خطبة المخطوبة

19/10/2016 - 9:50:42

بقلم: أ.د. عباس شومان وكيل الأزهر الشريف

من الآداب السامية والمعاني الراقية في شريعتنا السمحة احترام مشاعر الآخرين وعدم التعرض لهم بما يؤلمهم ويولد الضغائن في نفوسهم، من ذلك القيام بتصرف يتعارض مع مصلحة شخص آخر أو يفسد عليه مقصدا قصده،


حتى لو كان ما قام به الآخر من التصرفات غير الملزمة التي لا ينبني عليها حقوق وواجبات، ولذا نهى شرعنا الحنيف عن البيع على بيع الغير أو الخطبة على خطبة الغير، حيث يقول رسولنا الأكرم - صلى الله عليه وسلم: «لا يبع أحدكم على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبته حتى يذر»؛ أي أنه يُمنع على المسلم التقدم لشراء سلعة اتفق مالكها مع شخص آخر على بيعها له بثمن معين، لكن إجراءات إنهاء الصفقة وانتقال السلعة إلى ملكية المشتري ودفع الثمن إلى البائع لم تتم لكونهما اشترطا مدة للتفكير في إتمام الصفقة أو إلغائها، وذلك لأن تدخل الطرف الثالث (المشتري الآخر) بعرض سعر أعلى مثلا يفوّت على أخيه المسلم فرصة بعد أن كاد يتملكها برضا البائع، وهذا لا شك يؤلمه.


والمخطوبة لا يخلو أمرها عن ثلاثة أحوال: إما أن تكون رافضة للخاطب الأول، وهذه ليست في حكم المخطوبة فعليًّا، ولا بأس من تقدم شخص آخر لخطبتها. وإما أن تكون في حال التفكير في قبول الخاطب من عدمه، وهذه لا بأس من تقدم شخص آخر لخطبتها إن كان خاطبها الثاني أكثر صلاحا من الخاطب الأول، وهذا يتحقق بعلم الثاني يقينا أن الأول يشرب الخمر مثلا، أو أنه لا يصلي، أو غير ذلك من الخصال الذميمة التي لا تعلمها المخطوبة عن خاطبها الأول. فإن كان الثاني كالأول في الصلاح وعدمه، فقد اختلف الفقهاء في حكم خطبة الثاني، والأرجح الكراهة لما فيه من إيذاء مشاعر الأول. أما الحالة الثالثة، فهي أن تكون المخطوبة قد وافقت على خطبة الأول لها وركنت إليه، وهذه هيّ الخطبة الواردة في الحديث السابق، والفقهاء في هذه الحال على عدم ملاءمة الخطبة الثانية لأخلاقيات الإسلام، إلا أنهم يختلفون في حكم الخطبة الثانية، فهيّ عندهم بين الكراهة والتحريم، والأرجح الكراهة دون التحريم، لأن الخطبة ليست عقدا ملزما ولكنها مجرد وعد بالتزويج، ونقض الوعد لا يصل إلى درجة التحريم وإن كان شديد الكراهة في الإسلام، ولذا فإن الفقهاء اختلفوا في حكم عقد الزواج المترتب على خطبة المخطوبة في هذه الحال بين البطلان ووجوب الفسخ لهذا العقد والتفريق بينهما حتى بعد الدخول، أو التفريق ما لم يدخل بها، أما إذا حصل الدخول فلا يفرّق بينهما، لأن الخاطب الأول قد لا يقبلها زوجة، والراجح استمرار الزوجية وعدم فسخ النكاح أو التفريق بينهما لا قبل الدخول ولا بعده، لأن الزواج وقع مستوفيا أركانه وشروطه، ومع ذلك يأثم الزوج لإفساده خطبة الأول مخالفا نهي النبي - صلى الله عليه وسلم.