قبل أن ننسى.. هى دى مصر

19/10/2016 - 9:53:26

  عزت بدوى عزت بدوى

بقلم: عزت بدوى

مصيبتنا الكبرى بعد ثورة ٢٥يناير ٢٠١١ أنها كشفت أسوأ ما فينا، وضاعت القيم، وكادت أن تتلاشى أخلاقنا التى كانت أبرز مزايانا.. لكن الأخطر من كل ذلك أنها أفرزت مجموعة من المهن الجديدة والمسميات الوظيفية التى ما أنزل الله بها من سلطان.. فأصبحت وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة تستقى أخبارها من شاهد عيان مجهول تردد كالببغاء مروجى الأكاذيب والشائعات المدونات والمواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعى التى لا يحكمها ضابط ولا رابط هى سيدة الموقف وسارت خلفها غالبية وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة فى سباق محموم على السبق الصحفى المجهول دون تدقيق أو فرز وتمحيص ليصبح الإعلام مهنة من لا مهنة له وأداة هدم للمجتمع بدلًا من حشد الرأى العام نحو إعادة بنائه وتثقيفه وتنويره بحقائق الأمور..


وبرزت بجانب المراسل المجهول وشاهد العيان، مهن الناشط السياسى والخبير الاستراتيجى والخبير الاقتصادى والخبير الأمنى وكلها مسميات ما أنزل الله بها من سلطان لأشخاص لا علاقة لهم بالسياسة أو الاقتصاد أو الأمن والعلم الاستراتيجى وتتحول برامج التوك شو المسائية فى الفضائيات إلى مصاطب تسلية تشعل الفتن بالأزمات وتروج للأكاذيب والشائعات لجذب أكبر عدد من الدعاة والمعلنين لتتوه الحقائق ويختلط الحابل بالنابل ولا يعرف المواطن ما الذى يحدث وما الذى يتحقق على أرض الواقع ولماذا لم تحل كافة مشكلاته الحياتية وتحول حياته إلى بمبى التى كان يتمناها ويتوقعها بعد ثورتين فى أقل من ٥ سنوات وبعيدًا عما ردده سائق الـ «توك توك» فى الأسبوع الماضى فى برنامج «واحد من الناس» سواء كان خريج توك توك أم أستاذ جامعة.. إخوانيا.. أو ناصريا.. أو ساداتيا أو سيساويا.. أو حتى مواطنًا عاديا.. فهذا كله لا يهم فهو فى النهاية مواطن مصرى وله الحق فى أن يعبر عن رأيه والمشكلات الحياتية التى يتوهن لها ويعلمها الجميع وأولويات حلها من وجهة نظره.. لكن الذى استوقفنى فى كلامه هو خلط الأوراق بين مصر فى القرن قبل الماضى حينما كانت إثيوبيا والسودان تحت قيادتها ومصر الآن.. ومصر فى أوائل القرن الماضى حينما كانت دائنة للخزانة البريطانية وترسل كسوة الكعبة المشرفة جاءت البيانات لتنهل من تجربتها التنموية ومصر الآن لكن لم يقارن خريج «التوك توك» المفوه بين ما كانت عليه مصر فى ذلك الزمن البعيد سواء من عدد السكان أو الإنتاج ومصر النهارده.. والأهم أنه لم يقارن بين أوضاع مصر قبل ٣٠يونيه٢٠١٣ وأزماتها الطاحنة ومصر اليوم ليقول لنا هى دى مصر.


وقبل أن ننسى يجب أن نعترف أن الإعلام المصرى وأنا أولهم والحكومة بكافة أجهزتها ووزراءها مقصرة فى نشر حقائق أوضاعنا الاقتصادية للمواطنين وما الذى تحقق حتى الآن ولماذا بدأنا بالمشروعات القومية الكبرى فى المرحلة الحالية وما الذى سيحدث لو تم تأجيل برنامج الإصلاح الاقتصادى إلى مرحلة لاحقة.


وفى نقاط عاجلة نضع النقاط فوق الحروف فى سطور مختصرة حيث لا يتسع المقال لنشر التفاصيل، فإن مصر قبل ٣٠يونيه ٢٠١٣ كانت تعيش أزمة طاقة خانقة وطوابير البنزين والسولار كانت تسد شوارع المحروسة وأنبوبة البوتاجاز وصل سعرها إلى ١٢٠جنيهًا والآلات الزراعية فى الحقول تحولت إلى أدوات ديكور لعدم وجود السولار والكهرباء تقطع بالساعات يوميًا فى جميع أنحاء الجمهورية.. ولا يمكن فى ظل هذه الأزمة الخانقة فى الطاقة والمشروعات والمصانع القائمة بالفعل تعمل وردية واحدة ننتظر أن يأتى إلينا أى مستثمر أجنبى ليستثمر فى مصر، أما الآن وفى أقل من عامين فلم نشهد انقطاع الكهرباء وحتى فى أوقات الذروة الصيفية وشهر رمضان الكريم وانتهت المشكلة بدون رجعة بل سيتم افتتاح أكبر ثلاث محطات كهرباء جديدة وتوقيع عقد نهاية هذا العام أول مفاعل نووى بالضبعة قبل نهاية هذا العام وهذه واحدة.. الثانية قبل ٣٠يونيه كانت لدينا أزمة طاحنة فى رغيف الخبز وطابور أمام الأكشاك والأفران من الخامسة فجرًا وسيارات جيشنا العظيم تجوب الشوارع والميادين لتوفير الخبز للمواطنين والآن العيش على كافة أرصفة شوارع مصر وأصبحت الأزمة من الماضى.. وقبل ٣٠يونيه كان المواطنون يخشون الخروج من منازلهم بعد المغرب لغياب الأمن وهجرها السائحون الأجانب وقامت ٥٣ شركة استثمارية أجنبية برفع قضايا تعويض بمليارات الدولارات ضد مصر أمام محاكم التحكيم الدولى فى لندن وباريس وواشنطن لتوقف مصانعها لغياب الأمن واليوم رجعت مصر واحة الأمن والأمان فى منطقة الشرق الأوسط رغم ما تموج به المنطقة من اضطرابات وفوضى وإرهاب يضرب العديد من دولها.. هذه مجرد أمثلة سريعة للمقارنة حتى يعرف القاصى والدانى ماذا كانت مصر قبل ٣٠يونيه٢٠١٣ وحالها الآن ليعرف فعلًا هى دى مصر التى تمرض ولا تموت وتقف صفًا واحدًا فى مواجهة المحن والشدائد والمؤامرات.


ورغم ما تحقق من إنجاز فى حل الأزمات الحياتية اليومية للمواطنين من جذورها فإن إعادة بناء الدولة المصرية الحديثة لم يكن غائبًا عن وعى وفكر القيادة السياسية للبلاد لوضع حل نهائى لمشكلاتها الاقتصادية بدلًا من علاج المسكنات الذى لا يغنى ولا يسمن ويفاقم المشكلة ومن هنا جاء وضع برنامج الإصلاح الاقتصادى لمواجهة العجز الشديد فى مواردنا عن نفقاتنا والذى يمول بالاقتراض والديون التى تزداد عامًا بعد عام حتى وصلت إلى ٢تريليون و٥٧٢مليار جنيه تستحوذ فوائده وأقساطه على ٣٢٪ من الموازنة العامة للدولة هذا العام وإذا استمر هذا الوضع فلن يكون هناك خدمات أو مرافق أو صحة أو تعليم فلا يعقل أن يمنح دعم البنزين والسولار والخبز والسلع التموينية وغيرها للأغنياء أكثر من الفقراء باعتبارهم الأكثر قدرًا على الشراء وإنما لابد من التصدى بحسم لهذا الوضع وخلق آلية لحماية الفقراء تضمن وصول الدعم إليهم مباشرة ولابد من خلق فرص عمل للشباب وزيادة الإنتاج من كافة السلع لخفض فاتورة الواردات من جهة وزيادة حصيلة الصادرات من جهة أخرى، وهو الأمر الذى لن يتحقق إلا بالبدء فى إنشاء مشروعات قومية كبرى تجذب كبار المستثمرين الأجانب من كافة دول العالم للاستثمار فى مصر سواء فى مشروعات المنطقة الاقتصادية بقناة السويس أو العاصمة الإدارية الجديدة أو مشروع الـ١.٥مليون فدان الزراعية وإقامة المدن الجديدة فى العلمين والإسماعيلية والجلالة والمثلث الذهبى بصعيد مصر وربط جميع هذه المشروعات بشبكة قومية حديثة للطرق بكافة الموانئ المصرية لخلق مناخ منافس وجاذب للاستثمار الذى يقارن بيننا وبين غيرنا من الدول الأخرى.


الأهم لابد أن يعرف الشعب لماذا الإصلاح الآن وماذا يحدث لو تم تأجيله وأسباب البدء بالمشروعات الكبرى دون غيرها فى المرحلة الحالية حتى لا تتوه الحقائق ويختلط الحابل بالنابل.