تعويم الجنيه وسعر الدولار... وهموم اقتصادية أخرى

13/10/2016 - 11:04:57

بقلم: د. حسين عيسى

تنهال الدراسات والتعليقات والمداخلات والتحليلات المختلفة على رؤوسنا صباحًا ومساءً على جميع وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعى بشان ما وصل إليه سعر الدولار وقضية تعويم الجنيه وأثر ذلك على مستوى معيشة الفئات محدودة الدخل وعلى مستوى الاقتصاد ككل، ومع شديد احترامى لكل هذه الدراسات والتعليقات فإن هناك العديد من الأفكار والحقائق الأساسية تاهت بفعل فاعل فى خضم كل ما نراه ولابد من إعادة طرح وعرض هذه الأفكار والحقائق حتى تساهم فى إيضاح الأمور للقارئ العزيز.


الدولار مثل أى سلعة فى الأسواق تخضع لعوامل ومتطلبات ومتغيرات العرض والطلب وطبيعى وبعيدًا عن المضاربات.. عندما ينخفض العرض ويزيد الطلب أن يرتفع سعره فى سوق الصرف والمقصود هنا هو سعر الصرف أمام الجنيه المصرى.


عبر التاريخ الاقتصادى لمصر منذ عام ١٩٧٣ تأرجحت السياسات الاقتصادية تجاه سعر صرف الدولار ما بين ممارسة أساليب حكمية مدارة من قبل البنك المركزى وما بين ترك عوامل العرض والطلب تتفاعل بشكل طبيعى لتحديد سعر الصرف وأحيانًا كنا نجد أن هناك سعرا حكميا إداريا للدولار يقابله سعر آخر مختلف تمامًا فى السوق الموازية، وذلك بسبب مشاكل حكومية فى إدارة هذا الموضوع الشائك ومشاكل أخرى تخص متغيرات العرض والطلب.


بعد ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ وكذلك ثورة ٣٠ يونيه ٢٠١٣ تعرض الاقتصاد المصرى لهزات عنيفة وعوامل عدم استقرار بالغة أدت إلى تراجع معدلات الإنتاج والصادرات ونقص تحويلات المصريين العاملين بالخارج وتناقص عائدات السياحة وعدم استقرار أسواق الملاحة العالمية، مما أثر على إيرادات قناة السويس مع ارتفاع سقف التوقعات من الشعب المصرى، الذى عانى طويلًا وأصبح يتلهف الاستفادة من ثمار الثورتين وكثر الحديث عن الحقوق فى ظل النسيان الدائم للواجبات.. كل ذلك أدى إلى زيادة عجز الموازنة العامة للدولة وزيادة حجم الدين العام وتكلفة خدمة الدين، وكذلك زيادة معدلات التضخم وانخفاض المعروض من الدولار مع استمرار زيادة الطلب عليه لتغطية فاتورة الواردات المتزايدة عامًا بعد آخر.


ظل سعر صرف الدولار شبه ثابت لفترة طويلة، وكان يدعم ذلك وجود احتياطى نقدى قوى من الدولار لدى البنك المركزى مع وجود تدفقات نقدية دولارية متزايدة من خلال السياحة والصادرات وتحويلات المصريين العاملين بالخارج وإيرادات قناة السويس، وكان ذلك خلال الفترة من ٢٠٠١ حتى ٢٠١١... ومع العوامل السابق ذكرها بدأ سعر الصرف فى السوق الموازية فى التحرك ليعكس قوى العرض والطلب، وكذلك كنتيجة للمضاربات السوداء المشبوهة من أنصار جماعات الإخوان الإرهابية السوداء، مما أدى إلى قيام البنك المركزى بتخفيض قيمة الجنيه المصرى أكثر من مرة ليصل إلى ٨.٨ جنيه للدولار فى ظل أسعار سوق موازية ما بين ١٣.٥ إلى ١٤ جنيها للدولار.


وجود سعرين لسلعة واحدة يؤدى إلى اختلالات اقتصادية هيكلية كبيرة ويفتح الباب أمام المضاربات وتخزين الدولار للاستفادة بفروق الاسعار.. لذلك كثر الحديث عن قضية تعويم الجنيه بمعنى ربط سعر الصرف بمتغيرات العرض والطلب ربطًا كاملًا مع عدم وجود أى تدخل إدارى من قبل البنك المركزى بحيث نجد سعرًا واحدًا للدولار يعكس قوى السوق الحقيقية... وهذا التعويم قد يكون شاملًا بمعنى أن تتخذ القرارات ونضع الآليات والسياسات لخلق سعر واحد للدولار أو تعويم جزئى بمعنى المراجعة الدورية (وليكن ٣ شهور) لسعر الدولار وتعديل سعر الصرف كل فترة ليعكس قوى العرض والطلب ومتغيرات السوق.


أنصار سياسة تعويم الجنيه يستندون إلى مزايا وجود سعر واحد للدولار والزيادة المتوقعة للحصيلة الدولارية واستقرار الأسواق وتشجيع الاستثمار العربى والأجنبى ومناهضى هذه السياسة يرون أنها تفتح الباب أمام ارتفاع معدلات التضخم وارتفاع قيمة فاتورة الواردات وارتفاع سعر الدولار بشكل يصعب التحكم فيه خصوصًا فى ظل وجود شركات صرافة مشبوهة مخالفة للقانون وعدم أحكام الرقابة عليها.


فى إطار الأفكار والحقائق السابق أرى أن مصر فى حاجة إلى تعويم جزئى للجنيه بحيث تتم المراجعة الدورية لأسعار الصرف كل فترة بحيث يعكس هذا السعر ظروف السوق وقوى العرض والطلب خلال تلك الفترة مع اتخاذ سياسات وآليات وأساليب واضحة لزيادة المعروض من الدولار وغيره من العملات الحرة، وكذلك خفض معدلات الطلب عليه.. مرة أخرى أكرر أن القضية ليست أزمة دولار أوسعر صرف الدولار أو تعويم الجنيه المصرى بقدر ما هو المطلوب عمله من أجل زيادة المعروض من الدولار وخفض الطلب عليه، وهنا أطرح أمام القارئ العزيز الاقتراحات التالية:


دعم وتشجيع السياحة على اختلاف أنواعها ولعله من حسن الطالع أن بوادر انتعاش قطاع السياحة قد بدأت بالفعل... مطلوب مراجعة شاملة لهذا القطاع الهام والمساهمة الجادة فى حل مشاكل شركات السياحة مع الاهتمام بالأنواع غير التقليدية من السياحة مثل السياحة الطبية العلاجية والسياحة التعليمية (الطلاب الوافدين) والسياحة الدينية والسياحة الثقافية وسياحة الاستكشاف... هذا بجانب السياحة الترفيهية بطبيعة الحال وعلينا أن نقتنع بأن السياحة صناعة متكاملة تقوم على كفاءة وفاعلية إدارة جميع أنواع الخدمات المرتبطة بها.


حققت الصناعة المصرية تقدمًا ملحوظًا فى السنوات الأخيرة ولابد من رسم خريطة شاملة لأسواق العالم وتحديد المزايا التنافسية للمنتجات المصرية حتى نستطيع تصدير أكبر كمية ممكنة من السلع والخدمات مع دراسة إمكانية قيام المصدرين باحتجاز نسبة من حصيلة الصادرات لتمويل احتياجاتهم من المواد الخام وتوريد نسبة أخرى من الحصيلة إلى البنك المركزى بالسعر المعلن مع التفاوض على كيفية تحديد هذا السعر، وبالتالى يتم تخفيض الضغط على موارد الدولة من الدولار مع زيادة الحصيلة الدولارية من ناحية أخرى.


الحديث يطول على دعم وتشجيع الاستثمارات المباشرة العربية والاجنبية ولابد من إعداد قانون جديد مبسط للاستثمار ولائحة تنفيذية واضحة تتيح التغلب على مشاكل ومعوقات الاستثمار العربى والأجنبى، مما يؤدى إلى زيادة التدفقات من العملات الحرة وتشغيل العمالة وزيادة الإنتاج والصادرات وزيادة الحصيلة الضريبية مع وضع ضوابط وآليات واضحة لعلاج مشكلة تحويل الأرباح للخارج.


هناك ما يقرب من ٩ مليون مصرى يعمل بالخارج، وكانت تحويلات هؤلاء المصريين ومازالت تشكل مصدرًا هامة للعملات الحرة... ونظرًا للظروف الاقتصادية المعاكسة التى مر بها الاقتصاد المصرى ومع وجود شركات صرافة تابعة للجماعات الإرهابية السوداء فقد أثر كل ذلك على حجم هذه التحويلات وانتظام تدفقها عبر القنوات الرسمية... وهنا لا يمكن أن نغفل النقص الحاد فى الوعى الوطنى لدى بعض هؤلاء المصريين العاملين فى الخارج الذى يفضل أن يحول مدخراته بأسعار غير حقيقية للدولار وهو يعلم أن هذه الدولارات سوف توجه لضرب الاقتصاد المصرى ونشر الإرهاب فى مصر ورفع مستوى التضخم الذى سوف يصيب الجميع.. هنا أقترح قيام البنوك المصرية الكبرى بإنشاء شركات صرافة مملوكة لها تقوم على جذب هذه التحويلات والتعامل المباشر مع مصادر هذه التحويلات والدخول فى معترك المنافسة الشرسة مع شركات الصرافة الخاصة.. هذا دور وطنى للبنوك المصرية لا يصح أن تتخلى عنه تحت أى حجج أو مزاعم فالأمر شديد الحساسية والخطورة ولا يتحمل مزيدًا من الانتظار والتردد.


اقترح أيضًا قيام الأفراد المقيمين فى مصر بشكل دائم وشرعى بتحويل مبلغ ٥٠٠ دولار شهريًا عبر البنوك المصرية وبالسعر المعلن وبافتراض أن هناك مليون فرد مقيم فإن هذا سيوفر حصيلة دولارية بقيمة ٦ مليارات دولار سنويًا ويمكن أن يستمر هذا الالتزام لمدة سنتين على الأقل حتى تتحسن الأحوال ويعافى الاقتصاد من أمراضه الحالية.


حدث انخفاض فى فاتورة الواردات فى الثلاثة شهور الأخيرة بمقدار ٧ مليارات دولار وهذا أمر إيجابى إلى حد كبير ولابد أن تستمر الدولة فى دعم هذا الاتجاه وتطبيق كافة السياسات والآليات لتخفيض فاتورة الواردات من السلع والخدمات غير الضرورية مع استمرار دعم الصناعة المصرية فى مختلف المجالات، ولعل الحملات الإعلامية الأخيرة لدعم وتشجيع الصناعة المصرية قد بدأت تؤتى ثمارها مع ضرورة التفرقة بين توفير الاحتياجات من الدولار لتمويل مواد خام وسلع وسيطة وأدوية وسلع غذائية أساسية وتوفير الدولار لتمويل سلع غير أساسية أو استفزازية... النوع الأول من السلع يجب أن يمول بأساليب مخفضة التكلفةـ أما النوع الثانى فيجب أن نقلل جدًا من استيراده وأن تم استيراد كميات محدودة منه يجب أن تكون بالتكلفة الفعلية الحقيقية دون أى دعم أو مساندة فكيف يمكن أن أدعم مستوردى الشيكولاتة والكافيار والجمبرى وغيرها من السلع غير الضرورية.


ضرورة مراجعة سياسات وآليات سداد الالتزامات المالية المحلية داخل مصر بالدولار وهناك مشاكل كثيرة فى مجال الخدمات التعليمية والطبية يجب حلها حتى نقلل قدر الامكان من استخدام الدولار فى سداد الالتزامات المالية المحلية.


هناك ضرورة عاجلة لمراجعة وضبط الإنفاق الخارجى الخاص بأنشطة وزارتى الخارجية والسياحة.. وهناك أحاديث كثيرة فى هذا المجال ولكننا الآن أحوج ما نكون إلى ترشيد نفقات البعثات الدبلوماسية وأفواج تنشيط السياحة بحيث نحقق الأهداف وتنفيذ خطط التشغيل بأقل عملات حرة ممكنة.


هناك العديد من الصناعات المصرية تعتمد على الواردات من المواد الخام والسلع الوسيطة وهنا لابد من مراجعة دراسات الجدوى الخاصة بهذه الصناعات بحيث يتم الاعتماد على البديل المحلى وفى حالة عدم توافره يجب التأكد من وجود فرص تصديرية مناسبة لهذه المنتجات التى تعتمد على مواد خام وسلع وسيطة مستوردة.


البعض يعتقد أن القضية هى تعويم الجنيه واستقرار سعر صرف الدولار والحقيقة أن القضية أعمق من هذا بكثير... القضية تتلخص فى قدرة الاقتصاد المصرى على زيادة العرض من العملات الحرة والحد من الطلب عليها، وذلك خلال الأجلين القصير والمتوسط.. ويخطئ من يظن أن هذا النوع مرتبط بطلبات خاصة أو إملاءات محددة من صندوق النقد والبنك الدولى.. فبرنامج الإصلاح الاقتصادى مصرى صميم وصندوق النقد والبنك الدولى يبحثان عن التأكد من قدرة الدولة المقترضة على سداد القروض التى ستحصل عليها وبالتالى علينا أن ننتبه أننا نتعامل مع مشاكل مصرية فى حاجة إلى إرادة وإدارة مصرية واعية.. تدرك الحلول ولديها آليات التنفيذ فى ظل وعى شعبى فى حاجة إلى تدعيم، حيث يجب أن يقف الجميع شعبًا وقيادة وحكومة وبرلمان فى خندق واحد لنعبر هذه الأزمة سريعًا بإذن الله.