فى رحيل حارس «لغتنا الجميلة».. الشاعر الكبير فاروق شوشة: غاب الجسد .. وبقى الشّعر

19/10/2016 - 10:14:37

تحقيق كتبه: صلاح البيلى

حارس اللغة العربية الأول.. والأندى صوتًا.. المؤسسة الثقافية الكاملة. الرجل الحكيم..المخلص والنبيل.. وعاشق النيل ومصر.. هي بعض صفات الشاعر الكبير الراحل فاروق شوشة صاغها محبوه فى وصفه. فقد ظل الراحل على مدى نصف قرن يشنف الآذان العربية ببرنامجه «لغتنا الجميلة» عبر هواء البرنامج العام للإذاعة المصرية، حاور خلاله كل أدباء ومفكرى العصر فى برنامجه التليفزيونى «أمسية ثقافية».. وقدم دواوينه الشعرية فى حب مصر ، لذا لم يكن مستغربا أن يضعه الشاعر والناقد د. محمد عبدالمطلب رئيس لجنة الشعر بالمجلس الأْعلى للثقافة فى مصاف المتنبى وأبى تمام وصلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطى حجازى كفارس للشعر وللعربية فى العصر الحديث.


يقول الشاعر أحمد سويلم رفيق دربه منذ الستينات وزميله بلجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة: فقدنا فى فاروق شوشة حارسًا للغة العربية - وشاعرًا كبيرًا ينتمى لجيل الستينيات كتب الدراسات الأدبية والتراثية والمقالات الصحفية وقرض الشعر، فهو يتميز بإبداع متنوع إلى جانب برامجه الإذاعية والتليفزيونية التى شكلت كثيرًا من وعى الأجيال المتتالية من المثقفين، وتوج كفاحه باختياره أمينًا عامًا لمجمع اللغة العربية «مجمع الخالدين»، والحقيقة أن ما تركه من تراث مفيد جدا للمتلقى، ويتميز أسلوبه بالبساطة والوضوح ويتميز شعره بالرمز الموحى الذى يستطيع القارئ العادى أن يتذوقه، ومن هنا جاءت شعبيته الجارفة عند الجمهور.


وينفي سويلم أن يكون فاروق شوشة شاعرًا للنخبة فقط ويقول: هو شاعر لجماهير من نخبة ومثقفين وعامة، وهكذا كل أبناء جيلى من فاروق شوشة ومحمد إبراهيم أبوسنة وأنا وأمل دنقل، وربما الذى اختلف معنا وتوجه بشعره للنخبة وأغرق فى الرمز هو الشاعر محمد عفيفى مطر، فهو لم يصل للجمهور بسهولة وكذلك شعراء قصيدة النثر لا يصلون للجمهور، بعكس شعر فاروق وفنياته الشعرية القادرة على الوصول للمتلقى، وهى معادلة صعبة حلها بقدراته الخاصة إلى جانب سمعته الإعلامية كإذاعى مرموق ومخضرم.


وعن أفضل تكريم لاسم شوشة يقول سويلم: أفضل تكريم لاسم الشاعر الراحل أنه لم يترك أديبًا أو مفكرًا كبيرًا إلا وحاوره فى برنامجه التليفزيونى «أمسية ثقافية»، وهذا البرنامج يمثل ثروة ثقافية ولابد من إعادة إذاعته على القنوات )المصرية - والأولى والثانية). نعم إنهم يذيعون أحيانًا بعض حلقاته على قناة )ماسبيرو زمان) ولكننا نطالب بإذاعتها على (المصرية)، ثم توثيقها بعد ذلك وإصدارها على أسطوانات وإتاحتها للجمهور ليطلع على عصارة فكر عصر بأكمله. أيضًا كان لديه برنامجه «لغتنا الجميلة» على هواء البرنامج العام، وهو برنامج لا يموت وأطالب بإعادة إذاعة حلقاته وتجميعها على أسطوانات أيضا وتسويقهما للجمهور. ولقد توج مشوار الراحل بحصوله هذا العام على جائزة النيل وهى أرفع تكريم مصرى بعد حصوله على التقديرية بالسابق. والتقدير التالى الآن أن يعاد طبع أعماله الكاملة ودواوينه المتميزة وإتاحتها للناس بما تحمله من فكر متميز وفنية عالية ولغة شعرية - متفردة. وأنا على يقين أن أعماله الشعرية وبرامجه الإذاعية والتليفزيونية سبتقى وتعيش، لأنه قدم فكرًا ثريًا وإبداعًا جميلًا ومتميزًا.


ملتقى الأصالة والمعاصرة


ويقول الشاعر الكبير محمد إبراهيم أبو سنة رفيق درب الراحل وزميله بلجنة الشعر: هناك مقولة تقول: «الشعراء لايموتون» وأنا أقول: «الشعراء يموتون ولكن الشعر لا يموت» وشعره سوف يبقى، لأن فاروق شوشة كان يكتب القصيدة مكتملة الأركان وكان يمتلك ناصية اللغة والإبداع الجمالى وبلاغة القصيدة العربية القديمة والحديثة. ويستطيع كثيرون أن يروا فى شعره جسرا بين القديم والجديد وبين الأصالة والمعاصرة، حيث قدم نماذج رائعة من الشعر العربى الذى يذكرنا بالعصور الذهبية للشعر العربى. وبجرأته وقدرته لامس التجربة الحديثة لمدرسة الشعر الحديث وصار واحدًا من أبرز شعراء الستينيات فى مصر والعالم العربى.


يتابع «أبوسنّة»: « فاروق شوشة صديقى الذى فجعت برحيله فجيعة الأخ بأخيه قد عرفته طوال خمسين عامًا لم نختلف فيها حول أى شىء على الإطلاق، بل اجتمعنا على الصفاء والمودة والمحبة، وكنت أرى فيه الأخ الأكبر وكان وجوده مؤنسا ومكملا لى ولوجودى. وماذا أقول وقد رحل وتركنى وحيدا فى هذه البيداء الواسعة، حيث أصبحت وحيدا جدا ولم يعد من ألجأ إليه عند الشدائد كما كنت أفعل معه. لقد أثرى ثقافة أمته وأخصب عقولها وشعرها وفنها. ولتكريمه أرى أنه يجب أولا أن تلتفت الإذاعة إلى تراثه فتقدمه للناس. وأن تطلق اسمه على أحد استوديوهاتها وأن تعيد الهيئة المصرية العامة للكتاب طباعة دواوينه الشعرية وكتبه النثرية وأن يعيد التيلفزيون بث برامجه خاصة «الأمسية الثقافية» درة برامج التليفزيون.. رحمك الله يا أخى الحبيب فاروق شوشة وأتمنى من الله أن تنعم فى جنات الخلد وفى رضوان الله، وما أكنه له يكنه له كل من عرفه من جيله ومن الأجيال التالية عليه واللاحقة به. نم هانئًا يا أخى وصديقى قرير العين فقليل من آتوا ما أوتيت من عطاء زاخر وحظوة وثراء. لقد صدر ديوانه الأول سنة ١٩٦٦ ثم توالت دواوينه وبدأ معدًا بالإذاعة فمقدمًا للبرامج».


وقبل شهرين فى اجتماع (لجنة الشعر) بالمجلس الأعلى للثقافة قال لى إنه يحس بدبيب الموت فى نفسه وفى قلبه، وهذه أول مرة أراه شاكيا فلم أره شاكيا طوال نصف قرن عرفته فيه، وفى رحيله فاجعة للشعر وللغة العربية ولكل عشاقه وتلاميذه الذين تربوا على صوته وأدبه وعلى فكره كمعلم راقٍ من الطراز الأول. نمْ هانئًا يا صديقى فشعرك لن يموت وعطاؤك باقٍ أبد الدهر ومحبتك للناس ستبقى نبراسًا ووفاءً جيلًا بعد جيل.


إنعاش الذاكرة


شاعر العامية سمير عبدالباقى يقول بأسى» لقد ارتاح ارتاح من حياتنا الثقافية المتدهورة، والله يرحمه ويحسن إليه وهو باقٍ بشعره، ولكن آفة مجتمعنا النسيان، فهل سنذكره بعد شهر أو سنة، هل تذكرنا صلاح جاهين وفؤاد حداد وعشرات ممن رحلوا؟.. حتى لا تموت الذاكرة لابد من إحياء تراث هؤلاء. وكشخصية عامة كان رئيسًا للإذاعة المصرية فى فترة سابقة، فلماذا لا تقدم الإذاعة عنه برامج تسجيلية وكذلك التليفزيون ينتج فيلما «تسجيليًا»، أو تؤلف دراما عنه وعن غيره ممن رحلوا بدلًا من الانحطاط الدرامى الحالى.


الأندى صوتًا


في حزن، ينعي د. حسن الشافعى رئيس مجمع اللغة العربية، الشاعر الكبير الراحل، بقوله :» مصر فقدت بهذه الفاجعة الرجل الأندى صوتًا على مدى تاريخ الإذاعة المصرية منذ عرف المستعمون صوته، وإلى جانب تفوقه الإذاعى ببرامجه التى استمرت طيلة نصف قرن، ولا أظن أن برنامجًا استمر طيلة هذه المدة مثله فى برنامجه الذى اختار له اسم «لغتنا الجميلة». وكتب الشعر منذ نصف قرن وأصدر ما يربو على خمسة عشر ديوانًا بمعدل ديوان واحد كل ثلاث سنوات. إلى ذلك خص الأطفال بثلاثة دواوين شعرية إذ كلما ولد له حفيد كان يناغيه بالشعر ويضع له أنشودات وأقصوصات ويستقبله بديوان جديد، فهو متعدد المواهب فضلًا عن الخصوبة الفنية. وإلى جانب كل ذلك خدماته المجمعية كأمين عام لمجمع الخالدين فى أكثر من لجنة، خاصة لجنة الأدب ولجنة الفنون والألفاظ الحديثة، وكان يترجم ويدرس ألفاظ الحضارة فى الأطعمة وفى الزيارات، وكذلك عمله فى نطاق مجلس المجمع ومكتب المجمع، فكان يدير الجلسات الأسبوعية ويعد جدول الأعمال ويشرف رسميًا على الجهاز الإدارى والمالى للمجمع وكل أولئك لم يشغله عن التعليم وعن دوره كمعلم، فكان يقوم بتدريس الأدب العربى فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وكان يشارك فى جلسات المجلس الأعلى للثقافة فى العديد من المنظمات العربية إذ كان يرأس فى دبى لجنة حماية اللغة العربية فى التعليم، ولا يستطيع المرء أن يستعرض جوانب شخصيته فهي متشعبة وثريّة».


مؤسسة ثقافية


الشاعر د. محمد عبدالمطلب رئيس لجنة الشعر بالمجلس الأعلى يقول إن « فاروق شوشة لا يمثل نفسه بوصفه شاعرًا أو مثقفًا أو لغويًا، بل أراه مؤسسة ثقافية كاملة تمارس عملها على مستويات متعددة فى مقدمتها اللغة العربية، فهو حارسها الأمين الذى ظل يقدم برنامجه «لغتنا الجميلة» على مدى نصف قرن ليستمع إليه كل أبناء اللغة العربية، كما قدم برنامجه «أمسية ثقافية» بالتليفزيون، ومن خلالها قدم وحاور كل كبار المبدعين والمفكرين المصريين العرب، وكان عضوًا بالمجلس الأعلى للثقافة وبجائزة البابطين وبمجمع اللغة العربية وفى بيت الشعر وفى عشرات المنظمات، وتعود علاقتنا لعشرات السنين وقد تزاملنا فى لجنة الشعر، وكنت ضيفًا على أُمسيته الشعرية وكلانا من خريجىّ كلية دار العلوم، ولكن علاقتنا الشعرية وطيدة جدًا وكان هو حريصًا على أن يهدينى كل ديوان يصدر له فور صدوره، وعكفت على دراسة شعره فخرجت منه بأنه الإنسان المتجلى وأخيرًا أعدت قراءة شعره فخرجت منه بأن الرجل الحكيم وصفته الأولى أنه لا يقول إلا الحق ولا يعمل إلا بالحق وهما أبرز صفتين فيه، ونجح فى أن يحفر لنفسه بصمات واضحة فى الثقافة العربية لن تغيب فى يوم من الأيام ومجالاته الإبداعية والإعلامية مفتوحة وانظر إلى آخر قصيدة كتبها وألقاها فى مهرجان الشارقة ومعرض الكتاب هناك وأثارت جدلًا واسعًا وعنوانها «خدم» ويقول فيها: «خدم» ويقول فيها: «خدم خدم وإن تبهنسوا وغلظوا الصوت وطرقعوا القدم» وهى من أعمق وأجمل ما كتب وكل أخذها على نفسه وفسرها كما يحلو لنفسه، أما حبه لمصر فقد قدم ديوانًا كاملًا عنوانه: «أحبك دائمًا حتى البكاء» صور فيه الواقع المصرى والعربى، وكان محبًا للنيل وهو أساس كل أشعاره وقال فيه: «هذا الشيخ محنى الظهر أحدودب وتقوس ظهره عبر الأيام نيل القاهرة توقف، راح يدق الباب ويحنو. هل سيصلى الجمعة فى أزهرها أو يرحل نحو القلعة»، وكان يخاطب نفسه كثيرًا فى شعره ويقول « هل تجيد الذى تقول؟ إذن قل ولكن حاذر إلا تصيب» إننى لو تكلمت عن فاروق شوشة سأتكلم ساعات وساعات، وبصمته فى تاريخ الشعر العربى لا تقل عن بصمة المتنبى وأبى تمام وصلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطى حجازى، وأبكى دماً على فراقه كصديق نبيل ومثقف أثرى حياتنا وأحب الأدب والإذاعة وأحب مصر حبًا كبيرًا، وأتمنى على الدولة ألا تبخل عليه بوضع اسمه على مؤسسة ما كالمجلس الأعلى للثقافة، وهذا العام سنعقد ملتقى الشعر العرب الدولى فى نوفمبر المقبل، وسيكون المحور الأساسى للملتقى حول فاروق شوشة.


المعلم


ختامًا يقول الناقد الأدبى د. مدحت الجيار: فقد الشعر العربى واحدًا من كبار بناة القصيدة العربية المعاصرة، كما فقدت الثقافة العربية ركنًا كبيرًا من أركانها، فقد كان يملأ المجلس الأعلى للثقافة بالحياة بندواته وحواراته، وفقد الإعلام المصرى والعربى صوتًا متميزًا ظل يشنف آذاننا لنصف قرن.. وهو شاعر وضع دواوينه المتطورة، كما صاغ دراساته الأدبية حول شعراء التصوف وشعراء الحب ونشر مئات المقالات فى الصحف السيارة ليعبر عن موقفه من قضايا الشعر والثقافة والوطن، حتى فى أحلك اللحظات عبر كفارس تعلمه عن كيفية الخروج من الأزمات، كما قضى عمره كله حارساً ومحافظًا على اللغة العربية ومحيياً لشعرها القديم والحديث والمعاصر، ولم أر شاعراً مثله انحاز للقصيدة العربية لغيره من الشعراء الموجودين والراحلين وكتب يثني على النقاد الذين كتبوا عن غيره ولم يكتبوا عنه فضلاً عن عشرات الرسائل الجامعية التي وضعت حول شعره في الجامعات المصرية وأتمنى من وزارة الثقافة أن تنجز كتاباً نقدياً عنه وحول ما كتب من شعر ونثر مع طباعة أعماله الكاملة وآخر قصائده التي لم تطبع في ديوان بعد، لقد أدى دوره كشاعر وإعلامي وحارس للعربية ومعلم درّس ببعض الجامعات كالجامعة الأمريكية وكلية دار العلوم بجامعة القاهرة وبكلية التربية بدمياط فهو معلم قادر على التحليل والمناقشة وعلى مدى نصف قرن ظل مخلصاً لما يقوم به وهذا قليل في حياتنا اليوم»