اعترافات قيادة إخوانية خطيرة «محمد كمال» كان وراء العنف المسلح فى مصر

13/10/2016 - 9:42:12

  محمد كمال محمد كمال

بقلم: أحمد بان

كادت طريقة الإخوان فى التعتيم على ماهية العنف وحجمه داخل الجماعة، بدأ من فبراير ٢٠١٤ والتى أفرزت بروز تيار جديد داخل الجماعة أصَّل لفكرة العنف فى مواجهة الدولة أن تمر، كادت الجماعة تنجح فى تصوير ما يجرى من بعض المجموعات الصغيرة باعتباره شذوذاً عن خط الجماعة التى طالما عرفت بأنها جماعة إصلاحية، تنتهج الخط المتدرج فى الوصول لأهدافها توسلاً بالنضال الدستورى والقانونى، من خلال أجهزة الدولة والسعى لكسب ثقة الناس فى صناديق الانتخابات، بعد التمهيد لهذا الحضور والتأثير عبر مظلة واسعة من الجمعيات الخيرية والاجتماعية، التى يمولها مواطنون لا ينتمون للجماعة؛


حباً فى الخير وثقة فى هذه الجمعيات، وشاهدنا جميعاً كيف انقسم الإخوان بين الاتجاه الإصلاحى والاتجاه لمسار العنف الذى اصطلحت تلك المجموعات على تسميته بالمسار الثورى، باعتبار أن الثورة إحدى أشكال العنف فى مواجهة السلطة، حيث يتدرج هذا العنف من الرمى بالحجارة إلى الرمى بالرصاص واستهداف المنشآت والأفراد، لذا لم يكن غريبا أن يصرح أحد قادة لجنة الإدارة العليا د. مجدى شلش الهارب لتركيا فى الرد على سؤال المذيع فى لقاء تلفزيونى كاشف، أذاعته فضائية مكملين المحسوبة على الجماعة أمس والذى حفل بالعديد من الأسرار التى كشفها الرجل بوعى أو دون وعى، عندما سأله المذيع هل استبدلتم شعار المرشد بديع «سلميتنا أقوى من الرصاص بشعار آخر»؟ فقال لكل مرحلة شعار وشعار المرحلة المناسب هو سلميتنا أقوى بالرصاص، فى تأكيد تكرر بأكثر من طريقة فى هذا اللقاء، على أن العنف أصبح الخيار المفضل لأعضاء الجماعة على حد تعبيره حيث قال «إن أفراد الإخوان أشربوا الثورة فى قلوبهم»، وبالرغم من أن الرجل من المفترض أنه أستاذ فى أصول الفقه، فقد استخدم لفظة أشربوا فى تأكيد على أنهم اعتنقوا تلك الرؤية وأحبوها حتى خالطت شغاف قلوبهم، القرآن ذكر لفظة أشربوا فى معرض حديثه عن بنى إسرائيل الذين أشربوا العجل بكفرهم ولله المثل الأعلى.


بدأ الحديث الذى أجراه د. مجدى شلش مسئول قطاع وسط الدلتا والعضو السابق لمكتب إدارى القليوبية وعضو لجنة الإدارة العليا أى لجنة كمال، التى تولت أمر إدارة الجماعة بدءً من فبراير ٢٠١٤ على ضوء انتخاب مجلس شورى الإخوان لها فى نفس التوقيت.


أهم ما أثبته شلش بحديثه أن خط الإخوان تغير منذ فبراير ٢٠١٤ مع تلك اللجنة، التى تقول إنها استجابت لإرادة الصف بتحويل مسار الجماعة وخطها من كونها جماعة سلمية إصلاحية، إلى حركة عنف جهادى تؤصل لحركتها عبر وثائق تنتجها هيئة شرعية داخل الجماعة، وهو المعنى الذى يحفر لها مكانها الأصلى كمظلة لكل حركات العنف التى عرفناها فى تاريخ المنطقة كالجهاد والجماعة الإسلامية والقاعدة وأخيراً داعش.


يكشف شلش أنهم أخرجوا وثيقة شرعية تؤصل لما سماه الثورة، قاصدا العنف والثأر من الدولة المصرية وتبرير استهداف الأفراد والمؤسسات التى سماها مفاصل الدولة المصرية، يقول: «حاولنا بعد فض اعتصام رابعة والنهضة التعويل على سلميتنا أقوى من الرصاص، لكننا لم ننجح وفشلنا فى تحريك الموقف فأصلنا كهيئة شرعية للعمل الثورى، معترفا بأنه شارك فى كتابة تلك الوثيقة التى بررت العنف المسلح فى مواجهة الدولة، ولعل القارئ يذكر تلك الوثيقة التى خرجت عن الجماعة وكانت انقلابا حقيقيا فى مسارها لحساب التحول إلى جماعة عنف مسلح.


أكد شلش أنه يرفض مصطلح العمليات النوعية فى وصف العمليات التى تقوم بها الجماعة، حيث وصفه بأنه مصطلح أمنى وأن الصحيح أنها عمليات ثورية، وعندما سئل عن الفرق بين العمل الثورى والعمل النوعى، أجاب بأن العمل الثورى أشمل، لأنه لا ينبغى اختزال الثورة فى مجرد امتلاك أدوات عنف، وهو هنا يعترف بأن الجماعة انخرطت فى عنف مخطط ومنظم دون أن ينسى أن يذكر عبارات أخرى، من قبيل توسيع الحراك والوعى وامتلاك الأدوات المناسبة لحماية هذا الحراك، والتعامل مع هذا النظام من خلال مفاصله وهو يقصد هنا رجال الشرطة والجيش والقضاء الذين استهدفهم التنظيم بالفعل فى عمليات، وسعى لاستهداف غيرهم من معارضى الجماعة أيضا.


اللقاء التلفزيونى المشار إليه يصلح دليل اتهام ضد الجماعة، بما ضمه من اعترافات موثقة تؤكد أن الجماعة بكل مؤسساتها ضالعة فى استخدام العنف، حيث يدعى أن هذا التوجه كان رغبة الصف الإخوانى الذى لم يقبل الاستمرار فى الانخراط فى المظاهرات والمسيرات التى يعترف أن تجاوب الصف معها فى المرحلة الأخيرة لم يتجاوز ١٥٪ من قواعد الجماعة، وهذا ما أكدناه فى مقالات سابقة أن الجسد الإخوانى انسحب من المشهد يأسا من هؤلاء، ولم يتبق سوى تلك النسبة التى حددها ويبدو أن تلك النسبة هى التى اختارت للجماعة مسارها وطريقها الجديد، حيث يقول إن تلك القواعد طالبتهم بالتصعيد والتأصيل للثأر والقصاص، يقول لما طلبوا منا تأصيل العمل الثورى يقصد العمل النوعى قلنا «عايزين» خطاب تكليف من الإدارة، فقالوا لنا نريد أن تقولوا لنا ما هو التوصيف الشرعى للنظام الحالى هل هم بغاة أم خوارج؟ وما الحكم الشرعى فيهم وما مدى جدوى هؤلاء من الناحية الشرعية؟ وكيف نواجه كل من ثبت عليه أنه آذى الثوار أو قتلهم أو شارك فيما سموه بالانقلاب؟ أخرجوا دراسة من ١٠٠ صفحة تؤصل للعنف استقبلها الإخوان على حد وصفه بقبول حسن، حتى وصفها بعض القيادات المسجونة عندما اطلع عليها بأنها فى قوة مذكرة دعاة لا قضاة التى صدرت فى الستينيات لكى تحول دون وقوع الإخوان فى التكفير، وتأمل المفارقة مذكرة تردع التكفير تساوى مذكرة تحرض على العنف الذى لا يمر إلا عبر التكفير بطبيعة الحال! ولكن من يدقق فى تلك الحالة النفسية والفكرية التى تجعلهم يصلون إلى أحكام خاطئة مطمئنين إلى صحتها يصفها العلامة محمد أبو زهرة فى حديثه عن الخوارج بقوله «كانوا يحاولون أن يعرفوا علم القرآن والسنة من أهل الخبرة، ولكن لأن أنظارهم جانبية لم ينتفعوا به انتفاعا كاملا، رغم أنهم اتصفوا، يقصد الخوارج بصفات كثيرة جعلتهم قوما خصمين يجادلون عن مذهبهم، ويلتقطون الحجج من خصومهم ويستمسكون بآرائهم أشد الاستمساك حتى تكون نظرتهم جانبية متحيزة، وليست عامة مميزة موازنة بين الآراء المختلفة واضعة المقاييس لضبط الحق وتمييزه من الباطل».


من أهم ما كشف عنه هذا اللقاء حجم الخلاف الحقيقى بين تيارين يزعم شلش أن العنيف يمثل فيها نسبة ٨٠٪، بينما لا يتجاوز المدجن الذى وصفه بالعائد إلى حظيرة النظام ٢٠٪ يتهمهم بأنهم لم يكونوا ثواراً ولم يشاركوا فى ثورة أبدا ولم يؤمنوا بها، مؤكدا أن الجماعة راجعت نفسها فى اختيارها لمسار الإصلاح القديم، وعدلت عنه إلى مسار الثورة أى العنف بطبيعة الحال وهو المسار الذى يدعى أنه رغبة شعبية انطلقت من الصف الإخوانى، ذاكرا واقعة تؤكد ذلك برسالة وصلته باعتباره مسئولا عن قطاع وسط الدلتا من كفر الشيخ تقول له، لو تنازلتم عن العمل الثورى فلا طاعة لكم عندنا.


هنا نصل الى خلاصة هامة يدعى شلش أن ٨٠٪ مع لجنة الإدارة العليا وخطها فى العنف الذى يسميه ثورة، وهو محق، حيث تعبر تلك النسبة عن جمهور جديد حجمه ١٥٪ من الجماعة القديمة، بينما يحتفظ عزت ب٢٠٪ من تلك النسبة أى أن ٨٥ ٪ من جمهور الجماعة الأصلية غادر المشهد تماما، ولم يعد جزءا من صراع الجماعة مع نفسها أو صراعها مع الدولة الصراع إذن الآن على ١٥٪ من الجماعة يمثلون ما تبقى من الجماعة الأصلية.


ربما لم يكشف حديث من أحاديث رموز وقيادات الجماعة ما كشفه هذا الحديث للدكتور مجدى شلش، الذى أبدى حديثه أيضا ضعف ثقافته السياسية وصلته بالواقع وفرحه بالمكانة التى حازها فى هيكل التنظيم، وهو الذى كان مجرد عضو بالمكتب الإدارى بمحافظة القليوبية الرجل يريد أن يؤكد فى نفوس المشاهدين أنه قيادة كبيرة تتولى مناصب خطيرة، لكنه لم يعد سوى مجرد منظر شرعى لمجموعات عنف صغيرة ستنحسر كما انحسر غيرها وهو على أية حال لا يملك علم أبو محمد المقدسى أو أبو مصعب السورى، فهو مجرد مدرس بالأزهر فى تخصص أصول الفقه اندمج فى التيار القطبى الذى نعاين انشقاقه الآن بين جناح عزت وكمال، فهل غياب كمال يقوى جناح عزت أم العكس هذا ما ستكشف عنه الأيام القادمة، لكن الشىء المؤكد أن الجماعة انتهت سريعا كتنظيم وتكاد كفكرة تنتهى بعد هذا الانشقاق حول المنهج والوسائل.


خطورة هذه الشهادة التى قدمها شلش أنها تكشف أن محمد كمال كان شخصية خطيرة بالفعل، خطت بالجماعة مسارا قديما كانت قد ودعته قبل عقود، وهو مسار العمل المسلح وأنه خطا بالجماعة وفق شهادة الرجل خطوات واسعة فى هذا المجال، مستشهدا بموجة العنف التى ضربت البلاد فى يناير ٢٠١٥، مؤكدا أنه وتنظيمه كان من يقف خلفها وأن الدولة كادت تقع بأيديهم مرة ثانية، وهو اعتراف خطير يحتاج إلى التفاعل معه بما يستأهله أعتقد أن هذه الشهادة من أخطر الأدلة التى يجب أن تقدم للمجتمع الدولى بالأساس، لتكشف حقيقة هذا الفصيل الذى يريد جر جسد الجماعة بالكامل إلى ساحة العنف فى مواجهة الدولة، وهو الأمر الذى يلقى بمسئولية على الدولة فى التعجيل بالعدالة الانتقالية لتقطع الطريق على استقطاب المزيد من أعضاء الجماعة للحاق بمسار عنف يلفظ أنفاسه الأخيرة، ويبدو بحاجة إلى تجديد قيادته ودمائه من أجل شوط جديد من أشواط الصراع مع الدولة التى يجب أن تعمل فى كل المساحات بشكل متواز.