انسحابات إفريقية بالجملة من المحافل الدولية

19/10/2016 - 10:37:39

تقرير: يمنى الحديدى

دائما ما تكون الحجة التدخل الخارجى فى شئون البلاد وتكون النتيجة الانسحاب من معظم الهيئات والمنظمات الدولية، وبهذا تبرر معظم الدول الإفريقية موقفها الغريب والمتكرر – من حيث الخروج من هذه المنظمات- وعلى رأس هذه المنظمات المحكمة الجنائية الدولية والمفوضية السامية لحقوق الإنسان.


وتطورا لهذا المسلسل قام مجلس النواب البروندى يوم الأربعاء الماضى بالتصويت على الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية، وتعليق التعامل مع المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، وذلك بعد أن نشرت المفوضية تقريرا تنتقد فيه سياسات الدولة الصغيرة، التى تقع فى قلب إفريقيا.


جاء قرار البرلمان بالانسحاب من المحكمة بعدما صرح وزير العدل بأن المحكمة تستخدم كوسيلة للضغط على الدول الفقيرة من أجل زعزعة استقرارها.. والجدير بالذكر أن بروندى تعانى الآن من اضطرابات داخلية قد تجعلها على أعتاب حرب أهلية جديدة.


وقد بدأت هذه الاضطرابات فى أبريل عام ٢٠١٥، بعد أن أعلن الرئيس البروندى بيير نكورونزيزا نيته عن الترشح لفترة رئاسية ثالثة، منتهكا بذلك اتفاق “ أروشا” التى شكلت تقاسم السلطة فى بروندى من أجل إنهاء الحرب الأهلية التى استمرت لمدة ١٢ عاما.. وقد تفاقم الوضع فى بروندى بعد هذا القرار، حيث سجلت مفوضية حقوق الإنسان حينها ٢٤٠ حالة قتل على الأقل، وأشار موقع وزارة الخارجية الأمريكية إلى انتشار الجثث الملقاة فى الشوارع، ورغم أن الجانب الأكبر من المسئولية فى إثارة الفوضى يقع على عاتق الحكومة - ولا سيما بعد وجود شبهات حول قيام الأجهزة الأمنية بالتعذيب والاغتيالات وجرائم القتل بعيدا عن القضاء- إلا أن هجوم الجماعات المسلحة على القوات الحكومية يزيد الوضع سوءا، لذا فإن أى انتقاد يوجه للدولة تعتبره الدولة مجرد إشاعات أو تدخل فى شئونها.


وعلى الرغم من قرار مجلس النواب، إلا أنه لن يتم تفعيل القرار إلا بعد موافقة الرئيس البروندى بيير نكورونزيزا عليه.. فموقف الرئيس البوروندى مازال غامضا، فهل سيفجر مفاجأة كبرى، أم أنه سينضم لصفوف المعارضين الأكثر ضراوة للمحكمة وعلى رأسهم الرئيس الكينى اوهورو كينياتا والرئيس السودانى عمر البشير نظرا لأنهم كانوا وما زالوا موضع ملاحقة من قبل هيئة محلفى المحكمة (النيابة العامة للمحكمة).. فالبشير يعتبر متهما أساسيا، ومطلوب القبض عليه فى قضايا العنف والجرائم ضد الإنسانية فى إقليم دارفور وما نتج عنها من قتل وتشريد لآلاف المواطنين، أما كينياتا فقد كان أول رئيس يمثل أمام المحكمة الجنائية، وذلك فى عام ٢٠١٤، حيث كان يواجه تهما بتدبير جرائم إبادة جماعية عرقية، قتل فيها ألف ومائتا شخص عقب انتخابات عام ٢٠٠٧، وقد نفى كينياتا هذه الاتهامات وطالب بإسقاط التهم.


فمن الواضح أن فوبيا المحكمة الجنائية أصبحت تتفشى فى أغلبية القارة، حيث يعتقد معظم الحكام الأفارقة أن المحكمة ما هى إلا هيئة استعمارية جديدة، متحيزة وتعمل ضد الدول الإفريقية.. فهم يرون أن – الأفارقة فقط- هم من تستطيع المحكمة أن تضعهم فى قفص الاتهام.. ولكن هناك جانبا غائبا عن هؤلاء الحكام، فالمحكمة أيضًا تحقق فى قضايا فى العراق وأفغانستان وأوكرانيا.. وربما هذا لم يقنع كثيرا الجانب الإفريقى الذى دائما يطرح هذه القضية فى أى قمة إفريقية، بل ويحث جميع الدول الإفريقية على التخلى عن هذه الهيئة الدولية.


ويخلط البعض بين المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، ولكن فى الوقع أنهما نظامان قضائيان مستقلان، فمحكمة العدل الدولية هى الذراع القضائية لهيئة الأمم المتحدة وتقع فى لاهاى، وتختص بالنظر فى القضايا التى تضعها الدول أمامها، أماالمحكمة الجنائية الدولية فقد أنشئت عام ٢٠٠٢، كهيئة قضائية دائمة فى لاهاى تنظر فى جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وذلك بعد عدة محاولات كان آخرها ١٩٩٨، حيث أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة مشروع القرار بأغلبية ١٢٠ صوت مقابل ٧ وامتناع ٢١ عن التصويت، والدول السبع الرافضة حينها هى أمريكا، إسرائيل، الصين، العراق، اليمن، قطر وليبيا.


ظهرت المحكمة بعد ذلك بصفة قانونية فى يوليو ٢٠٠٢. وقد صادق على قانون المحكمة ١٢٣ دولة حتى عام ٢٠١٥، تشمل غالبية أوربا وأمريكا الجنوبية ونصف أفريقيا، ولكن الجدير بالذكر أنه فى عام ٢٠٠٢ سحبت كلا من أمريكا وإسرائيل توقيعهما على قانون المحكمة، ولم يعد هناك ما يلزمهما تجاه هذه المحكمة.


وقد نظرت المحكمة فى عدة قضايا منها قضية الرئيس الإيفوارى السابق لوران غباغبو والملازم شارل بلى غودي، اللذان يواجهان اتهامات بارتكاب ٤ جرائم ضد الإنسانية، وفى جمهورية الكونغو الديمقراطية سلم بوسكو نتاغاندا، الزعيم السابق للمتمردين الكونغوليين، نفسه، طواعية، إلى المحكمة الجنائية الدولية فى مارس ٢٠١٣، عقب صدور مذكرتى توقيف فى حقه، واتهمته المحكمة بـ ١٣ جريمة حرب و٥ جرائم ضد الإنسانية، وفى جمهورية إفريقيا الوسطى حيث يواجه القائد العسكرى ونائب الرئيس السابق لجمهورية الكونغو الديمقراطية، جان بيير بيمبا غومبو، تهما متعلقة بانتهاكات ارتكبتها قواته فى إفريقيا الوسطى خلال الفترة الممتدة من ٢٥ أكتوبر ٢٠٠٢ إلى ١٥ مارس ٢٠٠٣، هذا بجانب قضايا دارفور وكينيا.


وبموجب قانون هذه المحكمة الحالى سيكون على الحكومة البروندية رغم انسحابها، التعاون فى التحقيقات التى بدأت قبل انفصالها. وبالنسبة لبروندى فإن جرائم العنف والقتل واختفاء السياسيين بدأت فى أبريل عام ٢٠١٥.


 



آخر الأخبار