التمرد يقود المغني الأمريكي إلى نوبل للآداب بوب ديلان.. شمس لا تتعب من الإشراق كل صباح

19/10/2016 - 10:13:17

تقرير: شيرين صبحي

“أيها العازف، غنّ لي أغنية/ لست خاملًا وليس لي مكان أذهب إليه.../ تعبي يدهشني وثمة علامة على قدمي/ لا أحد أعرفه/ والشوارع القديمة ميتة لا تصلح للحلم/ أيها العازف، غنّ لي أغنية”..


بصوته الأجش الجامح المسكون بنبرة حزينة، استطاع المغنى والموسيقي بوب ديلان أن يروي شجون الحياة اليومية عبر قصص قصيرة تحكي خيبات وانكسارات المواطن الأمريكي العادي، ليصبح على مر خمسة عقود أيقونة من أيقونات الثقافة الأمريكية.


“لا أحد حر حقا، حتى العصافير مكبلة بالسماء».. شغلت قضايا الحرية، عقل ووجدان ديلان، فعبر من خلال كلماته عن المجتمع الأمريكي في مطلع الستينات، الذي كان يعيش أجواء الحرب الباردة ويحاول الخروج من مستنقع الحرب في فيتنام، ويواجه ميراث العنصرية البغيضة. فاستطاعت كلمات ذلك المغن الجامح أن تنتصر لقيم التحرر والتمرد، وتدعو إلى المساواة وتمجد ممارسة ثقافة الحياة. حتى أصبح رمزا لجيلين حاولا تجاوز الحدود بين الشرق والغرب باسم الإنسانية.


عندما يكتب ديلان كلمات أغنية، فإنه يحاول فقط أن يعيشها، يحاول أن يبني جسرًا، أن يسمح لمستمعي الأغنية عيشها بنفس الأسلوب. وعندما يقف ليغني يشعر بالفخر، وهو يواجه ثلاثة أجيال مختلفة من المتلقين، شباب من مختلف المستويات الاجتماعية، شاب يرتدي بذلة عمل تجاوره شابة في ملابس رياضية.


ولكن ما الذي يميزه عن باقي الشعراء الغنائيين؟ سئل ديلان يوما فقال: «أنا شاعر قبل أن أكون مغنيًا، أحب لكلماتي أن تتفوق في إيقاعها على الموسيقى.. لو قارنتني بإيريك كلابتون مثلاً لوجدته يعزف لمدة عشر دقائق، ويغنّي مقطعًا فقط، ويعود للعزف مجددًا، جماليته في عزفه، هو أستاذ قيثارة وأنا شاعر».


البدايات


لم يتصور هذان اليهوديان المهاجران من أوكرانيا إلى إحدى بلدات ولاية مينيسوتا أقصى الشمال الأمريكي، وهما يستقبلان عام ١٩٤١ طفلهما “روبرت” –الذي سيعرف لاحقا باسم بوب ديلان- أنه سيصبح يوما من أهم الموسيقيين حول العالم.


بدأ الصغير يتعلم العزف على الجيتار، ليحترفه مع الهارمونيكا قبل أن يكمل عامه الثامن عشر. وفي عام ١٩٥٥ شارك في حفلة غنائية للمرة الأولى مع فرقة متخصصة في الموسيقى الشعبية مكونة من أربعة شبان تسمى «جولدن كوردز».


كان ديلان من أقصى الشمال الأمريكي، وهناك لديهم عادة الاستماع إلى الراديو. يقول: «استمعت تقريبا لكل الأغاني التي كانت تبثّ على الراديو حينها. ومع اكتشاف موسيقى الفولك –الموسيقى الشعبية- طبعًا تغير كل شيء. تغيرت توجهاتي”.


أصبحت الحياة في المدينة الصغيرة والغناء في البارات والمقاهي، لا تتسع لروح ديلان المتمردة المحلقة في الآماد البعيدة، فأخذ جيتاره وحقيبة سفر صغيرة وانتقل إلى رحابة مدينة نيويورك الصاخبة عام ١٩٦١.


وكانت الخمسينيات عرفت نوعا جديدا من الموسيقى أطلق عليه “الموسيقى الشعبية المدينية”، مزجت بين الموسيقى ومواضيع الاحتجاجات السياسية، واستلهمت الموسيقى الشعبية الريفية، واستندت إلى التقاليد والأغاني المؤلفة حول القضايا السائدة آنذاك مثل الحرب الباردة، تجارب الأسلحة النووية، وحركات الاحتجاج الشبابية الكبرى على سباق التسلح وحرب فيتنام، واضطهاد السود.. وشهدت أوائل الستينات ازدهار ذلك النوع من الأغاني الشعبية المدينية، فكان عصر التحول إلى موسيقى الروك بعدما أصبحت الأكثر انتشارا لالتصاقها بهموم وتطلعات الشباب الأمريكي.


في نيويورك لاحظ ديلان أن غالبية المغنين يكتفون بإعادة أداء الأغاني الفولكلورية القديمة، أو تأليف أغان جديدة علي ايقاعات موسيقية معروفة. فبدأ في التعرف على أكثر شعراء وكتاب حركة “البتنيكس” الذين كانوا ينظمون قراءاتهم في نوادي الجاز، ورأى في “آلن غينسبرغ” بذور عبقرية موسيقية جديدة، وهو الذي شجعه علي كتابة نصوص أغانيه بنفسه وتضمينها بمفاهيم ثورية . وهناك تعرف أيضاً على مطربه المفضل “ودي جوثري” الذي كان يتميز عن بقية المغنيين بدفاعه عن الطبقات العمالية والمضطهدين.


جاء عام ١٩٦٥ ليصبح ديلان ليس فقط أكثر مؤلفي الأغاني تميزا، بل الفنان المؤثر على مجمل الثقافة الشعبية الأمريكية في تلك الحقبة. وفي هذا العام أطلق ألبومه “برينجينج إيت أول باك هوم”، احتلت إحدى أغنياته وهي “مستر تامبورين مان”، المركز الأول، وأصبحت أول أغنية ناجحة لموسيقى الروك الشعبية.


بعد عامين تربعت أسطوانات فرقة “بيتر، بول وماري”، على قائمة أسطوانات الموسيقى الشعبية العشر الأكثر نجاحا، وكان ديلان هو من كتب كلمات أنجح أغنياتها، وهي “بلوين إن ذي وند».


تقول الأغنية: «كم من الطرقات ينبغى للإنسان أن يقطعها/ قبل أن ندعوه رجلاً؟/ كم من البحار ينبغى للحمامة البيضاء أن تطير فوقها/ قبل أن تنام فى الرمال؟/ وكم من القنابل ينبغى أن تقذفها المدافع/ قبل أن تُحظرَ الى الأبد؟/ الجواب، يا صديقي، فى مهب الريح»...


سجل ديلان أول أغنية فردية له عنوانها “Like a rolling stone” التي يعتبرها البعض أعظم أغنية روك في التاريخ، والتي تقول كلماتها: قد كان يا ما كان/ في يوم من الأيام، لبستِ أحسن الثياب/ ورميت قرشاً للمتسولين/ كنت في عنفوانك، أليس كذلك؟/ كان الناس ينادونك “أيتها الجميلة الطائشة.. أحذري.. ستسقطين/ فظننت أنهم يمزحون/ كان المتسكعون يثيرون ضحكك/ لكنك الآن لا ترفعين صوتك بالحديث/ ولا تبدين فخورة عندما تتسولين وجبتك القادمة/ كيف يبدو هذا.. كيف تشعرين/ حين تكونين وحيدة.. ولا تعرفين طريق البيت/ مثل نكرةٍ كاملة.. مثل حجر يتدحرج؟


استطاع أن يطور موسيقاه عبر عدة أنواع من الفولك والبلوز والكاونتري وأخيرا الروك، وأصبحت أغنياته بمثابة النشيد الوطني لجيل كامل من الشباب الغاضب خلال الستينات وأوائل السبعينات. واعتبر بعض النقاد أنه أفضل كاتب كلمات في تاريخ الغناء الغربي، حيث يستلهم تلك الكلمات من حياته ومن آمال وأحزان وتطلعات الناس المحيطين به.


وحاول اكتشاف التقاليد في الأغنية الأمريكية بمختلف أنواعها، والتي تضم الموسيقى الشعبية، والبلوز، وموسيقى الريف الأمريكي، والروك آند رول، إلى جانب الموسيقى الشعبية الأيرلندية، والإنجليزية، والأسكتلندية، وغيرها، فكان لا يهتم أن يتردد اسمه في الصالونات، بينما لا يقتني الناس العاديين أسطواناته.


استخدمت بعض أغانيه كنشيد لحركة الحقوق المدنية والحركة المناهضة لحرب فيتنام. وأصبحت أغنيته «times they are a changing” النشيد الرسمي لحركة حقوق الإنسان وحركة دعاة السلام.


استعار ديلان اسمه من الشاعر ديلان توماس، وخلال ثلاث سنوات فقط، منذ بدأت شهرته عام ١٩٦١، سجل ما يقرب من ٣٠٠ أغنية. ثم تعرض لحادث دراجة نارية اقترب فيها من الموت، فأصبحت له رؤية محتلفة، حيث أيقن أن الحياة ليست شيئًا هينًا، وأن البشر لا يدركون قيمتها.


عن حبها لديلان تقول الشاعرة اللبنانية جمانة حداد: “أحبّه، ليس فحسب لأنه المغنّي الشعبي، والشاعر الشعبي، والمناضل الشعبي الذي سحر الحركات المدنية في أميركا والعالم، وألهم الحركات المناهضة للعنصرية والحرب والقتل والبغض والحقد. بل أحبّه خصوصاً لأنه هو دائماً، ذلك المغنّي والشاعر والإنسان، الذي كأنه على وشك أن يولد، والذي كأنه يولد للتوّ، وفي كل آن، كما لو أنه لم يولد من قبل.


هذا الإحساس اللامتناهي بلزوم الولادات المتدفقة، المتجددة، هو الذي يجعله شاعراً ومغنياً، بل يجعله شخصاً فائق الحضور في الضمير الأدبي والفني والإنساني العالمي، ويجعله فائق التفجر، وفائق الاستيقاظ، كشمسٍ لا تتعب من الإشراق عند كل فجر».


نوستالجيا متخيلة


بالطبع لم يمر إعلان فوز ديلان بجائزة نوبل للآداب دون ضجة ربما زادت عن سابقاتها، فهي المرة الأولى التي تذهب إلى مؤلف موسيقي، وهو ما دعا الروائي البولندي، إيرفين وليش، إلى وصف الجائزة بأنها «نوستالجيا متخيلة»، بينا تساءلت الروائية الأمريكية جودي بيسكولت “هل يعني ذلك أنني يمكن أن أفوز بجائزة غرامي الموسيقية؟».


المغنية جوان باييز، الصديقة السابقة لديلان، قالت «إن تمرده وتفرده وشخصيته التي لا يمكن التنبؤ بها كفنان وملحن تستحق الجائزة، وموهبته مع الكلمات لا يمكن تجاوزها، ومن خبرتي الفنية الممتدة يمكنني القول إنه لا توجد أغاني أكثر حيوية وقيمة في عمقها وتشاؤمها وغضبها وغموضها وجمالها ومرحها أكثر من أغاني بوب، لن يأتي أحد مثله».


ورد اسم ديلان للمرة الأولى على لوائح المرشحين لنوبل عام ١٩٩٦. يومها قال صديقه الشاعر ألن جينسبرغ، «إنه شاعر بطولي وموسيقي أساسي في القرن العشرين».


ولكن هل فوزه بالجائزة هو اتجاه لتطبيق مفهوم ما بعد الحداثة، الذي لا يفرق بين أنواع الثقافة وفنونها المختلفة؟ وهل أصبحت لجنة الجائزة تعكس مفهوما جديدا أكثر شمولا للأدب؟ أم هو دعم للأدب الجماهيري مقابل الأدب النخبوي؟


كلها أسئلة لم تجب عليها لجنة منح الجائزة التي جاء في حيثياتها إن ألبومات ديلان «تتمحور حول مواضيع مثل الظروف الاجتماعية للإنسان، والدين، والسياسة والحب». وإنه «بجانب إنتاجه الواسع للألبومات، فقد نشر ديلان أعمالاً تجريبية مثل تارانتولا (١٩٧١) ومجموعة الكتابات والرسوم (١٩٧٣)»، إضافة إلى «السيرة الذاتية بعنوان مذكرات (٢٠٠٤)، والذي يُصور ذكريات من حياته المبكرة في نيويورك والذي يعرض لمحات من حياته في مركز الثقافة الشعبية».


وأضافت أنه «كفنان، يُعتبر متنوعاً بشكلٍ مذهل: فقد كان نشطاً كرسامٍ، وممثل وكاتب سيناريو. ديلان له مرتبة الرمز. تأثيره على الموسيقى المعاصرة نافذ، وهو موضوع تيارٍ مستمر من الأدب الثانوي».


وقالت سارة دانيوس، سكرتيرة مؤسسة نوبل، إن اللجنة اختارت ديلان لأنه «شاعر عظيم ضمن التقليد الشعري للناطقين بالإنجليزية». ونصحت من لا يعرفون أعمال ديلان بالبدء بألبوم ١٩٦٦ «بلوند أون بلوند»، بوصفه “مثال غير عادي على طريقته العبقرية في النظم، وتركيب اللازمة، وطريقته الصورية في التفكير”.


وكان ألفريد نوبل أوصى بمنح جائزته في الآداب إلى «الشخص الذي قد أنتج في مجال الأدب العمل الأبرز في اتجاهٍ مثالي». واعتبرت هيئة الجائزة أن «وصفات ألفريد نوبل لجائزة الأدب كانت غامضة إلى حدٍ كبير»، وأضافت: «في الواقع، يبدو أن تاريخ جائزة نوبل في الأدب سلسلة من محاولات تفسير وصية لم تُنتقَ كلماتها بدقة»..!