمريكية الجديدة وتحاول واشنطن إبطاء عملية سقوط حلب وتخفيف العنف والمعاناة الإنسانية فيها.


ومن المعتقد أن الانتصار فى معركة حلب سيمهد الطريق لاستعادة سيطرة النظام على بقية مناطق البلاد لاعتبارها مدينة كبيرة، بل إنها ثانى أكبر مدينة بعد دمشق كما أنها كانت تمثل المركز الاقتصادى فى سوريا.


ومن الواضح أن موسكو استغلت الموقف لصالحها وفرض إرادتها فحرصت بعد توقف المفاوضات فى الثالث من أكتوبر بينها وبين واشنطن، إثر فشل وقف إطلاق النار الذى توصلت إليه البلدان فى جنيف فى الشهر الماضى على إثارة حالة من التصعيد الإعلامى يوحى ببدء حرب عالمية ثالثة وبخاصة مع تزايد الحديث عن ضربات لإسقاط طائرات أمريكية أو تجهيز ملاجئ تحسباً لقصف نووى فى موسكو، وذكر التليفزيون الحكومى الروسى أن بطاريات المضادات الجوية الروسية فى سوريا ستسقط الطائرات الأمريكية وأنه يجرى تدريبات دفاع مدنى تحشد ٤٠ مليون روسى على مدى أسبوع، كما تمت تغطية الجدران برسومات وطنية، ومن جهة أخرى أطلقت وزارة الدفاع الروسية بيانات تحذيرية لواشنطن تؤكد أن صواريخ «إس ٣٠٠» المضادة للطائرات و»إس ٤٠٠» التى تؤمن الغطاء الجوى لقاعدتى حميميم وطرطوس لديها نطاق تحرك يمكن أن يضرب أى طائرة غير معروف هويتها فى إشارة إلى إمكانية إسقاط الطائرات الأمريكية، كذلك فقد قامت بتكثيف حشودها العسكرية فى شرق البحر المتوسط وفى قواعدها البحرية والجوية وأرسلت حاملة طائرات وأكثر من سبع سفن حربية مجهزة بصواريخ قادرة على إغراق فرقاطات وحاملات طائرات أمريكية وعربية، وقد أرادت روسيا من هذا الحشد العسكرى إلى إبراز استعدادها للمواجهة العسكرية إذا احتاج الأمر اتخذت هذه الخطوات قبل المشاركة فى اجتماع لوزان من الواضح أن أكثر الفائزين من الأحداث السورية الدامية هو الرئيس الروسى فلاديمير بوتين الذى انتهز فرصة الضعف الأمريكى فى التعامل مع هذه الأزمة لكى يعود بروسيا من جديد كقوة عظمى ويحقق مكاسب لبلاده من عمليتها العسكرية فى سوريا بتعزيز إطلالتها الاستراتيجية على البحر المتوسط من خلال قواعدها العسكرية ونشر الصواريخ المتطورة ودعم مكانتها الدولية.