خروجا عن مبادئ الإسلام الخليفة المتوكل الذى أوغل فى الدماء والإهلاك!

19/10/2016 - 10:06:38

بقلم - رجائى عطية

لا يأتى الخير من السوء، ولا ينتج الاستبداد وضعف الوازع الدينى، إلا المزيد من الشر والهلاك، وقد كانت مأساة تعذيب الوزير الأول محمد بن عبد الملك الزيات وإماتته بهذه الصورة البشعة، عنوانًا لما يمكن أن تتردى إليه الممارسات، وقد للأسف كان!


اضطهاد أهل الذمة!


وقد كان من فساد رأى «المتوكل»، وسوء تفكيره وتدبيره، وتحكم عواطفه فيه بعيدًا عن مقتضيات العدل والمنطق، أن اضطهد أهل الذمة ـ خلافًا لأحكام الإسلام ـ اضطهادًا ظالمًا لا تبرره رغبته فى العدول عن سياسة سلفه فى استخدامهم فى الدواوين، فقد كان بوسعه أن يوقف استخدام من لا يريد استخدامهم، ولكنه جنح وكره أن يظهر أهل الذمة فى الطرق بمظهر المسلمين، فأصدر فى سنة ٢٣٥ هـ أمرًا غريبًا لعلّ إليه «مرجعية» الحاكم بأمر الله، يحظر عليهم أن يرتدوا ما يرتديه المسلمون، ويلزمهم بأن يلبسوا زيًّا خاصًّا، فأمر بأن يرتدوا جميعًا «الطيالسة العسلية» (جمع طيلسان وهو ضرب من الأوشحة) والزنانير (نوع من الأحزمة تُشد على الخاصرة)، وبركوب السروج بركب (ركاب) الخشب، وبوضع كُرَتيْن على مؤخر السروج، وبوضع زرّيْن على قلانس من يلبس منهم قلنسوة يجب أن يكون لونها خلاف ما يلبسه المسلمون، وبوضع رقعتين وبمواصفات محددة على ما يظهر من ملابس مماليكهم، فإذا لبس أحدهم عمامة فيجب أن تكون عسلية اللون، أما نسائهم فإن برزوا ففى إزار عسلى، وأمر المتوكل بهدم بيعهم المحدثة، وبأخذ العشر من منازلهم، وإن كان الموضع واسعًا صُيِّرَ مسجدًا، فإن لم يصلح صُيِّرَ فناءً، وأمر بأن توضع على أبواب دورهم صور شياطين من خشب مسمورة، تفريقًا بين منازلهم ومنازل المسلمين!


ولم يكتف المتوكل بكل هذا الجنوح الشاذ، ولا بنهيه أن يستعان بهم فى الدواوين وأعمال السلطان، وإنما زاد فنهى أن يتعلم أولادهم فى كتاتيب المسلمين، أو أن يعلمهم مسلم، ونهى أن يُظهروا فى شعانينهم صلبانًا، وأن يشمعلّوا (يسرعوا) فى الطريق، وكتب منشورًا بهذه الأوامر أورده الطبرى بنصه ـ إلى عماله فى الآفاق!!!


هدم ضريح الإمام الحسين وتخريبه!


ولم ينج من هذا الجنوح والشذوذ، أجداث الموتى وأضرحة آل البيت، فارتكب
«المتوكل» الذى يستمد خلافته من انتمائه للأسرة الهاشمية وآل البيت ـ ارتكب جريمة نكراء، فقد ساقه كرهه الغريب غير المبرر للإمام علىّ بن أبى طالب، الذى استباح السخرية منه والاستهزاء به فى مجالسة، وشجع على ذلك التافهين من ندمائه ـ ساقه إلى الانقضاض على ضريح ومشهد الإمام الحسين فى كربلاء، وأجمع المؤرخون على أنه أمر فى سنة ٢٣٦ هـ بهدم قبر الحسين رضى الله عنه، وتخريب ما فيه والعبث به، وهدم ما حوله من المنازل والدور، وحرث أرض القبر وما حوله وتحويلها إلى مزارع، وأن يُبذر ويُسقى موضع القبر، وأن يُمنع الناس من إتيانه وزيارته، وأمر صاحب الشرطة فنادى فى كربلاء: «من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة حبسناه فى المُطْبق!». ففر الناس هلعًا ورعبًا من الاقتراب من مكان الضريح الذى انتهك «المتوكل» حرمته وخَرَّبه وعَبَث فيه عبثًا لم يعبثه بالأضرحة عتاة الكفار والمجرمين!


وروى ابن الأثير فى تاريخه أنه تصادف أن كان «المنتصر» ابن المتوكل، حاضرًا فى مجلس أبيه، وشاهد السخرية والاستهزاء بالإمام علىّ بن أبى طالب وتقليده بتشجيع من الخليفة المتوكل، فلم يملك المنتصر إلا أن يقول لأبيه: «يا أمير المؤمنين ، أن الذى يحكيه (يحاكيه) هذا الكاتب، ويضحك منه الناس، هو ابن عمك، وشيخ أهل بيتك، وبه فخرك، فكُلْ أنت لحمه إذا شئت، ولا تطعم هذا الكلب وأمثاله منه!»


فقال «المتوكل» الذى يبدو أن الشراب كان قد أخذ منه، قال للمغنيين غنوا جميعًا:


غار الفتى لابن عَمّهْ رأس الفتى فى حِرِ أمّهْ.


ويضيف ابن الأثير، أن هذا كان من الأسباب التى استحل بها المنتصر قتل أبيه
«المتوكل»!


إهانة قاضى القضاة بمصر!


وضربه بالسياط


والطواف به على حمار!!


ذكر السيوطى فى تاريخ الخلفاء، أن «المتوكل» غضب على قاضى القضاة بمصر: أبى بكر محمد بن أبى الليث.


ولا جدال أن من حق الخليفة أن يغضب، وأن من حقه أن يراقب، وأن من حقه أن يعزل وأن يحاسب متى قام سببٌ للمحاسبة.


إلا أن ما رواه السيوطى غريب غاية الغرابة، فقد أرسل «المتوكل» ـ سنة ٢٣٧ هـ ـ إلى نائب مصر، يأمره بأن يضرب قاضى القضاة، وأن يطوف به على حمار.. ففعل، وأسرف فجعل يمعن فى إهانة قاضى القضاة المعزول، ويضربه كل يوم عشرين سوطًا، بزعم أن يرد المظالم إلى أهلها!


صيرورة إهانة القضاة سُنَّة متبعة!!


تقدم أن الفضل فى تولية «المتوكل»، يرجع إلى القاضى أحمد بن أبى دؤاد، الذى اعترض يوم وفاة الواثق على رأى الوزير الأول الزيات ـ بمبايعة «محمد» ابن الخليفة
«الواثق»، وأنه الذى اقترح «المتوكل»، وأنه الذى أحضره وألبسه وعَمَّمَه، وقبله بين عينيه وقال له السلام عليك يا أمير المؤمنين، وبايعه فبايعه الحاضرون ثم العامة، وأنه الذى اختار له لقب «المتوكل» بعد أن كانوا قد اختاروا له لقب «المنتصر».


فولاية المتوكل بدأت بفضل وعرفان لما صنعه قاضى القضاة أحمد بن أبى دؤاد، وهو فضل موصول بفضل سابق حين كان هو الوحيد الذى أحسن لقاء «جعفر بن المعتصم» ـ المتوكل فيما بعد، حين حَمَلَ أو تَحَامَلَ عليه أخوه «الواثق»، ولم يحسن الوزير الزيات لقاءه بل وقَرَّعه، فكان ابن أبى دؤاد هو مرفأه الذى ساعده وأقنع أخاه الواثق بأن يرضى عنه.


بيد أن الدنيا فى عالم السلطة لا تدوم، فقد أصيب قاضى القضاة ابن أبى دؤاد بالفالج فأقعده، واقتضى ذلك أن يتوقف عن أداء وظيفة القضاء التى كانت موكولة إليه، فقام ابنه
«أبو الوليد» مقامه فى القضاء وولاية المظالم، إلا أن سيرته لم تكن كسيرة أبيه، فغضب «المتوكل» على الابن وعلى الأب معه، وعزلهما كلاهما من المظالم والقضاء، وولى يحيى بن أكثم.


ولا مراء أن من حق المتوكل، أن يغضب على الابن الذى لم يحسن عمله، إلا
أن امتداد الغضب إلى الأب المفلوج طريح الفراش، غير منطقى وغى مبرر، بيد أن
«المتوكل» اندفع فى غضبته لتشمل الأب المفلوج، وكافة أولاده بمن فيهم «أبى الوليد» المعزول.


وروى المؤرخون أن «المتوكل» أمر فى صفر سنة ٢٣٧ هـ / ٨٥١ م ـ بالتحفظ على ضياع المفلوج أحمد بن أبى دؤاد، وفى الرابع من ربيع الأول حبس ابنه «أبا الوليد محمد» فى ديوان الخراج، وحبس إخوته عند عبيد الله بن السرى خليفة ـ صاحب الشرطة، واستأدى الخليفة من «أبى الوليد» مائة وعشرين ألف دينار غير الجواهر، ثم صولح
بعد ذلك بعد ما أشهد المتوكل على الأسرة ـ ببيع كل ما لهم من ضياع، وفى أخريات عام
٢٣٩ هـ / ٨٥٣ م مات أبو الوليد ببغداد، ومات بعده بعشرين يومًا أبوه المفلوج أحمد بن أبى دؤاد، ولم يترك المتوكل أولاده، فحدروا إلى بغداد!


فنون الغدر والخداع ، والقتل عطشًا!!


قد مر بنا أيام المعتصم، ما كان من أمر الأتراك وقيام الخليفة برفعهم إلى مقام القادة، وكان منهم «إيتاخ»، وكان فى الأصل غلامًا خزريًّا يعمل طباخًا لسلام الأبرش، اشتراه المعتصم سنة ١٩٩ هـ ـ ثم لما لاحظه عليه من رجولة وشجاعة ونجابة، رفع قدره على ما سبق ذكره، ثم والى ذلك الخليفة «الواثق» من بعده، وضم إليه أعمالًا كثيرة، وكان «المعتصم» قد ولاّه «سامرّا» مع اسحق بن إبراهيم.


وعندما تولى «المتوكل» الخلافة، كان «إيتاخ» على هذه المرتبة، إليه الجيش والمغاربة والأتراك والموالى والبريد والحجابة ودار الخلافة، ويقال أن بداية تربص
المتوكل به، كان إثر يوم خرج الخليفة متنزهًا إلى ناحية القاطول، فشرب ليلة، وعربَدَ على «إيتاخ» حتى رَدَّ عليه وهمَّ به، فلما كان الصباح وروت الحاشية للمتوكل ما كان منه بأمس، اعتذر لإيتاخ واسترضاه وقال له فى استرضائه: «أنت أبى ورَبَّيتنى».


بيد أنه يبدو أن «المتوكل» لم يغفر لإيتاخ أنه هَمَّ به، وأضمر الانتقام منه، ولكن على خطة غدر منسوجة الخيوط بإحكام، فدس إليه من يحثه على الحج، فاستأذن المتوكل فأذن له وزاد فَصَيَّره أمير كل بلد يدخله فى طريقه إلى البيت الحرام، وخلع عليه، وسار إيتاخ والعسكر جميعه بين يديه، فلما فارق الديار جُعِلتَ الحجابة إلى «وصيف» فى ذى القعدة من ذلك العام (٢٣٤ ه).


ومع رحلة العودة من الحجاز، كان هناك ترتيبات معدة فى الخفاء باتقان شديد، فبمجرد انصراف «إيتاخ» من مكة راجعًا إلى العراق، وجه «المتوكل» إليه «سعيد بن صالح» الحاجب، مع كسوة وألطاف، وأمره بأن يلقاه فى الكوفة أو ببعض طريق العودة، فى الوقت الذى بعث المتوكل بأوامره إلى عامله على الشرطة ببغداد.


وأورد الطبرى بسنده، وغيره من المؤرخين، أن «اسحق بن إبراهيم» أمير بغداد، قد كتب إلى إيتاخ يقول: «أن أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، قد أمر أن تدخل بغداد، وأن يلقاك بنو هاشم ووجوه الناس، وأن تقعد لهم فى دار «خزيمة بن خازم»، وتأمر لهم بجوائز».


وقد كان أن التقط إيتاخ الطُّعم، واستقبله «اسحق ابن إبراهيم» كالمخطط عند الجسر، وعند الدخول إلى دار «خزيمة» قَدَّمَه «اسحق» مفخمًا إياه قائلًا: تدخل أولًا أصلح الله الأمير!


بيد أن إيتاخ المأخوذ بهذه الحفاوة، لم يتفطن إلى أن غلمانه كانوا يُحتجزون واحدًا وراء الآخر على الجسر، حتى لم يبق معه إلا خاصة غلمانه، فلما أشرف على دخول بيت
«خزامة» ـ تأخر اسحق، وأمر إلا يدخل معه الدار من غلمانه سوى ثلاثة أو أربعة، وقد كان، فلما صار «إيتاخ» بالداخل، أُغلقت عليه الأبواب، وأُمِر بحراسته من ناحية الشّط، ولم يتفطن «إيتاخ» إلا حين أُغلق من خلفه الباب الأخير، ونظر حوله فلم يجد من غلمانه سوى ثلاثة، فقال عاضًّا على نواجزه: «قد فعلوها»!


ظل «إيتاخ» سجينًا ومعه إبناه: منصور ومظفر، وكاتباه سليمان بن وهب وقدامة بن زياد، ونقل بعد ثلاثة أيام إلى ناحية من منزل «اسحق بن إبراهيم»، حيث قُيّد بأغلال ثقيلة من الحديد فى عنقه ورجليه، وحبس ابناه وكاتباه.


ويروى الطبرى وابن الأثير أن زنة الأغلال التى وضعت فى عنق «إيتاخ» ـ بلغت ثمانين رطلا، وأنه مات لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة ٢٣٥ هـ / ٨٤٩ م، وأن
«اسحق» أشهد نفرًا من رجالهم على موته وخلوه من آثار الضرب!


بيد أن الطبرى أضاف نقلا عن بعض شيوخه، وردد ابن الأثير، أن «إيتاخ» مات عطشًا، ورَوَيَا أنهم أطعموه حتى امتلأ، فلما عطش وطلب الماء منعوه عنه وظلوا مانعين الماء عنه حتى مات عطشًا! وهى ميته لا تترك آثار ضرب فيما حاول قاتلوه أن يحتجوا ويستشهدوا بأن جسده خالٍ من آثار الضرب!!! فلم يكن فى ذلك الوقت خبراء كالطب الشرعى يستطيعون التعرف بالأساليب الفنية على الموت عطشًا!!!