بمناسبة مرور نصف قرن علي إنتاجه .. « المحترفون » وسحر الغرب الأمريكى

17/10/2016 - 10:26:02

كتب : سامح فتحي

يعد فيلم "المحترفون" 1966 _ الذي تمر ذكرى إنتاجه الخمسين هذه الأيام - من أفضل أفلام الغرب الأمريكي، تأليف وإخراج ريتشارد بروكس، وبطولة لي مارفن، وبيرت لانكستر، وكلوديا كاردينالي، وجاك بالانس وروبرت رايان، ووودي سترود. والموسيقى التصويرية المميزة لموريس جار، وقد رشح الفيلم في عام 1967 لثلاث من جوائز الأوسكار، هي جائزة أفضل إخراج، وأفضل سيناريو، وأفضل تصوير سينمائي . وفاز الفيلم بجوائز سينمائية متنوعة مثل جائزة أفضل عمل، وأفضل ممثل ( لي مارفن ) من إحدى المجلات السينمائية المتخصصة عام 1967، كما حصل في العام نفسه على جائزة الشاشة الذهبية من ألمانيا .
وقد تم تصوير الفيلم في ذلك الوادي الصحراوي المسمى بوادي الموت أو وادي النار في ولاية نيفادا، الذي تتميز صخوره بألوان حمراء وصفراء بدرجات متفاوتة، مما أعطى تأثيرا عميقا للمشَاهِد المصورة فيه. وعلى الرغم من أن قصة الفيلم تعد من القصص البسيطة التي تعتمد على الكفاح والشجاعة، والمهارة القتالية بالأسلحة المختلفة التي تميز أفلام رعاة البقر في تلك الفترة، فإن ذلك الفيلم يعد من أروع الأفلام التي أنتجت من هذه النوعية، ويأتي دائما في المراكز المتقدمة لتصنيف أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما الأمريكية، خاصة نوعية أفلام الغرب الأمريكي.
استثمار نجاح سابق
والمخرج عندما أراد تقديم ذلك العمل كان في ذهنه النجاح الساحق الذي حققه فيلم " العظماء السبعة " 1960 للمخرج جون ستورجس، بطولة يول براينر، وإيلاي والاك، وستيف مكوين، وشارلز برونسون، وروبرت فون، وهو أيضا من نوعية أفلام الغرب الأمريكي، ويحكي قصة مزارعين مكسيكيين يتعرضون للاستغلال من قبل زعيم عصابة، فيذهبون لطلب المساعدة من رماة أمريكيين مهرة. وقد أراد مخرج " المحترفون " أن يتناول فكرة القيام بمهمة تبدو مستحيلة وخوضها بالاعتماد على بعض المهارات المتقنة كما في " العظماء السبعة "، لكنه في الوقت نفسه أراد تخفيض عدد المشاركين في تلك المهمة ليكونوا أربعة فقط ؛ وذلك من أجل التركيز عليهم، وإبراز الدور الإنساني والبطولي المحترف لكل منهم، فاختار من أجل ذلك مجموعة من الأبطال القادرين على تحقيق ذلك الفكر، وإقناع المشاهد بالبطولة الخارقة، والمهارات المعجزة، مع تحليهم بالقبول لدى جموع المشاهدين، فاختار الممثل الأسطورة لي مارفن الذي كان وقتها في الثانية والأربعين من عمره، وكان في قمة تألقه الفني، فقد فاز قبل عرض الفيلم بعام واحد أي في عام 1965 بجائزة الأوسكار عن دوره في فيلم " كات بالو " أو "القط بالو"، وكان قد أجاد دوره في فيلم "القتلة" 1964 . وأثبت حضوره السينمائي بشخصية قوية مهيبة، أهلته لأن يلعب دور قائد المجموعة في فيلم " المحترفون " .
كما اختار المخرج الممثل بيرت لانكستر ليقوم بدوره كفرد من أفراد المجموعة القتالية، وكان لانكستر قد فاز أيضا قبل هذا العمل بجائزة الأوسكار عن فيلم " إلمر جانتري" في عام 1962، كما فاز عن دوره في هذا الفيلم بجائزة الجولدن جلوب، وفاز بجائزة بافتا عن دوره في فيلم "رجل طيور ألكتراز" 1962، بما يثبت ويؤكد مهنتيه ومقدرته التمثيلية الرائعة . وكما اختار المخرج الممثل روبرت رايان ليكون ضمن المجموعة، وكان رايان قد قام من قبل هذا الفيلم بأدوار بارزة منها دوره " يوحنا المعمدان" في ملحمة "ملك الملوك"1961، ولم يفز بجائزة الأوسكار كسابقيه، وإن رشح لها بالفعل عن بعض أدواره . إلي جانب اختيار المخرج الممثل وودي سترود ليكون البطل الأخير ضمن المجموعة المقاتلة، وكان سترود معروفا بكونه مصارعا صلدا، حصل على العديد من البطولات قبل أن يتجه للتمثيل، ويقوم بدور عظيم في فيلم "سبارتاكوس" 1960 ، رُشح من أجله لجائزة جولدن جلوب . وفيما وقع اختار بروكس علي الممثل جاك بالانس الذي اشتهر بأنه شرير هوليوود المفضل، وكان قد لعب دور سيمون المجوسي في فيلم " الكأس الفضية " 1954، وفاز عام 1957 بجائزة إيمي عن دوره في مسلسل عن ملاكم قاربت حياته المهنية علي الانتهاء .
مواجهة صعبة
وقد وظف المخرج هذه المجموعة لتقوم بمهمة تبدو مستحيلة؛ لأنهم أربعة أبطال سيقومون بتخليص زوجة أحد الأثرياء _ كما فهموا منه - من أيدي عصابة مكسيكية مسلحة بأحدث الأسلحة، وعددها كبير، وستكون المواجهة في أرض هذه العصابة، فالمهمة التي سيقوم بها هؤلاء في نظير مبلغ مالي كبير فرصة نجاتهم منها ضئيلة جدا، على الرغم من تميز كل واحد منهم بمهارات خاصة، فهنري ( لي مارفن ) مميز - بوصفه ضابطا سابقا - في التكتيكات العسكرية الماهرة، ووضع الخطط المحكمة، فهو الذي سيقود المجموعة ويضع خطة اقتحام القلعة الحصينة التي تتحصن بها العصابة، وخطة العودة بالزوجة ماريا (كلوديا كاردينالي) إلى زوجها . وبيل (بيرت لانكستر)، عاشق النساء خبير في المتفجرات التي سوف تستخدم لتعويض فارق الرجال والسلاح . وهانز (روبرت رايان) هو راعي البقر الخبير في الخيول وكذلك القتال بخبرته السابقة . وجاك (وودي سترود) هو قناص أسود متمرس، ويقوم بدور الاستطلاع، وله مهارات هنود الأباتشي التقليدية لاسيما مع القوس والسهام، وكلهم تقريبا يعلمون طبيعة الأرض المكسيكية ويجيدون اللغة المكسيكية لمهاراتهم وخبرتهم السابقة أثناء الثورة المكسيكية الأولى .
وينطلق الأربعة في مهمتهم متحدين العصابة واللصوص والشمس الحارقة، ويتسللون إلى قلعة زعيم العصابة ويستخدمون كل الحيل والخطط مع المتفجرات والسهام المشتعلة التي تفجر ما أخفوه من متفجرات شديدة، ويستطيعون تخليص ماريا، وتكون رحلة العودة أكثر خطورة من رحلة الذهاب، وأخيرا يعرفون أن ماريا في الحقيقة عشيقة لزعيم العصابة تحبه حبا شديدا، وأنه لم يخطفها على غير الحقيقة وإنما كان يريد من خلالها أن يحصل على مبلغ فدية يستعين به في الثورة المكسيكية التي يقودها بشرف؛ لذا يترك الأربعة - بعد كشف ونصيحة بيل لهنري- له حبيبته ليعودا معا للمكسيك، ويضحي الأربعة بالمبلغ الذي كانوا سيحصلون عليه من زوجها الذي في حقيقة الأمر يعلم تمام العلم أن زعيم العصابة لم يخطفها .
ريتشاد بروكس
وينجح المخرج تماما في جعل كل شخصية من الشخصيات الأربع تعبر عن ذاتها وقناعتها في الحياة بحوار متوافق تماما معها، يكون فكاهيا أحيانا، ومثيرا للشفقة والعطف في أحيان أخرى ويتسم بالجدية طوال الوقت . وكانت كل شخصية لها الوقت الكافي على الشاشة لتعبر عما بداخلها، بحيث لم تطغ شخصية على أخرى، وكانت البطولة بحق جماعية مميزة . وقد كانت أجواء العمل مثيرة مشوقة خاصة في إحكام التفجيرات والمطاردات، والهروب والخيانة والاشتباكات المسلحة سيما في الصحراء الأمريكية المشوقة والشاقة في الوقت نفسه . وكانت الكاميرا في قمة البراعة والتحرك بإيجابية وسلاسة دون أن تلفت الأنظار إليها، وكأن المشاهد يرى الحياة مجسمة على الشاشة من خلال تلك الكاميرا. وبالطبع الحديث عن براعة لي مارفن في أداء دوره سيكون حديثا معادا مكررا، فقد سبق أن أشاد به النقاد في العالم كله، ومنهم من طالب بحصوله على جائزة الأوسكار أثناء عرض الفيلم، لكن ذلك لم يحدث، وكان سبب مطالبة النقاد بل والجمهور من لجنة الأوسكار منحها لـ «لي مارفن» هو قدرته على قيادة ذلك الفريق ببراعة كبيرة، بسبب شخصيته القوية، وكانت نظراته أكثر دلالة من كلماته في التعبير عن المواقف، وخاصة في موقفه الأخير من زوج ماريا الذي وصف مارفن بأنه الأسوأ واللقيط ، فلم يعترض مارفن عليه بكلمات محتدة، وإن ذكر له أن الأمر لا يستحق العناء، فقد خسر زوجته وهم فقدوا مالهم الذي كانوا سيحصلون عليه، فخرجت عبارات مارفن في منتهى الحكمة والعبقرية، وكان أداؤه وهو يقود المجموعة ويطلق النار خاصة من أحد المدافع مقنعا بقدرته على ذلك في الحقيقة . كما كان أداء لانكستر في منتهى التعبيرية عن الشخصية التي تتميز في الأساس بروح الدعابة والفكاهة، لكنها خبيرة في مجال المتفجرات، وفي اللحظة الحاسمة من أكثر الشخصيات شجاعة وجرأة ولا تهاب الموت، وتحمي المجموعة ولو كان في ذلك هلاكه . واستطاعت كلوديا كاردينالي أن تؤدي دورها وتعبر عن اعتزازها بعد ذلك في كل أحاديثها الصحفية، حيث كانت قدرتها التعبيرية من خلال تلوين كلماتها وحوارها باللون المكسيكي المميز للنساء عملا غير سهل أو بسيطا ، وكانت مقنعة تماماً في تضحيتها من أجل حبيبها وقضية بلدها .