عندما كانت دار الأوبرا .. مخزن جبنة شستر

17/10/2016 - 10:17:48

الكواكب

إن الانجليز الذين يتشدقون بتقديسهم للفن، ورعايتهم لحرمة دور الفن، دللوا علي كذبهم وافترائهم بما كانوا يفعلونه في الحرب العالمية الثانية عندما احتلوار دار الاوبرا ومسرح الازبكية لتسخير الدارين ومن فيهما لاغراض الترفيه عن جنودهم وجنود حلفائهم.
يروي الأستاذ شكري راغب مدير مسرح دار الأوبرا ذكريات عن تلك الفترة التي احتل فيها الانجليز تلك الدار لكي تعمل فيها الفرق التي كانوا يجلبونها إلي مصر للترفيه عن المحاربين..
إنه يقول إن السلطات البريطانية وضعت يدها علي مسارح القاهرة فبدأت بمسرح الأزبكية تقدم عليها مسرحيات من نوع «الريفيو»، ثم خصصت مسرح الأوبرا لنوع أرقي من النوع الأولي.
***
وكانت الفرق تبدأ عملها في دار الأوبرا أو مسرح الأزبكية، ثم تنتقل بعد ذلك إلي بني غازي والسلوم وبغداد والعراق والهند للترفيه عن جنود الحلفاء الموجودين فيها.
وكان جميع الممثلين والفنيين من أعضاء الفرق المسرحية التي يجلبونها إلي مصر، كانوا جميعاً يرتدون الملابس العسكرية، وعلي أكتافهم شارات تدل علي أنهم من المشتغلين في المسرح.
وكانوا يتناولون غذاءهم من التموين.. ولهذا خصصت غرف دار الأوبرا لتخزين علب الجبن والعيش الأبيض «الفينو» واللحوم الباردة، في الوقت الذي كان الشعب المصري يأكل فيه العيش الأسود ولا يجد الجبنة «الشستر» وأمثالها إلا في السوق السوداء.
* ولم تقتصر غرف دار الأوبرا علي تخزين الجبن واللحوم، بل كانت تري إلي جانبها طرود ملأي بالبن الأخضر استحضره الجنود معهم من البرازيل بقصد الاتجار فيه.
كما خصصت غرف أخري للحلوي، بخلاف الخمور والكماليات التي يهتم بها الجنود كل الاهتمام.. وكان الملك المطرود فاروق يحضر لمشاهدة الفرق التي كانت تعمل علي مسرح الأوبرا وكان يطلب بعض الطعام فيأتيه الجنود الانجليزي بسندويتشات من العيش الأبيض الممتاز، فيلتهما بنهم حتي يأتي علي آخرها.
***
وكانت معاملة السلطات البريطانية لموظفي دار الأوبرا، وعمالها معاملة شاذة.. وقد حدث أن ثار عمال الدار علي مدير المسرح الانجليزي - وهو صول في الجيش - عندما ضرب عامل الكهرباء بالمسرح وركله برجله، فوقف موظف الدار وعمالها جبهة واحدة ورفضوا العمل احتجاجاً علي الإهانة التي ألحقها ذلك الانجليزي بواحد منهم، وكان ذلك قبل بدء الحفلة بدقائق.
وتحرجت الحالة، فاستدعي الأستاذ شكري راغب لحل النزاع.. فطلب أولاً أن يعتذر ذلك الصول الانجليزي للعامل ويعترف له بالخطأ الذي ارتكبه نحوه.. وهنا تجلي الجبن الانجليزي المعهود إذ رضخ الصول وتقدم باعتذاره إلي العامل المصري .. ومنذ ذلك الحادث وكل من يعمل في دار الأوبرا من الانجليز يعمل ألف حساب لموظفي الدار وعمالها.
***
وهذا حادث آخر وقع للأستاذ شكري راغب مع ضابط بريطاني برتبة «ميجر» عهدوا إليه في إخراج المسرحية المشهورة «أسرة باريت شارع ويمبل».. وقد كانت هذه المسرحية من المسرحيات الدقيقة التي درسها شكري راغب وعاون في إخراجها.
وكان من المقرر أن يتولي شكري راغب هذا العمل بحكم وظيفته كمدير للمسرح ووسيط بين المخرج الانجليزي والعمال المصريين.
وقد رأي المخرج الانجليزي أن سلطته محدودة وأنه لا يملك حق اصدار الأمر إلي العمال.. وقد عز عليه أن تكون لشاب مصري سلطة أقوي من سلطته، فتحين الفرص لإبعاد شكري راغب في عمل آخر.
وكان أن أحضر وسيطاً يعرف العربية ليقوم بالترجمة، ثم جمع العمال حوله وراح يصدر إليهم أوامره.
ولكن العمال انصرفوا عن المخرج الانجليزي المتعجرف دون أن يجيبوه إلي مطالبه بعد أفهموا الوسيط أنهم لا يفهمون ما يقصده هذا المخرج، وقالوا أن لغة المسرح يجب أن يتولاها أناس يفهمونها، وأنهم لا يعترفون إلا بشكري راغب رئىساً لهم، فهو وحده الذي يفهمهم، وأنهم لا يقبلون وضعاً غير الوضع الذي تعودوه.
***
واضطر المخرج الانجليزي إلي استدعاء الأستاذ شكري راغب لكي يتولي المهمة التي أبعدها عنها.. وهنا فقط عاد العمال إلي مباشرة عملهم بعد أن انتصروا علي ذلك الانجليزي المتعجرف.
الكواكب - عدد 278 - 27 نوفمبر 1956