مدام رطل .. سيدة علمت الغناء للمغنيين

17/10/2016 - 10:34:28

جيلان رطل جيلان رطل

بقلم: أحمد إبراهيم أحمد

كانت مصر مجتمعاً كوزموبوليتانياً بامتياز بعد التأثير الثقافي الذي يشبه الزلزال الذي أحدثته الحملة الفرنسية وما تلاها من أحداث ضخمة على كافة مستويات الحياة التي انفتحت على الثقافات الوافدة وبدأت في تبني فكر أكثر تحرراً وكان من نتيجة هذا الانفتاح أن شهدت أشهر المسارح المصرية أنشطة موسيقية وغنائية للأرمن الذين فروا لمصر من المذابح العثمانية فأقاموا واستقروا وعاشوا في حرية وأمان وشاركوا أبناء البلد الأصليين في كافة مظاهر الحياة.
صارت قاهرة القرن التاسع عشر مرتعاً لثقافة العالم ومرت بتحولات ثقافية هامة بعدما استنفد مشروع النهضة دفاعاته أمام صدمات حضارية تلقاها أحياناً باختياره وفاجأه الآخر بها أحيانا أخرى بينما هو مُثقل بعبء التراث الذي استند إلى ثقافة شفهية وما قدمه الاستشراق مما صنع مأزقاً كبيراً بدا يتسع في علاقة المصريين بتاريخهم ومستقبلهم.
تعمقت الأزمة الثقافية باكتشاف القومية العربية مع انهيار السطوة العثمانية وتزايد رغبة التحديث الثقافي الشامل خاصة في مجالات السياسة والاقتصاد والتعليم، وتبلور الصراع بين مستعمر شرس وهوية وطنية ضعيفة لا تملك من الأدوات الثقافية إلا أدبيات ماض مصيره إلى زوال محتوم في عصر ثقافة عالمية يشهد ولادة فجوة معرفية بين الغرب والشرق ونضال أبناء ثقافة تقليدية يميزها الفقر الأدبي والفني للثقافة العربية -التي كانت تقودها مصر- للخروج من عباءة الشيخ وقفطانه والذهنية الجمعية القاصرة التي تعيق تمرد الفرد وتوقه للخلاص عبر أحلامه الإنسانية المشروعة.
مهدت هذه المرحلة الطريق للحداثة بكل أطيافها التي أخذت صوراً متعددة ساعد على نجاحها التعدد العرقي والطائفي للمجتمع المصري قبل غزوه بالجحافل الريفية والبدوية وتجريفه بالترحيل والتهميش العرقي والديني الذي انتهى بكوابيس ثقافية عجلت بتهديد مصر وعالمها المندمج في ثقافة كوزموبوليتانية جري اغتيالها.
ساهم الموسيقيون الأرمن في إثراء الحياة الموسيقية والغنائية المصرية وساهموا في إحداث طفرة ثقافية كبرى في المجال الموسيقي لمجتمع متعدد الثقافات حيث شهد القرنان التاسع عشر والعشرين مساهمات موسيقية وأسماءً أرمينية أثرت بشدة في صنع النهضة الفنية الموسيقية وتحديث الإبداع الفني الموسيقي في مصر المنفتحة وتعد أوبريت (ليبلي بيجي هو هور أغا أو بائع الحمص - 1837- 1898م) التي كتبها تاكفور ناليان ولحنها ديكران تشوهاجيان من أقوي العروض الفنية التي قدمتها الفرق الأرمينية منذ القرن التاسع عشر في الأستانة وأوربا ومصر ثم ألف هوفهانيس طومانيان أوبرا (أنوش) ولحنها أرمين ديكرانيان (أو ديكرانوف 1879 - 1950م) التي تكرر عرضها علي مسارح القاهرة والإسكندرية بين عشرينيات وخمسينيات القرن العشرين ثم ألف الموسيقي ج آبريجيان وس سركسيان أوبرا (هيكيات أو حدوتة) وعرضاها بالقاهرة عام 1949م.
كما أسس الأرمن فرقاً موسيقية وكورالية من أقدمها فرقة الموسيقيين الأرمن التي تأسست بالإسكندرية عام 1901 م بينما تأسست أقدم الفرق الأرمينية في القاهرة (فرقة موسيقي آراكس) سنة 1902 م ثم انقسمت لفرقتين فرقة آراكس وفرقة كنار ثم اندمجتا في فرقة آلرا راديان، وتوالي فيما بعد تأسيس الفرق الموسيقية والكورالية والغنائية الأرمينية في القاهرة والإسكندرية
زار بعض الفنانين الأرمن من دول أخرى مصر فعرفت مصر من الموسيقيين الأرمن الوافدين هاروتيون سينانيان (1872-1939) الذي زار مصر وألف أحد أجمل أعماله (المارش) الذي أهداه للخديو عباس حلمي الثاني (1892- 1914) بمناسبة مرور ثلاث عشرة سنة علي اعتلائه العرش.
كما تعد حفلات الموسيقار سوغومون سوغومونيان الشهير بجوميداس (1869-1935 م) في 1911 م حدثاً هاماً في تاريخ الموسيقى المصرية؛ فقد كون كورالاً بالإسكندرية من مائة وتسعين مغنياً ومغنية دربهم في فترة وجيزة وقدم أول حفلاته في يونيه 1911 م علي مسرح الهمبرا بالإسكندرية، ثم علي مسرح عباس بالقاهرة.
وتعد حفلات الموسيقار الأرمني آرام خاتشادوريان (1903-1978) في مصر عام 1961 م حدثاً فنياً هاماً حتى أن الرئيس جمال عبد الناصر منحه وسام الفن من الدرجة الأولي في سابقة لم تحدث لأي أجنبي من قبل.
وساهم بعض الأرمن المستقرين بمصر في الحياة الفنية مثل عازف الكمان البارع آرميناج يسايان (1887-1952م) الذي ساهم في تأسيس معهد الموسيقي الشرقية، ولا يمكن إغفال جهود الموسيقار العبقري فؤاد جرابيد بانوسيان (1916-1988) المعروف بفؤاد الظاهري الذي تخرج في معهد فؤاد الأول للموسيقي العربية وعمل مدرساً للأناشيد بوزارة المعارف ثم أستاذاً للغناء الجماعي بمعهد الفنون المسرحية فضلاً عن إشرافه علي فرقة الإذاعة المصرية للوتريات وتأليفه الموسيقى التصويرية لمئات الأفلام السينمائية والأعمال الإذاعية.
وكانت السيدة الأرمينية الأصل جيلان رطل أو (مدام) رطل كما اشتهرت في الوسط الفني المصري أستاذة للغناء الأوبرالي في كونسرفتوار القاهرة خلال الخمسينيات والستينيات وتتلمذ على يديها كثير من الأصوات التي ظهرت في هذه الفترة واشتهرت فقد درس على يديها الكثير من طلاب الغناء الذين صاروا نجوماً في الغناء بعد ذلك.
عرفت جيلان رطل بصوتها العذب لكنها آثرت الالتحاق بالكونسرفتوار وحصلت علي دبلوم تدريس البيانو ثم توجهت إلي إيطاليا لاستكمال دراستها فحصلت علي الدكتوراه في علم تربية وتدريب الأصوات، وأصبحت أول سيدة مصرية تتخصص في تدريس علم الصوت، وعملت مع العلامة الكبير الدكتور علي مصطفي مشرفة ورائد أدب الأطفال في مصر والعالم العربي كامل كيلاني في مشروع لتعريب الأغاني العالمية، وطالبت دوماً بترجمة الأعمال الأوبرالية العالمية للعربية حتى يسهل فهمها علي عامة الشعب، ونجحت في تعريب أوبريت (الأرملة الطروب) التي لاقت نجاحاً كبيراً عند عرضها جماهيرياً.
أُنشئ المعهد العالي للموسيقى الكونسرفتوار بقرار رئيس الجمهورية رقم 1439 الصادر في أغسطس 1959م ثم صدر القانون 78 لسنة 1969 م ليصبح الكونسرفتوار بموجب هذا القانون، ومن بعده القانون رقم 158 لسنة 1981 م الصادر بشأن إعادة تنظيم أكاديمية الفنون أحد عناصر هذه الأكاديمية فزاملت مدام رطل الدكتورة فيوليت مقار أو ميريس فؤاد مقار(ميتزو سوبرانو- 1934 - 2011 م) التي شغلت منصب أستاذة الأصوات بمعهد كونسرفتوار القاهرة وكانت أول مصرية تلعب دور (امينريس) في أوبرا عايدة، وكانتا من رواد الغناء الأوبرالي في مصر، ومن مؤسسي قسم الغناء بالكونسرفتوار اللتان تتلمذ علي أيديهما العديد من الفنانين.
وتعد جيلان رطل (1914-1984 م) أشهر الأرمينيات اللاتي تركن بصمة واضحة علي خريطة الفن الموسيقي في مصر والفن الأوبرالي خاصة، فكانت من أبرز رواد هذا الفن في مصر فقد تتلمذ علي يديها جميع مغني ومغنيات الأوبرا تقريباً الذين شكلوا فرقة الأوبرا المصرية وقت إنشائها، كما أوقفت حياتها علي خدمة الثقافة الموسيقية واستطاعت الترويج للنظريات الموسيقية والفنية العلمية التي استفاد منها عشرات من نجوم الفن عامة والأوبرالي على وجه الخصوص.
أدرك الفنان الكبير سليمان نجيب الذي كان الأب الروحي والموجه للفنانة تحية كاريوكا أن الفنان لا يمكنه الاستغناء عن العلم فشجعها علي دراسة الإنجليزية والفرنسية وتعلم فن الباليه وأوكل للسيدة القديرة مدام رطل أن تتولي تدريب صوتها علي الأداء الغنائي مما رشحها لمشاركة الفنان الرائع نجيب الريحاني لبطولة فيلم «لعبة الست» فغنت في هذا الفيلم من تلحين محمود الشريف الأغنية المرحة الشهيرة "يا خارجة من باب الحمام".
ودربت فايزة أحمد صوتها عند مدام رطل في بداية رحلتها الفنية حتى تجعل صوتها خالياً من بحة ميزت صوتها حيث اعتبرت تلك البحة عيباً صوتياً وليس ميزة جمالية فأخذت تتدرب عندها حتى اختفت تلك البحة المميزة.
عرف أبناء الخمسينيات والسبعينيات والثمانينيات صلاح جاهين فناناً متعدد المواهب نشطاً متحمساً من أكثر أبناء جيله نشاطاً ومرحاً وحضوراً إنسانياً وثقافياً وفنياً فكان يرسم وينظم الشعر العامي ويمثل ويكتب السيناريو ويغني بالعربية وبالإسبانية وعرف عنه عشقه لغناء لحن شهير من تراث الحرب الأهلية الإسبانية "ما ميتا ميا... لس كواترو خيزاليس... ما ميتا ميا وأغنيات روسية أخرى بصوت قوي قادر علي أداء الألحان الصعبة لأنه تلقي دروساً في الأداء الغنائي علي أيدي مدام رطل.
ولا يعرف الكثيرون أن من تلاميذ مدام رطل الملحن الشهير الموهوب بليغ حمدي الذي حرص والده على تعليمه الموسيقى منذ الطفولة والذي عكف على دراسة الموسيقى أكاديمياً بعدما أصرت والدته أن يستكمل دراسته في كلية الحقوق خوفاً من اتهامها بالتقصير في تربيته بعد وفاة والده، ورفضت التحاقه بمعهد الموسيقى العربية فلم يستطع إكمال الدراسة بكلية الحقوق وظل مقيّداً بها سنوات طويلة وهو يدرس الموسيقى في المعهد العالي للموسيقى المسرحية حيث الدراسة فيه ليلية فدرس أصول الموسيقى وكتابة وقراءة النوتة والسولفيج والهارموني على يد مدام رطل التي تدرب على يديها معظم المطربين المشهورين في ذلك العصر.
ومن الأجيال المعاصرة التي تتلمذت على يدي مدام رطل الفنانة سحر نوح ابنة الفنان محمد نوح التي درست البيانو منذ صغرها في الكونسرفتوار علي يد العازف الشهير رمزي يسي وعند بلوغها الثانية عشرة درست الغناء الأوبرالي علي يد جيلان رطل ثم فيوليت مقار.
ليس هؤلاء كل من تتلمذ أو تدرب صوته على أيدي مدام رطل بل نماذج بسيطة لأن المجال لا يتسع لرصد كل الأصوات التي تدربت عند مدام رطل فهم أكثر من أن يتم إحصاؤهم.
وقد يلاحظ الكثير التشابه الكبير بين أسلوب الرئيس السادات في الإلقاء وبين الفنان العظيم عبد الوارث عسر... لم يكن هذا التشابه عبثياً بل نتيجة خضوع السادات لتدريب على قواعد الإلقاء كان عبد الوارث عسر أستاذه مما يوضح أهمية دراسة علوم اللغة الحديثة وصوتياتها بالأساليب العلمية ومهارات وآليات الإلقاء والمعرفة بمخارج الحروف والتمييز بين مناطق نطقها، وتشريح جهاز النطق ومناطق إنتاج الصوت بشكل علمي.
إن كثيراً ممن يمارسون العمل الإعلامي كمذيعين ومذيعات، ومقدمي برامج ومقدمات، ومطربين ومطربات، وممثلين وممثلات، وحتى قضاة ورجال عدل يمتلئ أداؤهم بعيوب في النطق ولا يعرفون المناطق الصحيحة لنطق الحروف، ولا قواعد المد والوقف والإدغام وغير ذلك من مهارات يستلزم عملهم خبرتهم بها حتى أن مقدم برامج هو صحفي في الأصل (أخنف وألثغ) يظهر على التليفزيون ليثير الحزن على ما وصلت إليه المهنية وعدم إدراك هؤلاء لتأثيرهم السلبي على المتلقين لأدائهم الغث خاصة الأطفال.
نداء لك يا سيدتي...
مدام رطل عودي لنا أو الهمي أحداً ليقوم بعملك الرائع الذي كنت به تقومين.