تقارير المؤسسات المالية أنعشت السوق السوداء الدولار.. الفائز فى معركة «التعويم»

13/10/2016 - 11:07:15

تقرير : أميرة جاد

خلال الأسبوع الأول من أكتوبر الجارى، تداولت وسائل الإعلام مذكرة اقتصادية منسوب لبنك الاستثمار «بلتون» تحدث فيها البنك عن اتجاه البنك المركزى المصرى إلى تخفيض للجنيه إلى ما يتراوح بين ١١.٥ و١٢.٥ للدولار وهو ما يمثل ٣٠ إلى ٤٠٪ من قيمته الحالية بالسعر الرسمى، الذى يبلغ ٨.٨٨ جنيه.


ورغم عدم تحقق ما سبق وأكدت عليه المذكرة ذاتها، إذ ثبت البنك المركزى فى آخر عطاءاته الأسبوع الماضى سعر الجنيه، إلا أنها كانت سببا رئيسيا فى إحداث حالة من البلبلة داخل السوق المصرى، حيث اشتعلت المضاربات وتجاوز سعر الدولار فى السوق الموازية ١٣.٧٥ جنيه، وهو أمر أرجعته بعض الأصوات إلى «مذكرة بلتون»، ومجموعة تقارير أخرى صدرت من بنوك استثمار ومؤسسات مالية تحدثت عن موعد وسعر لـ»تعويم الجنيه».


المفارقة هنا أن حالة الارتباك التى شهدتها «سوق العملة»، قابلتها قيادات البنك المركزى بالتجاهل التام، والأمر ذاته التزمت به هيئة الرقابة المالية التى لم تتحرك لمساءلة بنوك الاستثمار، التى تحدثت عن «موعد التعويم»، والتى لعبت تقاريرها دورا كبير فى الحالة التى أصبح عليها السوق خلال الأيام القليلة الماضية.


«وقفة جادة».. أمر كافة المعطيات الحالية تشير إلى أن سوق العملة أصبح فى أمس الحاجة إليه، وذلك للوقوف على حقيقة الوضع القائم، إلى جانب إيجاد إجابة حقيقية للأسئلة التى بدأت تدور فى الأفق، وتحديدا فيما يتعلق بتعاطى البنك المركزى مع الأمر، والتزامه الصمت تجاه الأمر.


وتعقيبا على هذا الأمر قالت د. سلوى العنتري، الرئيس السابق لقطاع البحوث بالبنك الأهلى: الأمور فى سوق العملة تحديدا تنقصها كثيرا من الشفافية والمساءلة، وهما العنصران الغائبان بصورة واضحة فيما يتعلق بأزمة الدولار، وعلينا أن ندرك هنا أن التقرير الذى أصدره «بلتون» لا يعتبر الأول من نوعه، فـ»بلتون» عمد فى الآونة الأخيرة إلى إصدار تقارير مماثلة يؤكد فيها اتجاه الحكومة المصرية إلى «تعويم الجنيه»، ليس هذا فحسب لكنه كان يحدد سعر التخفيض، فقد سبق وأن أصدر فى أغسطس الماضى، تقريرا قال فيه: «نتوقع خفض سعر الجنيه المصري، إلى مستوى بين ١١ و١٢ جنيهًا لكل دولار أمريكى».


«تقارير مغرضة».. وصف أطلقته «سلوى» على تقارير «بلتون»، وأكملت قائلة: علينا أن ندرك أن هذه النوعية من التقارير تمثل ضغطا على سعر الصرف، كما أنها ساهمت بشكل كبير فى إلحاق أضرار بالاقتصاد إذ إنها كانت سببا فى ارتفاع سعر الدولار فى السوق السوداء، حيث وصل إلى ١٤ جنيها، وهذا السعر لم ينخفض حتى بعد عطاء البنك المركزى الأخير، والذى ثبت فيه قيمة العملة المحلية، وما يقدمه «بلتون» من تقارير، وبقية المؤسسات المالية المعنية بالبحوث الاقتصادية أرى أنه لا بد أن يخضع لرقابة صارمة من قبل الهيئات المسؤولة عنها، والمتمثلة هنا فى هيئة الرقابة المالية، لأن هذه النوعية من الدراسات والتقارير تمنع الموارد الدولارية من الدخول إلى القنوات الشرعية – البنوك – وتلعب دورا فى تحويلها للقنوات غير الشرعية وتخلق طلبا مفتعلا عليها.


الرئيس السابق لقطاع البحوث بالبنك الأهلى، واصلت حديثها قائلة: بنوك الاستثمار عادة ما تمثل جهات ومؤسسات تنوب عنها فى صفقات الاستحواذ ومن مصلحتها خفض قيمة العملة المحلية حتى يتم الحصول على الأصول المصرية بأبخس الأثمان، وهو ما يعد بمثابة طعنات متعمدة توجه إلى جسد الاقتصاد المصرى، إلى جانب أنها تعمل على خلق ووجود أزمات متكررة ومستمرة.


د. «سلوى» ألمحت فى سياق حديثها إلى أن أزمة الدولار مرتبطة بشكل أساسى بقرض ومفاوضات صندوق النقد، وأكملت قائلة: انعدام الشفافية الحكومية فيما يتعلق بالمرحلة التى وصلت لها المفاوضات وميعاد التفاوض والتصديق النهائى على القرض وتفاصيل الشروط بجدولها الزمنى فتح باب للتكهنات والتقارير المشابهة للتقارير، التى يصدرها بلتون وغيره، فقد أصدرت مؤسستى «فاروس « وبنك الاستثمار الإمارتى «أرقام كابيتال» تقارير الأسبوع الماضى توقعوا فيه خفض البنك المركزى قيمة الجنيه، عقب اجتماعات الخريف بين الصندوق والبنك الدوليين، وتوقعوا وصول الدولار إلى مستوى ١١.٧٥ جنيه بعد قرار الخفض.


وفيما يخص «قرض النقد الدولى»، قالت: الخطوة التالية فى قرض صندوق النقد أن يتم عرضه على مجلس المديرين التنفيذيين فى صندوق النقد لإصدار الموافقة النهائية، ولا يخفى على أحد أن اجتماعات الخريف لصندوق النقد حضرها وزير المالية ومحافظ البنك المركزى، وبالتأكيد تم التطرق لقضية القرض، لكن لا أحد يتعامل بشفافية.


من جانبه قال محمد رضا، عضو الجمعية المصرية لتداول الأوراق المالية: جميع العاملين فى سوق المال والاقتصاد يعلمون جيدا أن خطوة التعويم قادمة لا محالة، لكن توصيات صندوق النقد شددت على ضرورة اتخاذ إجراءات موازية للتعويم من أجل تخفيف تبعاته على الطبقات الفقيرة ومتوسطى الدخل وهو ما يستدعى التعويم التدريجى، لكن والعبث الحقيقى فى مشهد الدولار بالسوق أن تخرج تقارير بحثية من مؤسسات مالية يوم إجازة وقبل عطاء البنك المركزى بساعات تؤكد أن التعويم خلال ساعات وهو ما خلق طلبا مفتعلا على الدولار أشعل السوق السوداء، وهذا كله رغم يقين تلك المؤسسات أن التعويم سيتم بشكل تدريجي.


عضو الجمعية المصرية لتداول الأوراق المالية، أوضح أيضا أن «الحكومة لا تستطيع تعويم الجنيه إلا بعد إغلاق كل المراكز المالية المفتوحة فى البنوك بالدولار وتلبية كافة الاحتياجات الدولارية فى السوق، ولذا فإن إعلان «بلتون» أن التعويم سيتم من خلال ساعات، يضعنا أمام خيارين الأول إما أنه تسرع من قبل إدارة البحوث أو تعمد لإشعال السوق لأغراض معينة، وفى كل الأحوال لابد أن يتم فتح تحقيق من قبل هيئة الرقابة المالية فيما فعله «بلتون» فى السوق السوداء للعملة الأجنبية.


«رضا» أشار إلى أن هيئة الرقابة المالية سنت ضوابط مؤخرا تُلزم كافة الشركات وبنوك الاستثمار بإرسال نسخة من تقاريرها وأبحاثها إلى الهيئة فى نفس توقيت الإرسال للعملاء، وهذا أحد ضوابط الإفصاح، ولا أحد يعلم إذا كان «بلتون» يلتزم بهذه القواعد أم لا، وهو وضع يحتم على هيئة الرقابة المالية الإعلان عنه لأنها المسئول الأول عن محاسبة والتحقيق معه - حسب قوله.


وفيما يتعلق بالمحاسبة الجنائية لكل من يتسبب فى إلحاق أضرار بالاقتصاد، وتحديدا فى ظل الظروف الحرجة، التى تعانى منها مصر فى الآونة الحالية، قال، عضو الجمعية المصرية لتداول الأوراق المالية: فى قضية الدولار تحديدا المتضرر الأساسى هو البنك المركزى، لذا أرى أنه أصبح واجبا عليه التقدم ببلاغ للنيابة ضد كل من يراهم أضروا بالسياسات النقدية للمحاكمة من مؤسسات أو أفراد أو بنوك استثمار أو حتى شركات، والمحاسبة الجنائية فى قضية العملة ستكون أسهل بكثير من تحقيقات سوق المال، إذ إن قانو سوق المال لا يُجرم التقارير، لكنه يفتح تحقيقات فقط.


وحول المصلحة المباشرة، التى يمكن أن يكون «بلتون» يهدف إليها من وراء إشعال السوق السوداء للدولار قال «رضا»: إذا تعاملنا مع الأمر كون أن التقرير صادر عن عمد فربما يكون هدفه تصفية حسابات بين رجل الأعمال نجيب ساويرس، الذى يمتلك النسبة الحاكمة فى «بلتون» والحكومة، التى يرى «ساويرس» أنها عطلت له إتمام صفقة الاستحواذ على «سى اى كابتال»، وكذلك الإيقاف المتكرر للتداول الحر على سهم «بلتون» فى البورصة ووصلت المسألة للقضاء، حيث حرك «بلتون» دعوى ضد محمد عمران رئيس البورصة بصفته لإيقافه المتكرر للتداول الحر على السهم بشكل غير مبرر من وجهة نظرهم.


على الجانب الآخر استبعد مصدر مسؤول فى هيئة الرقابة المالية احتمالية أن يكون التقرير الصادر عن «بلتون» يهدف إلى تصفية حسابات بين «ساويرس» والحكومة، مؤكدا - فى الوقت ذاته- أنه هناك ثلاثة تقارير من بنوك استثمار خرجت فى نفس التوقيت وهى «فاروس» وبنك الاستثمار الإمارتى، كما أن مؤسسات مالية خارجية مثل بلومبرج سبق وأن توقعت خطوة التعويم قبل الجميع، موضحا أن الأمر لا يتعدى كونه قراءة للأحداث التى من الوارد أن تصيب أو تخطئ.


وحول مستقبل الدولار وحلول الأزمة التى لم تعلن الحكومة بعد خطتها فى مواجهة تبعات عملية «التعويم» حال حدوثها قال د. هشام إبراهيم، الخبير المصرفى: أزمة الدولار لها أصل ولها توابع، ولأن الحكومة تأخرت كثيرا فى معالجة الأصل تفاقمت التوابع، التى تتمثل فى المضاربة والمتاجرة، وأصبحت قضية الدولار تتجاوز حدود الأفراد وامتدت إلى المؤسسات إذ بدأت بعض الشركات والمؤسسات فى إرجاء مشروعاتهم الاستثمارية وتخزين الدولار للمتاجرة به أو توفيره لما بعد «التعويم» المزعوم لتحقيق أرباح كبيرة والحفاظ على عدم تآكل رأس المال.


د.»هشام»، أوضح أيضا أن «قضية التعويم ليست فى توحيد السعر الرسمى وغير الرسمي، ولكنه خلق سعر عادل للجنيه لأنه إذا تم توحيد السعر الرسمى وغير الرسمى من الوارد جدا -و هذا حدث أكثر من مرة - أن يرتفع سعر السوق السوداء مجددا ونضطر لتخفيض جديد.. وهكذا.


الخبير المصرفى، كشف أيضا - فى سياق حديثه- أن الطلب على النقد الأجنبى فى مصر يبلغ ٩٠ مليار دولار سنويا ٦٠ دولارا للاستيراد الرسمى و١٠ للسفر والرحلات و٢٠ مليار دولار للتهريب فى حين أن موارد النقد الأجنبى تتراوح بين ٥٠ – ٦٠ مليارا فقط، والفرق كان يتم تجميعه بالمساعدات والقروض التى توقفت فى الوقت الحالى،موضحا أن الحكومة مطالبة قبل اتخاذ قرار التعويم أن تعمل على تأمين موارد جديدة للنقد الأجنبى تلبى الفجوة بين المطلوب والمعروض وتقلل المطلوب من خلال تقليل الاستيراد وهو ما لا يحدث – وفقا – لـ»إبراهيم» الذى أكد أن الحكومة تغفل الخطوات الاستباقية لقرار التعويم، الذى هو فى الأساس اختصاص البنك المركزى وتركز فى تصريحات لا تعنيها تشعل بها السوق، وهو ما حدث مثلا مع وزير الصناعة والتجارة الخارجية المهندس طارق قابيل، خلال مؤتمر اليورومنى الأخير، والذى أكد فيه أن التعويم قادم لا محالة، وهو ما أثر بالسلب على السوق الرسمية، وأنعش السوق غير الرسمية.


د. هشام إبراهيم أنهى حديثه بقوله: المشهد الحالى للدولار حاليا يمكن وصفه بـ»العبثى»، حيث يتم تجاهل المؤسسات المالية والمضاربية، التى تشعل السوق السوداء، وفى المقابل يقوم بعض أعضاء الحكومة بالإفصاح عن نية التعويم، فيما يقف البنك المركزى