الدولة تخلت عن الاحتياطى الاستراتيجى.. وتوقعات بوصوله لـ١٠ جنيهات: الأرز فى قبضة مافيا التُجار «يا حكومة»!

13/10/2016 - 11:14:57

تحقيق: بسمة أبو العزم

بوادر أزمة جديدة بدأت ملامحها مع بداية موسم حصاد الأرز، فأحلام وزارة التموين التى روج لها الوزير السابق خالد حنفى بتوريد مليونى طن أرز شعير لخلق احتياطى استراتيجى منعا لتكرار مأساة احتكار التجار تحولت إلى سراب، فسعر التوريد المقرر لا يرضى الفلاحين الذين اتجهوا لتخزين الأرز بمنازلهم للاتجار فيه لحسابهم الخاص بعد أن استفادوا من درس العام الماضى، وكذلك رفع التجار السعر إلى ٣ آلاف و٤٠٠ جنيه لسحب البساط من الدولة تمهيدا لتعطيش الأسواق، فى حين لم تمارس وزارة التموين ولا مجلس الوزراء دورها في حماية سلعة تمس الأمن القومى للبلاد لصالح كبار المحتكرين.


خبراء أكدوا ضرورة تحرك الحكومة بأسرع ما يمكن، وذلك برفع سعر التوريد ووصوله إلى السعر العادل، وفقا لقواعد العرض والطلب ورفعه إلى ٣ آلاف و٥٠٠ جنيه لكسب الفلاحين إلى صفها, بدلا من الاتجاه نحو استيراد نصف مليون طن أرز هندى بعملة صعبة نحن فى أمس الحاجة إليها، مشيرين إلى أن الإبقاء على سعر توريد خالد حنفي «كارثة» وهُناك عجز في المقررات التموينية، وإذا لم نحصل على كمية مناسبة من الأرز فسنواجه أزمة طاحنة العام المقبل.


من جانبه، يقول عماد عبد الغنى «مدير مديرية التموين بمحافظة كفر الشيخ» إن معدلات التوريد ضعيفة للغاية، فداخل المحافظة خمسة مضارب ولم يصل إلينا سوى ٥٠٠ طن منذ فتح التوريد في منتصف أغسطس، فالتجار يعرضون أسعارا أعلى للفلاحين تبدأ من ألفين و٨٠٠ جنيه، ويتم توفير الأموال فور الشراء بعكس الحكومة التى تقدم الأموال بعد أسبوعين، كذلك يتوجهون للفلاحين بسياراتهم لنقل الأرز, والساحة لم تعد فى يد التجار فقط، بل ينافسهم الفلاحون أيضا، فنسبة كبيرة من الأرز مازالت فى دور الفلاحين داخل أجولة، فهم يعلمون أن أسعار الأرز ستتضاعف فهو سلعة نفسها طويل يمكن تخزينها.


«عبد الغني» أكد أنه تحفظ على سعر التوريد الذى أقره الوزير السابق خالد حنفى فلم تتم دراسته، وبالتالى يجب أن يتدارك الوزير الحالى محمد على مصيلحى هذه الكارثة، ويجب أن يجتمع بوكلاء الوزارة بالمحافظات لإيجاد حلول على أرض الواقع، وكان من المقرر أن يلتقي بنا منذ توليه الحقيبة الوزارية، وبالفعل طلب ملفا عن كل سلعة؛ لكن تصادف موعدنا مع اجتماع مجلس الوزراء وتأجل اجتماعنا حتى الآن، مطالبا وزارة الزراعة بتحديد حجم إنتاجية كل فلاح من الأرز، وبناء عليه تحديد نسبة توريد جبرى من كل مساحة مزروعة، لافتا إلى أن هذا النظام كان مُطبقا منذ عدة سنوات والهدف منه تأمين سلعة استراتيجية على البطاقات التموينية، وبالتالى حينما يتوافر الأرز والسكر بالتموين ينخفض سعرهما فى القطاع الخاص, مضيفا: للأسف حتى الآن هُناك عجز بالمقررات التموينية، وإذا لم نحصل على كمية مناسبة من الأرز الشعير فسنواجه أزمة طاحنة العام القادم.


وأكد إبراهيم الخياط وكيل وزارة التموين بالدقهلية أن التوريد الإجبارى كان مطبقاً بمُعدل طنين عن كل فدان، لكن بعد إلغاء التوريد الإجبارى، لا بديل عن رفع السعر للفلاحين فالكميات الموردة إلينا ٨٠٠ طن فقط، مضيفا: أن المؤشر الوحيد المطمئن هو وقف باب التصدير، وبالتالى كافة الكميات المزروعة من الأرز موجودة سواء بمنازل الفلاحين أو لدى التجار فى مخازنهم، والجميع مضطرون لإخراج ما لديهم للحصول على سيولة، وبالتالى لن تتكرر أزمة العام الماضى, كما أن هناك احتياجات وزارة التموين ملتزمة بها وعليها تدبيرها سواء من المضارب أو القطاع الخاص أو الاستيراد.


أما إبراهيم سيد أحمد وكيل وزارة التموين بالغربية فأشار إلى أن التوريد ضعيف لأنه اختيارى وليس إلزامياً, وبالرغم من كون نظام توريد القمح اختياريا أيضاً؛ إلا أن الفلاحين يتهافتون على التوريد للحكومة بسبب السعر التحفيزى له، مضيفا: أن الكميات التى تم توريدها لم تتجاوز ١٠٠ طن، وهى نسبة ضئيلة لأن الحصاد بدأ متأخرا لدينا بالمحافظة.


وعن محافظة البحيرة، أكد صبرى السعيد وكيل وزارة التموين، أننا من أكبر المحافظات فى زراعة الأرز فلدينا تسعة مضارب جاهزة لاستلام المحصول الجديد, واتبعنا تعليمات الوزارة وبالفعل أعلنا عن أماكن التوريد وكل الشروط للتيسير على الفلاحين، وبالرغم من ذلك لم يورد إلينا سوى ٣ آلاف طن، وبناء على هذه المعدلات قمت بإرسال تنبيه إلى المسئولين بوزارة التموين، بأن التوريد ضعيف لاتخاذ قرارات من شأنها تحقيق المستهدف لتوريد مليونى طن أرز شعير.


من جهته، عبر الدكتور نادر نور الدين الأستاذ بزراعة القاهرة، ومستشار وزير التموين الأسبق، عن استيائه الحاد من سعر التوريد الذى حدده وزير التموين السابق، واعتبر الهدف منه «تكتيف» الفلاح للتاجر، خاصة أن الوزارة كانت تشتريه من التجار وقتها بسعر خمسة آلاف جنيه، وخروج الدولة تماما من منظومة استلام الأرز المصرى الفاخر الذى يفضله المصريون عن أى نوع فى العالم, فالسعر العادل يتراوح بين ٣ آلاف و١٠٠ جنيه إلى ٣ آلاف و٤٠٠ جنيه, لكن للأسف الدولة سعرت الأرز رفيع الحبة بسعر ألفين و٣٠٠ جنيه، أما عريض الحبة بسعر ألفين و٤٠٠ جنيه، وهذه الأسعار غير مجزية للفلاح، وبالتالى تدخل التجار برفع الأسعار عن الحكومة لسحب كميات كبيرة من الفلاحين وتخزينها لحين رفع أسعارها فيما بعد, وبالفعل بدأ التجار بوضع سعر ألفين و٨٠٠ جنيه لمنافسة الحكومة، لكن الفلاحين امتنعوا عن البيع لتوقع حصولهم على مزيد من الارتفاع، وبالفعل اضطر التجار لرفع الأسعار ليتراوح سعر طن الشعير ما بين ٣ آلاف و١٠٠ جنيه إلى ٣ آلاف و٤٠٠ جنيه.


وأضاف «نور الدين» تحدثت مع وزير التموين السابق حينما أعلن عن الاستعداد لتوريد مليونى طن أرز شعير، وأكدت له أن الوزارة لن تستلم أكثر من ربع مليون طن بهذا السعر, فالدولة التى تتماشى مع سعر السوق وشعارها أننا فى زمن اللاتسعير ليس لديها مرونة لمنافسة التجار، فلماذا الحكومة مُصممة على استمرار العمل بسعر خالد حنفى والخروج من دائرة المنافسة؟, موضحا أنه إذا تراجعت عن السعر الحالى ووضعت السعر العادل سيستفيد الفلاح من فارق السعر ويحمل الجميل للحكومة, والأهم من ذلك أنه بعد تبييض الأرز سيتراوح سعر الكيلو بين ٤,٢٥ جنيه وبين ٤,٥٠ جنيه، وحينما تطرحه بالمجمعات بسعر خمسة جنيهات تصبح الدولة الكاسب ومعها المستهلك بدلا من استيراد الأرز, وبالفعل تم الإعلان عن مناقصة أرز هندى بنحو نصف مليون طن، وللأسف الشعب المصرى يرفض استلامه على بطاقة التموين ويسميه الأرز البلاستيك لأنه «يمضغ» ويصعب بلعه، ثانيا الجزء المتبقى منه غير قابل للتسخين لأنه يتحجر, وبالتالى، فمحدودو الدخل الذين يشترون الأرز من المجمعات على البطاقات التموينية سيتهمون الحكومة بأنها تقدم لهم أردأ أنواع الأرز، فى حين تركت الأرز المصرى المميز فى يد التجار يتحكمون به ويحصلون عليه من الفلاح بسعر ثلاثة جنيهات ونصف الجنيه لبيعه بعشرة فيما بعد فى حين تضطر الدولة للاستيراد، وكأن دولاراتها كثيرة، فهى تبحث عن غضب الغلابة.


وتابع بقوله: جس التجار وزير التموين الحالى فى أزمة قمح «الأرجوت» وحينما وجدوه سلم سريعا, قرروا خطفه بالأرز والسكر, فهُناك خطأ كبير على الدولة بتركها السكر والأرز للتجار وتتجه هى نحو الاستيراد, فالعاملون بوزارة التموين يؤكدون أن محمد مصيلحى من أطيب الوزراء الذين تولوا المنصب، وللأسف التجار لا يتماشى معهم سوى شخص شرس, فجميع الوزراء الناجحين فى إدارة وزارة التموين كانوا خريجى زراعة أمثال أحمد جويلى وحسن خضر.


«بنبرة تشاؤمية» أكد «نور الدين» أن الغلاء قادم وسيعاود الأرز للارتفاع ليصل سعر الكيلو إلى عشرة جنيهات مرة أخرى, فالسعر الذى وضعه خالد حنفى لصالح الغرف التجارية بموجبه لن يبيع الفلاحون للدولة بسعر ألفين و٤٠٠ جنيه حتى لو اضطروا لتقديمه للمواشى, الفلاح ذكى فهو على علم بأن الأسعار سترتفع، لذا نسبة كبيرة تقوم بتخزين الأرز الشعير بمنازلها, ولهذا السبب يتحايل التجار على الفلاحين بتخفيض أسعار الأرز فى المحلات ووصوله إلى سبعة جنيهات، فحينما يشترون من الفلاح يؤكدون له أن السعر منخفض؛ لكن الفلاح يعلم جيدا أنهم يخفضون الأسعار للتخلص من المخزون القديم لديهم حتى لا «يسوس» لكن بمجرد انتهاء مخزون العام الماضى ويطمئنون على تخزينهم لكميات مناسبة سيرفعون سعره من جديد إلى عشرة جنيهات، وللأسف الدولة مغيبة ولا تقرأ أفكار التجار، وتركت الأسواق لهم.


«نور الدين» طالب الدولة بالمزيد من المرونة ورفع سعر التوريد وتجهيز سيارات للاستلام من مخازن الفلاحين وأراضيهم فإنتاجنا من الأرز يغطى استهلاكنا ويزيد، وبالتالى فنحن لسنا بحاجة لاستيراد الأرز فتتم زراعة ٦ ملايين طن أرز شعير وبعد ضربها يصبح لدينا نحو ٤ ملايين طن أرز أبيض, فى حين يشكل استهلاكنا ٣,٥ ملايين طن، وبالتالى هناك فائض نحو نصف مليون طن يمكن تصديرها, وإذا كنا حاليا فى بداية موسم الحصاد ولدينا أزمة وغير قادرين على تجميع مليونى طن شعير، فما بالك بالوضع بعد مرور ثلاثة أشهر، فعلى الدولة سرعة تدارك الموقف قبل فوات الأوان.


في نفس السياق، أكد الدكتور جودة عبد الخالق وزير التموين الأسبق، أن الحكومة تتخذ قرارات بلا دراسة فنحن فى سوق يحكمه العرض والطلب, فقبل تحديد سعر التوريد كان يجب معرفة المساحات المزروعة فهى ليست سرا حربيا, وسبق أن كانت لى تجربة فى توريد الأرز الشعير, فكان المستهدف توريد مليون طن، لكننا لم نحصل إلا على ٩٧ ألف طن، وبالتالى كان يجب دراسة تلك التجربة لتلافى أى عقبات واجهتها، وخاصة أن هناك متواطئين مع التجار ويشترونه لمنع توريد الفلاحين للدولة, والنسبة التى حصلت عليها نجحت جعلتى من أكبر المتعاملين فى السوق خاصة أن كل تاجر لا يحتكر أكثر من ٣٠ ألف طن، وإضافة إلى ذلك عملت نظاما للمناقصات كل ثلاثة أشهر بدلا من كل شهر، ونتج عن ذلك انخفاض سعر الأرز بمناقصة يوليو عن السابقة لها, فيجب أن يكون هناك متابعة ميدانية لتوريد الفلاحين للأرز والابتعاد عن القرارات الفوقية بدون دراسة.


مضيفا: هناك احتقان فى السوق ونحن فى بداية الموسم؛ لكن هُناك مؤشرات غير مريحة, وبالتالى يجب إطلاع مؤسسات الدولة على الموقف بما فى ذلك الأمن الوطنى، فالأرز ليس لبا للتسلية؛ بل هو سلعة أمن قومى، وهناك أصابع كبرى من كبار المحتكرين تتلاعب فى تلك السلعة الاستراتيجية, وفى نفس الوقت يقوم الفلاحون بالتخزين والبيع بأعلى سعر، فالأرز أصبح بديلا للقطن وهو محصول نقدى ويجب سرعة تحريك السعر حتى لو وصل سعر الطن إلى ٣ آلاف و٥٠٠ جنيه، فهو أفضل بكثير من الانتظار حتى يصل سعر الكيلو إلى عشرة جنيهات, والبحث عن دولارات لاستيراد الأرز الهندى, فلابد من وجود قدر من المرونة حتى لا ينفلت الزمام من يد الحكومة، فلا بديل عن التراجع فى قرار السعر فى ظل معطيات السوق.


وطالب «عبد الخالق» الجهات الرقابية وعلى رأسها مباحث التموين بسرعة ضبط المتلاعبين بالأسواق، فأزمة الأرز سببها الأساسى عمليات تعطيش متعمدة.


على صعيد آخر، أكد رجب شحاتة رئيس شعبة الأرز باتحاد الصناعات، أن الأرز لن يرتفع سعره هذا العام، فكل من لديه أرز سيضطر لإخراجه وبيعه، فالأرز «كتير» فلدينا إنتاج يكفى عاما ونصف العام، لكن للأسف الشعب غير مؤهل لثقافة المقاطعة, كما أنه حينما أعلنت الحكومة سعر للتوريد أصبح مضمونا لدى الفلاح, وإذا لم تكن الحكومة قد أعلنت عن السعر الحالى لوصل سعر طن الأرز الشعير إلى ألفي جنيه, مضيفا: بالرغم من ذلك لا داعى للقلق فالأرز كمياته كبيرة كذلك رئيس الوزراء أعلن عن استيراد ٥٠٠ ألف طن أرز أبيض ليتم توريدها على دفعات, وهناك نحو ٣٥ ألف طن هندى أبيض وصلت إلى هيئة السلع التموينية ليتم طرحها بالمجمعات لمحاربة المحتكرين ومخزنى الأرز.


وتابع بقوله: الفلاح حر يستعمل حقه، والدولة أيضا حرة، فلن يتم فتح باب تصدير الأرز، ويجب نسيان هذا الحلم، وبالتالى من يقوم بالتخزين ليس له منفذ سوى السوق المحلى، وعلى الدولة إحكام قبضتها على عمليات التهريب.


«شحاتة» أكد أنه من الصعب على وزارة التموين استلام مليونى طن شعير فلا توجد سعات تخزينية كافية، كما أن الأرز له أماكن محددة لتخزينه ولا يمكن وضعه بصوامع، بعكس القمح ممتد على مستوى محافظات الجمهورية، فكيف تستلم وزارة التموين مليونى طن فى شهرين, كما أن مضارب الأرز التابعة لقطاع الأعمال لا تضرب أكثر من مليونى طن على مدار العام. ولفت إلى أن الدولة إذا تركت الأرز ولم تتدخل فيه لأصبح الأرز مثل أى سلعة, وهذا ما تفعله الدول المحترمة, فلا أدرى لماذا تريد الدولة التدخل فى كافة السلع؟، والمشكلة أن هُناك محاولات لشيطنة التجار والمصنعين، فلماذا نريد ثبات سعر الأرز فى حين تحركت أسعار كافة السلع نحو الصعود, فيجب وضع السعر العادل وهو خمسة جنيهات للكيلو.