فاروق شوشة.. وأحزان الفقراء..

19/10/2016 - 10:18:24

  مع الأحفاد..  طاب له المقام مع الأحفاد.. طاب له المقام

بقلم - دكتور صفوت حاتم باحث وكاتب سياسى

صعب علىّ أن أتكلم عن الشاعر الكبير فاروق شوشة بصيغة ” الماضى ”.. فحضوره فى داخلى أكبر من حقيقة رحيله الجسدى عن دنيانا الفانية المزيفة .


مشاهد كثيرة له تملأ وجدانى وخيالى تجعلنى لا أصدق رحيله عن دنيانا.. وعن دنياى .


ويتداعى فى ذهنى دوما مشهد يوم الجمعة من كل أسبوع.. حيث موعد الغداء المقدس مع أسرته: حرمه السيدة هالة الحديدى وكريمتيه يارا ورنا وأحفاده: حبيبة وملك وعز الدين وحمزة..


 وأنا الوافد حديثا على هذه الأسرة المتحابة


ويجتاحنى فى هذه اللحظات، مشهد انفراج باب شقته منفتحا  عن طلته المرحبة ووجوده الآسر وصوته الغنائى.. منطلقا بجملته المرحبة: يا أهلا.. يا أهلا.. يا أهلا..


كان موعد الجمعة موعدا مقدسا لديه.. وكان التئام أسرته حوله على الغداء هو أكثر ما يسعده ويهتم به فى حياته.. وربما كانت لحظة اجتماع كل الأسرة , أكثر لحظات حياته  سعادة.. وأعمق من كل لحظات التكريم والإشادة التى كان يحظى بها فى المناسبات العامة والاحتفاء به .


 وتشمل دائرة الاهتمام الانشغال المسبق بإعداد ما يسعد كل شخص فى الأسرة.. كبيرا أو صغيرا.. لكى يفاجئ كل فرد من أفراد الأسرة بما يحبه ويتوقعه منه فى لقاء الجمعة..


  وفى هذا اللقاء.. تحتل مهمة إعداد طبق السلطة لحفيديه بنفسه دائرة الاهتمام أكثر مهمة تسعده.. وتسعد الحفيدين .


كانت أجمل لحظات حياته.. تلك اللحظات التى  يحتضن فيها بناته وأحفاده.. حيث يستكين فى حضنه كل فرد من أفراد الأسرة الصغيرة.. كل فى دوره.. لكى يحصل على نصيبه “ الشرعى ” من حنانه الدافئ.


وربما كان تدفق  “ الحنان “ هو أميز خصاله..


حنان منساب فى هدوء.. كانسياب النيل عند التقائه بالبحر فى دمياط..


دمياط حيث مولده ونشأته وذكرياته .


وفى أيامه الأخيرة كان يستدعى كثيرا من ذكريات طفولته فى قريته «الشعراء».


ولا أجد تفسيرا « عقليا « لظاهرة التدفق بالذكريات التى تغمر وجدان الراحلين عن دنيانا فى أيامهم الأخيرة على هذه الأرض .


 هل هو الحنين لماض بسيط بلا شرور.. أو شوق لحياة بلا مزاحمات ومنافسات وتكالب ؟؟!!


 ربما....


**** 


وفاروق شوشة..كما عرفه الكثيرون.. لم يكن متكالبا على المناصب والجوائز.. ولم يكن متملقا لحاكم أو صاحب منصب .


 لم يداهن.. أو ينافق.. أو ينحنى لسلطانِ .


 وربما كانت قصيدته الشهيرة: خدم.. خدم , تعبيرا عن موقفه من النفاق والمنافقين.. وترفعه عن المشاركة فى نفاق الحاكم أوالتحول « لخادم « للسلطان.


وحين سبقه المنافقون والمداهنون.. لم يشك أو يتذمر.. فطبيعته الريفية استقر بها ورسخ المثل الشعبى: الشكوى لغير الله مذلة .


 فقد كان الإحساس بالعزة أغلى جائزة منحته إياها الطبيعة..والشعور بالكرامة هو أثمن عطاء وهبه إياه الله.


 وقد عرف عنه الجميع ذلك .


وربما كان ذلك سر هذا الاحترام الشديد الذى يكنه له كل من عرفه وخالطه عن قرب .


فقد كان يمقت سلوك النميمة والوشاية.. ويتحدث بالخير عن الجميع.. ولا يعرف للناس سوى فضائلهم..ويتغاضى عن سوءاتهم ولا يجاهر بها .


وتلك هى الأخلاق التى عاش وتمسك بها.. ولا أظن أن هناك من سمعه يوما يتلفظ بلفظ مسيء عن أحد .


  ****


 كان تقدير الناس لشخصه.. بعيدا عن الشهرة والأضواء.. هى أكثر ما يسعده فى حياته .


 ولعل دوره فى تعليم اللغة العربية وفنون الإلقاء والإعلام لطلابه هى أكثر ما كان يسعده فى الحياة .


وربما كان اعتراف تلاميذه بعلمه.. وإيمانهم بإخلاصه.. هو أكبر جائزة حصل عليها فى حياته.. وأكبر من كل الجوائز الأدبية التى شرفت به .


 ولعل كثيرين لا يعرفون.. أنه لم يسع للحصول على جائزة النيل فى الأدب.. التى حصل عليها منذ شهور قليلة .


بل أكثر من ذلك.. فقد غادر الاجتماع الذى يقرر فيه المجتمعون اسم الفائز بالجائزة.. حتى يجنب المجتمعين الحرج  من وجوده .


 وقد علمت منه.. بعد فوزه بالجائزة.. أنه لم يكن يتوقعها ولم يسع إليها.. ولم يكن ليحزن لو ذهبت لغيرِه !!


 ****


 وفى حواراتى القليلة معه.. فى لقاء الجمعة.. كنت أشاغبه بطرح اسم هذا المثقف أو ذاك..


فكان يطرح لى رؤية تحليلية لقيمتهم الثقافية أو المعرفية فى جمل قصيرة.. لكنها تحمل حكمة ووعى مثقف موسوعى.. خبر..واختبر فروعا مختلفة من فروع العلم والمعرفة .


 وكانت تعبيراته تتسم بجمال الشعر وحكمته .


 سألته مرة عن شعر الراحل نجيب سرور فقال لى: نجيب سرور كالماسة التى وقعت فى الأرض..وتكسرت لقطع صغيرة.. فظلت كل قطعةِ تلمعُ وُتبرقً وحدِها!!


   ****


والكثيرون لا يعرفون عنه سوى اهتمامه بالشعر والصورة الشعرية الجميلة.. وقلائل هم من يعرفون عنه اهتمامه بالنقد الأدبى لفن الرواية والمسرح والقصة القصيرة.. حيث يظهر الناقد الأدبى المختفى وراء عباءة الشاعر .


ونقده.. كقلبه.. يفيض حنانا على من ينقدهم.. فلا يعرف القسوة أو اللفظ الجارح أو « تكسير الجوانح «.. فهو يحتفى بكل المدارس الأدبية.. ويتابعها.. ويختزنها فى روحه .


وحين كنت أسأله عن ظاهرة التجمعات الثقافية التى عاصرها فى شبابه.. فكان يرد: أنا لم أكن حريصا على الانضمام لتجمع أو « شلة ثقافية « معينة.. فقد كنت أحرص على الابتعاد عن «الشلل».


 ومن يعرف جو « الشلل» فى مصر.. سيدرك حتما أن هذا رجل نأى بنفسه عن مناورات وألاعيب المثقفين وتجمعاتهم ونواديهم ومقاهيهم .


ومن خالط تلك الأجواء سيعرف أن «البعد عنها غنيمة» .. وسكينة..وراحة بال.. وسلام مع النفس . 


والسكينة.. والسلام مع النفس كانتا أهم خصال الراحل العظيم فاروق شوشة... السلام والوئام مع النفس ومع الآخرين .


 سيظل صوته الحنون فى برنامجه « لغتنا الجميلة « باقيا فى وجدان أجيال متعددة من أبناء الأمة العربية.. وعلامة على مجد الإذاعة المصرية .


وربما لا يعرف الكثيرون أن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.. كان يحرص.. أشد الحرص  على سماع برنامج « لغتنا الجميلة «..الذى كان موعده قبل نشرة أخبار الحادية عشرة مساء مباشرة .. كما أخبرت بذلك كريمة الرئيس الدكتورة هدى عبد الناصر .


ولقد كتب فاروق شوشة أشعارا بأسماء بناته وأحفاده .


ولكننى لا أجد شعرا يشبه « فاروق شوشة « وملامحه وخصاله.. كقصيدة « أحزان الفقراء « التى كتبها فى رثاء  الزعيم الخالد « جمال عبد الناصر «.. ونُشرت فى عدد مجلة الهلال بعد شهر واحد من وفاة الزعيم الراحل .


وحين أستعيد كلمات تلك القصيدة.. يخامرنى شعور قوى أنها كُتبت أيضا.. كمرثيّة لفاروق شوشة نفسه..


مرثيّة عن كل وطنى أحب مصر.. وأحب الأمة العربية.. وأحب لغتنا الجميلة .


****


أحزان الفقراء


وانحنت صفصافة كانت على النهـر تصلي


وانثنت صبارة تغمس فى الشط المدمـى راحتيها،


وهى تبكـى..


تلثم الأرض التى ضمتك عـوداً فارعاً كالسنديان


عندما عدت إليها ذات يـوم


قطعة من أرض مصـر


قطعة من قلب مصـر


نبتة تزهـر خصباً وحياه


****


وسرى فـى القريـة الخرساء إعصار الهزيمةْ


فارتمى كوخُ بوجـه الريحِ وانهارت سقيفةْ


ومشى الحزنُ، ثقيل الخطـو، عبئاً فوق أنفاس اليتامى، والثكالى


طافياً فوق الدمـوع


يعصـر القلبَ ويجتاح الضلوعَ


وترامى النبأ الفاجـعُ فى صرخة بومةْ


أعولت جارتُنـا


ـ غاب فتاها فوق شـدوان شهيدا ـ


وبكت أرمـلةُ ملتاعة..


ـ قد ثوى فـى أرض سيناء أبو أطفالها ـ


راقدا من غيـر ثار ـ


طفـلة توجسُ: ما عاد أبى


أماه قـد حل الظلامُ


وعيون لا تنـام


طار عنها النـومُ والأمنُ وأحلام السلام


فقدت حارسهـا الفارع والليل قتام


ما الذى فجـر هذا الحزن فى قلب الرجال ؟


 ****


 حزن آلاف الليالـى والتواريخ العقيمةْ


أجدبت من لقمةِ الخبزِ ومـن طعم الأمان


عرّيت من كسوة العـارى ومن دفء الحنان


ودعـاوى الأنبياء..


ما الذى شـدّ إلى الهول عيونا ما تزال


ترتمى نحو السمـاء


باحتجـاج الفقراء !!


***


صـوتك الحانى الجسور


قادمُ يجتازُ أسـوارَ التواريخ البعيدةْ


حامل مـن عطر «طيبةْ»


قصة المجد ورؤيـاه العجيبةْ


ساكب فى وضح الشمس وفى وكـر النسور


لحن دنيانا الجـديده


**** 


فإذا الأرض نداءات وقمـح وبراعم


وعناقيد كـروم.. وغضب


وإذا الأرض عبيـر ومداخن


ومفاتيح وأنوال تـدورُ


وإذا فى قريتى ألف هتاف يتصاعد


أرضنا الحـرة ما عادت تهادن !


الـدروب اتسعت


ثـم تلاقت


والعيـون انفتحت


ثم تـلاقت


لم يعد يـوقف هذا المد شىء


إنه طوفان تاريـخ ملىء بالضحايا


ونداءات السبـايا


واحتجاج الفقـراء


****


وإذا مصـر على الضفة تختار وتبنى


بيتها المفعم إيمانا وخضـره


لم تعد تحمـل جرةْ


أصبحت تحمل كراسـا وإزميلا وفجرا


أصبحت تضغط بالأصـابع زر الكهرباء


لترى الـوادى حقولا ورجالا ومصانع


والفضاء الـرحب عمرانا وناسا وشوارع


وتماثيل، وأحلامـا، وشعرا


وإذا مصر لـكل الناس فيها، ولنا


للحفـاة البؤساء


والعراة الأشقيـاء


لم تعـد سجنا.. ولكن وطنا


مزقت فى يومـك الفاجع ثوبا لم تكنْ تملكُ غيرهُ


مِصرُ لما خرجت تبكى أباها


راعها أنك لم تنطق كما عودتهـا


لم يجلجل صوتك الـداوى مليا فى سماها ولم يدغدغُ سمعهـا المشدوه فى هول الزحام


كأن موسيقـى لياليها وألحانُ هواها


وانتفاضـات كراها


وهتافـات سراها


مالها تطـرقُ فى يومك إطراقة مذهول ذبيح


أفردوه فـى العراء واليتامى الفقـراء


حول نهـر الدمع طوفان صلاة ودعاء


وأناشيد وداع وقسـم 


***


كنت فيهم.. واحـدا منهم.. لهم


حبةُ القمـحِ وجلباب الشتاء


ويدُ الرحمِة فـى لفح البلاء


والأبُ الحانـى إذا عزّ الدواء


كنت فيهـم واحداً منهم لهم


صوتهُم.. صـوت المآسى والشقاء


والغد الآمـل فى عين الرجاء


كنت فيهم أنت.. فى تاريخهـِم..


لغةُ الأرضِ..


وموال الفـداء


 ) فاروق شوشة، «أحزان الفقراء»، مجلة الهلال، العدد الحادى عشر.. نوفمبر ١٩٧٠ ص ١٦٤ - ١٦٥ .)


****  


فاروق شوشة: نم هادئاً.. فستظل حياً فى أحزانِ الفقراء