ذكرياتى مع أستاذى عندليب اللغة العربية فاروق شوشة

19/10/2016 - 10:15:54

بقلم: محمد الحنفى

تربطنى بالشاعر الكبير والإذاعي القدير الراحل فاروق شوشة رحمه الله ذكريات عزيزة على قلبي لن أنساها، فقد شاءت الأقدار أن يدرس لي مادة اللغة العربية في السنة الرابعة بقسم الإذاعة والتليفزيون بكلية الإعلام دفعة ٨١ وكان كتابه المقرر علينا هو «لغتنا الجميلة « وهو نفس عنوان برنامجه الإذاعي الشهير الذي كننا ننتظره في التاسعة مساء كل يوم على موجة البرنامج العام .


كم كنت وزملائي في القسم مزهوين بهذا الأستاذ المتواضع صاحب الإطلالة المبهرة والصوت الساحر والابتسامة الربانية المحفورة على وجهه، المتواضع لأقصى درجات التواضع، لهذا لم يكن مستغربا أن ترفع محاضراته شعار كامل العدد دائما وهو حدث كبير قلما يتكرر في محاضرات المواد الأخرى لاسيما لطلاب البكالوريوس !


والحقيقة أنه كان للشاعر العملاق فاروق شوشة فضل كبير عليّ شخصيا مرتين، الأولى عندما حببني في مادة اللغة العربية وحصولي على تقدير امتياز في نهاية العام بعد أن كدت أصاب بعقدة منها على يد الدكتور عبد الصبور شاهين رحمه الله أيضا، ثم إنه من اختار لي اسم شهرتي الحالي بعدما اعترض على اسمي «محمد عبد القادر « الذي كنت أوقع به موضوعاتي في جريدة صوت الجامعة لأنه مكرر ومنتشر، وأذكر أنه في ذلك اليوم، وبعد أن أجبت عن سؤال صعب طرحه في المحاضرة طلب أن يعرف اسمي كاملا حتى وصلت إلى الجد الرابع وهنا طلب مني أن أتوقف ثم قال بحسم «الجد الرابع هو لقبك أو شهرتك « !


وبعد انتهاء المحاضرة اصطحبني إلى مكتبه وطلب مني أن أواظب على قراءة القرآن الكريم وكتب الشعر حتى يتحسن أسلوبي في الكتابة أو الخطابة، وأثناء نقاشه معي لاحظ الرجل أني شارد بعض الشيء فاستفسر عن السبب، قلت له إنني معترض على اسم الشهرة الذي اختاره لي وأن والدي سوف يغضب لأن اسمه لن يكون مقرونا باسمي وهنا ابتسم شاعرنا الكبير وقال لي: نادرا ما يرتبط اسم الشهرة بالأب بل باللقب وضرب لي مثلا بنفسه فاسمه فاروق محمد شوشة واسم شهرته فاروق شوشة، وأكد لي أنه لا والده غضب منه ولا والدي سيغضب مني !


وبعد تخرجي في الجامعة كنت حريصا على التواصل مع أستاذي الكبير، وكم كان الرجل سعيدا بهذا التواصل ولولا خجلي لطلبت منه أن يتوسط لي في العمل داخل ماسبيرو الذي كان حلمي الأكبر ودخوله لا يتحقق إلا بـ» كوسة كبيرة « !


وكالعادة ابتلعتني الدوامة وانقطع اتصالي بأستاذي الكبير لسنوات طويلة حتى قابلته صدفة يسير على قدميه في الشارع الصغير المواجه لباب ٤ بالتليفزيون والموازي لكورنيش النيل وأتصور أنه كان متجها إلى سيارته، كان العمر قد جرى به وظهرت علامات الشيخوخة على وجهه وبدا عليه الضعف بعد أن خسر جزءا كبيرا من وزنه، استوقفته وعانقته بل انحنيت لأقبل يده لكنه أبى وكادت الدمعة تقفز من عينيه، لكن صوته مازال عندليبا لم يتغير ولم تهزمه سنون العمر أو أوجاع المرض، وتفاجأت بأنه رغم مشاغله الكثيرة كان يتابع أخباري أنا وبعض زملاء دفعتي، وتمنى لنا المزيد من التوفيق ولم ينس أن يسألني ضاحكا إن كان والدي رحمه الله قد غضب من اسم شهرتي أم لا !


والشاعر الكبير فاروق شوشة الذي توفي عن عمر ٨٠ عاما من مواليد قرية الشعراء بمحافظة دمياط عام ١٩٣٦، وهناك أتم حفظ القرآن الكريم ثم أكمل دراسته الجامعية في كلية دار العلوم التي تخرج فيها عام ١٩٥٦ كما حصل على بكالوريوس التربية عام ١٩٥٧ وعمل معلما لمدة عام فقط ليبدأ مشواره الإذاعي والأدبي بالالتحاق بالإذاعة المصرية عام ١٩٥٨ وتدرج في المناصب حتى أصبح رئيسا لها عام ١٩٩٤ .


واشتهر الشاعر الكبير ببرنامجه الإذاعي «لغتنا الجميلة» الذي قدمه على مدى عقود طويلة ابتداء من عام ١٩٦٧ وكان البرنامج الرائع معنيا بمناقشة قضايا اللغة العربية كما كان يقدم نماذج من الشعر القديم أو الحديث يلقيها بصوته المتميز، وفي عام ١٩٧٧ بدأ تقديم برنامجه التليفزيوني «أمسية ثقافية « الذي استضاف فيه عددا من رموز الثقافة العربية .


وفي عام ١٩٦٦ أصدر فاروق شوشة ديوانه الشعري الأول «إلى مسافره» وامتدت مسيرته الشعرية على مدى نصف قرن ترك فيها نحو ١٤ ديوانا شعريا آخرها «الجميلة تنزل الى النهر» في عام ٢٠٠٢. ومن بينها «في انتظار ما لايجيء» و»يقول الدم العربي» و»هئت لك» و «سيدة الماء» بالإضافة إلى مجموعة شعرية للأطفال بعنوان «حبيبة والقمر «، واشتهر شوشة أيضا بمختاراته الشعرية، ومنها كتاب «أحلى ٢٠ قصيدة حب في الشعر العربي» و «أحلى ٢٠ قصيدة في الحب الإلهي»، كما ترك عدداً من المؤلفات العامة في اللغة والثقافة من أمثال «لغتنا الجميلة» و»لغتنا الجميلة ومشكلات العصر»، العلاج بالشعر» فضلا عن سيرته الشعرية التي حملت «عذاب العمر الجميل .


ولتميزه في عالم الشعر حصد فاروق شوشة العديد من الجوائز الشعرية من بينها جائزة الدولة في الشعر عام ١٩٨٦ وجائزة كفافيس العالمية عام ١٩٩١ وجائزة الدولة التقديرية في الآداب عام ١٩٩٧ ومنح هذا العام جائزة النيل وهي أعلى وسام يتم منحه للأدباء في مصر.


كما نال الشاعر الراحل عضوية مجمع اللغة العربية وعمل في عدد من اللجان الثقافية ورأس بعضها كلجنتي النصوص في الاذاعة والتليفزيون ولجنة المؤلفين والملحنين وكان من الأعضاء الكبار في المجمع حتى أصبح الأمين العام له.


رحم الله أستاذي الشاعر الكبير الخلوق فاروق شوشة رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وألهم أسرته وذويه الصبر والسلوان .