والله من وراء القصد..

19/10/2016 - 8:46:24

  حمدى رزق حمدى رزق

بقلم - حمدى رزق

ما بين مصر والسعودية أكبر وأعمق وأرسخ من تصويت عابر فى مجلس الأمن لم يرض عنه إخوتنا فى الخليج، أكبر من قلم مغرض يستل نصلا حادا يطعن به قلب العروبة، وأعمق من فضائى مسطح يروم مشاهدة فيقلع جلبابه وكأنه فى عركة شارعية، وأرسخ من حائط قذر فى الفضاء الإلكترونى يتغوط عليه كائن إخوانجى حاقد، الردح الشعبوى البغيض من الجانبين على وسائل التواصل الاجتماعى يمزق الوشائج بين البلدين، ليس هكذا تورد الإبل.


مصر الشعبية قبل مصر الرسمية قلبها معلق ببلاد الحرمين، والمملكة قصراً وشعباً تيمم وجهها نحو بلاد الأهرامات، والمواقف السياسية العابرة لا تشكل سياقاً بين الشعبين، ما بيننا كثير ومعتبر، والمكايدات الشعبية لا تصح بين القاهرة والرياض، وحبل الود متصل، والتسخين المتعمد من أطراف بعينها بات واضحاً، حذار من الانجرار إلى مستنقع لن تخرج منه العلاقات أبداً.


تضرر المملكة من الموقف المصرى الأخير فى مجلس الأمن قد يكون مؤلم سياسياً وعبرت عنه المملكة بالألم وصمتت، ولكن مصر أيضاً تألمت من التقارب السعودى التركى الذى بات حلفاً ولم تبد القاهرة اعتراضا أو تبرما، الألم الذى يعتور العاصمتين سياسياً جار احتواء آثاره السلبية، وما بين العاصمتين أكبر بكثير ويستحق أن يبذل من أجله الكثير، وحبل الود متصل، وليس لدى الطرفين رفاهية الاستغناء عن بعضهما البعض، ما تفرقه المواقف السياسية على أرضية إقليمية مضطربة، تجمعه القلوب المحبة على الجانبين.


 لماذا يتنزل الخلاف السياسى شعبياً، الاحتراب الشعبى يحرق الجسور جميعاً، واجترار ماضويات من العصور الغابرة لا يخدم مستقبلاً، وما يتخلف عنه من إحن ومحن وثارات وحزازات ومرارات شعبية كثير ومؤلم كثيراً، يتألم المصريون للمن الذى يمارسه متكبرون على الجانب السعودى، ويحزن السعوديون للاستكبار الذى يمارسه نفر من المصريين، بين القاهرة والرياض علاقات لا فيها من ولا استكبار، عنوانها الاحترام الكامل للإرادة السياسية المستقلة على الجانبين .


لاتشمّتوا فينا من يروم قطيعة، المطلوب ضرب العلاقات المصرية / السعودية، ويتلوها ضرب العلاقات المصرية / الخليجية، والاستفراد بكل من مصر وحدها، والسعودية بمفردها، مصر تعانى حصارا ضاريا استعانت عليه بدعم موفور من العربية السعودية التى باتت هى الأخرى تعانى، وتتحلق من حولها الدوائر متربصة ربما لدعمها اللامحدود لمصر، ووراء الأكمة فى أضابير السياسة الدولية ما وراءها، والثعالب كامنة فى الدغل، والكتائب الالكترونية تنشط، تلغم الأجواء، والفضاء الإلكترونى تحوم فيه كتابات مسمومة تعكر صفو العلاقات.


مصر هدف، والسعودية هدف، مصر والسعودية ( حلفا ) هدف، مصر والخليج (حلفا ) هدف، وهذا معلوم وليس بخاف، والحملة على هذا الحلف ليست  مستبطنة، ومعلوم مستوى العلاقات الرسمية القوية  بين القيادتين، وتفهم كلتيهما لما هو خاف فى العواصم الغربية والقريبة، والجماعات العقورة على الجانبين تتحين الفرص لضرب هذه العلاقة التى وقفت حائط صد منيع ضد  ما يحاك للمنطقة، هذا الحلف أفسد مخطط تقسيم المنطقة  تماماً .


تأخر الواردات البترولية وارد وليس عقابا، وجفاف المساعدات السعودية حادث وليس عقابا، ومصر المستقلة حتما ولابد أن تعتمد على ساعدها، وليس متصورا استمرارية المساعدات الخليجية إلى ما لا نهاية، وليس متصورا اعتماد الاقتصاد المصرى على هذه المساعدات إلى ما لا نهاية، ولن يحك جلدك سوى ظفرك، واستقلالية القرار المصرى مكلفة، ولابد أن ندفع الثمن من دمنا، وتلويم السعودية لا يستقيم مصريا، لا تلومن إلا نفسك، ولا تحمل الآخرين مشكلتك، أنت لها وعليك بالتضحية، إذا أردت الاستقلال كن مستقلا وتحمل كلفة الاستقلال ونحن أهل لها وديننا وديدنا الاستقلال فى القرار .


عيب، ليس متصوراً مصرياً المعايرة بالمحمل، وليس معقولاً سعوديا معايرة مصر بالرز، كيف وصلنا إلى هذه الحالة العبثية بين عشية وضحاها، عكارة سياسية، سحابة صيف، زوبعة فى فنجان، كلها أوصاف تصدق على الأزمة الأخيرة، وسرعان ما تزول بزوال المؤثر، وتبقى المواقف الثابتة بين العاصمتين، الجسر بين القاهرة والرياض لا ينكسر هكذا بعاصفة هوجاء من الغوغاء.


ضرب العلاقة المصرية السعودية سياسياً، إقليمياً ودولياً هدف واضح ولا تخطئه عين مراقب، والتورط فى توسيع شقة الخلاف السياسى باحتراب شعبى قائم على المكايدة يخدم هذا المخطط المعلوم أهدافه ومراميه، وصمود العلاقة بين القاهرة والرياض فى وجه العواصف الدولية تأسس على عمق العلاقات الشعبية، والعلاقات بين القيادة السياسية فى البلدين قائمة على أساس متين من العلاقات الشعبية، فإذا ما انهارت كانت القاضية.


مصريا من ينسى وقفة الراحل الكبير الملك عبد الله جنب الشعب المصرى فى ثورة الثلاثين من يونيه اتساقاً مع موقف سعودى ثابت لا يتغير فى أساسياته وإن تغيرت معطياته، فلتقرأوا بيان الملك عبد الله فى الثلاثين من يونيه، للأسف يتعامى ويتغابى عن الحق من فى قلبه مرض، ومن ينسى وقفة الرئيس عبد الفتاح السيسى فى ظهر العربية السعودية فى مواجهة الخطر الإيرانى اتساقاً مع موقف مصرى ثابت ولا يتغير، راجعوا بيان مسافة السكة، للأسف يتعامى ويتغابى عن الحق من فى قلبه مرض، حتما ستعود المياه إلى مجاريها قريباً، أقرب مما تتصورون، ماذا أنتم فاعلون بهذه العلاقات التى قامت على المحبة قبل المنفعة، ما بين القاهرة والرياض لا يغيره ولا يبدله إلا الله.


انهيار الحلف المصرى السعودى لا يحتمله مصرى أو سعودى، ما تبقى من أطلال الربيع العربى عاصمتان القاهرة والرياض، كلتاهما تشد من أزر الأخرى، كلتاهما تقف فى ظهر الأخرى فى مواجهة عواصف المنطقة، والجسر البشرى بينهما حالة تستأهل التوقف والتبين، التوقف أمام مستجدات العلاقات، وما يتبعها من اختلاف المواقف الإقليمية والدولية، وتبين العدو الحقيقى لمسيرة هذه العلاقات، العلاقات الثنائية مستهدفة دوماً، وفصم العلاقة هدف، والفرصة للأسف سانحة لأعداء البلدين.


الحبور والغبطة التى ترتسم الآن على الشاشات والحوائط الإخوانية خليقة بالانتباه، وتنزيل الخلاف السياسى إلى الأرضية الشعبية، والتترى فى المعايرات والخلافات وتمزيق الثياب لا يخدم سوى الإخوان والتابعين، وتفويت الفرصة ضرورة وطنية، ما بيننا أكبر من الخلاف، وما بيننا أكثر من الخصام، وما بيننا صامد فى وجه الرياح، اتركوا السياسة لأهلها وكونوا أهلاً لكل خير.. والله من وراء القصد.