البرلمان الأفريقى فى شرم الشيخ وقضايا القارة السمراء

13/10/2016 - 9:36:35

بقلم: د. السيد فليفل

استعدت شرم الشيخ مدينة السلام الجميلة وتأهبت لاستقبال النواب الأفارقة الأشقاء أعضاء برلمان عموم أفريقيا، وذلك فى دورة اجتماع من الدورات النادرة التى تعقد خارج مدراند بجوهانسبرج فى جنوب أفريقيا. وقد تقرر ذلك بعد أن وافق البرلمان الأفريقي فى اجتماعه الأخير على مبدأ إمكانية الانعقاد خارج مقره فى شرم الشيخ وتلقى من فوره دعوة كريمة لتشريف مصر من فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسى رئيس جمهورية مصر العربية


، وقد لاحظت أن البرلمان الأفريقي وافق بالإجماع على استضافة مصر فى الفترة من ٨ إلى ٢١ أكتوبر الجارى ليتوافق ذلك مع مناسبتين جليلتين أولاهما هى نصر السادس من أكتوبر وذكراه الثالثة والأربعين والتى ذكرنا فى المقال السابق (٥ أكتوبر) كيف أسهمت أفريقيا فى صناعة هذا النصر وكيف حاصرت الدبلوماسية الأفريقية إسرائيل وقطعت العلاقات معها فى استجابة لنداء التحرير لأرض سيناء المصرية من الاحتلال الإسرائيلى لأرض دولة من دول القارة الأفريقية. أما المناسبة الثانية فهى مرور مائة وخمسين عاما على انعقاد أول برلمان مصرى وعربى وأفريقى على الإطلاق فى عهد الخديو إسماعيل حين تابع سياسة جده - محمد على- فى استشارة المواطنين فيما يجرى من إصلاحات وفيما ينفذ من برامج كى تكون لهم همة المشاركة والمعاونة للسلطة الحاكمة فى إنجاز كل ذلك لمساعدة مصر على النهوض. وكان محمد على قد بدأ بمجلس من الأعيان فى سنة ١٨٢٦.


كان يعقد جلسة واحدة كل سنة. ومن بعد ذلك بفترة توسع فيه إلا أنه لم يكلفه بأية صلاحيات تشريعية. أما الخديو إسماعيل فقد كان واعيًا لرسالة العمل البرلمانى ورأى فيها فرصة لكى تنمو مصر على مدارج الحضارة، وصحيح أنه كان متأثراً بالتجربة الفرنسية، ويسعى لكى تكون مصر قطعة من أوربا إلا أنه هو نفسه الرجل الذى ضم أقاليم كثيرة من أرض القارة الأفريقية تحت حكمه وكان يرى أنه يستبق إليها قوى الاستعمار الغربي، ومن هذه الأقاليم الساحل الإريترى الذى كان يعرف باسم ولاية الحبش، والساحل الصومالي، ومنطقة هرر الواقعة حاليًا فى أرض إثيوبيا، كما صعد فى أعالى النيل حتى ضم مناطق شاسعة من أرض جمهورية جنوب السودان الحالية وشمالى الدولة الأوغندية حتى البحيرات العظمى. كما ضم إقليم دارفور الواقع غرب السودان، وبذا كانت الدولة المصرية تشمل كل أقاليم شمال شرق القارة عدا الحبشة. والتى توسعت فيما بعد على حساب مصر بعد احتلالها فى عام ١٨٨٢.


وكانت مصر قبل عصر الاستعمار البريطاني ترى مجلسا لشورى القوانين يناقش الميزانية، ويشير للحكومة إشارات قوية تتعلق بالإسراف ويطالبها بتشريد الإنفاق ويسعى معها لتعديل المسار ومجابهة التغلغل الغربى فى شئون البلاد. كما وقف المجلس مراقبا تردى الأوضاع المالية وهيمنة الرأسمالية البريطانية والفرنسية على قناة السويس وعلى إدارة الشئون المالية للدولة وفرض مراقبين أجانب على الحكومة.


وقد كانت تلك التجربة البرلمانية هى أول تجربة برلمانية أفريقية وعربية على الإطلاق. والحقيقة أنه من بعد بداية عمل البرلمان المصرى فى العام ١٨٦٦ فإن أول برلمان تال له كان برلمان مستعمرة رأس الرجاء الصالح البريطانية فى عام ١٨٩٢، ولكن البون شاسع بين المجلسين، فالمجلس المصرى كان مجلسا وطنيا، أما المجلس الآخر فى كيب تاون فكان مجلسا خاصا بالأوربيين فى أرض مستعمرة بريطانية ولا يضم مطلقا أى مواطن أفريقي. باختصار كان مجلسا عنصريا ليس بوسع أحد أن يفخر به، بل كان يمثل إدانة مباشرة لنظام استعمارى عنصري.


والحقيقة أن اجتماع البرلمان الأفريقى فى شرم الشيخ لابد وأن يوجه رسائل جديدة إلى الشعوب والحكومات الأفريقية تشير إلى التغيير المنشود للأوضاع المتفاقمة فى القارة، وضرورة تبنى قضاياها تبنيا فعليا. ولعل هذا يحمل رسالة متميزة من اجتماع شرم الشيخ إلى كل العواصم الأفريقية وبصفة خاصة تلك العواصم التى لا تدفع اشتراكها فى الاتحاد الأفريقي، وهو الأمر الذى يجعل النسبة الغالبة من ميزانية الاتحاد تعتمد على الدول المانحة، مع ما لذلك من مؤثرات محتملة فيما يخص تأثر الاتحاد الأفريقى بمشئية هؤلاء المانحين.


إن اجتماع البرلمان الأفريقى فى شرم الشيخ يجب أن تكون رسالته فيما يخص موازنة الاتحاد الأفريقى واضحة، وساعية بقوة للحفاظ على استقلالية القرار الأفريقي. وتحمل الدول مسئولياتها أمام شعوبها، وهو الأمر الذى يجعل رسالة الاتحاد الأفريقى، سواء المفوضية أو البرلمان متسقة مع مواثيق الوحدة الأفريقية والكرامة التى عبرت عنها هذه المواثيق باعتبار أن أفريقيا لا يمكن أن تتخلى عن كرامتها ولو لقاء معونات من هذه الدولة المانحة أو تلك. ولا شك أن مجرد الاجتماع فى جمهورية مصر العربية يعنى إنعاش ذاكرة الأشقاء الأفارقة حول القاهرة ودور القاهرة وصوت جمال عبدالناصر من القاهرة يدعو لحرية أفريقيا ويدعو الاستعمار أن يحمل عصاه ويرحل.


وعلى مبعدة أيام من الذكرى الثالثة والأربعين لرحيل ناصر فإن تمثل نضاله وتمثل الرابطة الأخوية التى جمعته بالآباء المؤسسين للتحرر الأفريقى وللوحدة الأفريقى تلقى مسئولية جسيمة على كاهل مائتي وسبعين برلمانيا أفريقيا يمثلون قارة عملاقة يتساوى أعداد السكان فيها بأعداد السكان فى الصين، ولكنها من حيث مكانتها الاقتصادية تحسب على وزن دول مثل كوريا أو ماليزيا. وهى أيضا قارة تمتلك ثروات طائلة من مياه غزيرة وغابات وفيرة وأشجار نادرة إضافة إلى شمس ساطعة تشكل مصدرا هائلا لطاقة متجددة، كما أن أرضها تمتلئ بجميع أنواع الثروات المعدينة بما فيها اليورانيوم والذهب والماس على خطورة الأول ونفاسة العنصرين الآخرين. ولقد باتت هذه الثروة تفصح عن نفسها من غير استكشاف، ففى مناطق من السودان أو زامبيا يوجد النحاس على سطح الأرض. يكاد يصرخ “استخرجوني”، ويصرخ الخبراء معه “صنعوني”، كما توجد أنواع نادرة من الرمال السوداء فى هذه الدولة أو تلك تنضح بموارد هائلة من المعادن النفيسة والنادرة غالية الثمن، كما توجد رمال أخرى صالحة لعمليات تصنيع الأنواع الجيدة من مواد البناء التى تحتاجها عملية التعمير فى القارة.


ولسواحل القارة قيمة كبيرة فيما يخص موارد أعماق البحار، وهى عند جنوبها وشرقها وغربها وشمالها تعرف تيارات دفيئة تلجأ إليها الأسماك المهاجرة، وهى صالحة لقيام صناعة صيد ضخمة، بدلا من إتاحة السواحل الأفريقية لأساطيل الاتحاد الأوربى وغيره من الدول.


ولا يزال قلب القارة خاليا من طرق مواصلات عملاقة تربط الأقاليم وتساعد على الوصول إلى منتجات المناخات المختلفة فى القارة الأفريقية، وتربط مصادر الثراء فى الإنتاج الزراعى والحيوانى والصناعى داخل القارة بموانئ التصدير، كما تربط بين شعوب القارة وتساعدهم على الانتقال وتيسر لهم الوصول إلى الدول الجارة لإتاحة فرص الانتقال والاستثمار المشترك والعمل والتملك، بل ومجرد التعرف على مقومات الجيران وبحث التكامل عبر الحدود ما يدعم من قوة اقتصاديات هذه الدول وتكاملها.


ولا تزال أفريقيا لم تستفد من المؤتمرات التنسيقية بين التجمعات الاقتصادية الكبيرة فى أفريقيا وآخرها ذلك اللقاء الذى تم فى شرم الشيخ فى مارس ٢٠١٦، وأتخيل أن البرلمان الافريقى لابد وأن تبحث لجانه المختصة سبب عدم إنفاذ مقررات هذه الاجتماعات واستكمال الآليات والأدوات اللازمة لتحقيق التنسيق بين هذه التجمعات توطئة لإنشاء سوق أفريقية واسعة تتيح وللمرة الأولى تأسيس بورصات أفريقية للمنتجات الوطنية التى تدار أمورها فى بورصات لندن وباريس وغيرها، ولا شك أن هذا الهدف يجب أن يدرس دراسة كافية وأن يمحص بعناية لأن الوصول إلى ذلك يعنى استقلال القرار الاقتصادى الأفريقي، ويعنى إنهاء سيطرة القوى الاستعمارية القديمة والجديدة على الموارد الأفريقية، والتحكم فى أسعارها عن طريق برامج صندق النقد الدولى والبنك الدولى التى تضغط من أجل وضع أسعار منخفضة للمنتجات والعملات الأفريقية وغيرها. والحقيقة أنه لا يمكن استكمال التحرر الاقتصادى الأفريقى إلا بإجراءات وحدوية، وبإلزام الدول التى تمتلك طاقات تنموية كبرى بأن تتبنى قضايا القارة ويعمل خبراؤها الوطنيون أيضا كخبراء لبقية القارة، بحيث يخرجون عن مستوى التفكير الوطنى إلى التفكير الجماعى بما يكفل صياغة المستقبل الأفريقى والنجاح فى جعلها أكثر إشراقًا.


أعتقد أيضا أن برلمان عموم أفريقيا مدعو للنظر إلى برامج التكامل فى المجال العلمى والبحثى إلى أبعد مدى، فلم تكف أفريقيا بعد عن تخريج الكوادر النابهة وتسليمها إلى الدول الكبرى كى تستمتع هذه الدول بنتاج غنى من العقول الأفريقية، بينما تزداد حاجة أفريقيا إلى عقول أبنائها. إن هجرة العقول الأفريقية إلى الخارج وعملها فى هذه الدولة أو تلك من دول الاستعمار القديم والجديد يشكل استفادة مطلقة من هذه الدول من طاقاتنا وأفكارنا وعقولنا، بينما تبقى بلادنا فى ذات الوضع المزرى المتخلف، بل إنها فى هذه الحالة إذا وقفت والعالم يتقدم سوف تزداد تخلفًا.


على البرلمانيين الأفارقة أيضا أن يناقشوا لماذا يموت أبناؤهم فى مياه البحر المتوسط تاركين قارة عريضة تمتلك الموارد التى ذكرناها من قبل ولاشك أن جميع حكوماتنا مسئولة عن الإجابة على هذا السؤال: ما الذى يجعل عقول أبنائنا تستشعر كآبة مواطنهم الأصلية، وتطلب الأمل عبر البحار؟ ولاشك أن هذه العقول لا تحتاج منا أن نعمل العقل فى نقدها بل تحتاج أن نتفهم أسباب تصرفها هذا وأسباب مخاطرتها هذه، كما آن لنا أن نسأل أنفسنا لماذا لم نوفر لهم الأمل ونفتح لهم الفرص ونتيح لهم الحياة الكريمة؟ وأى تقصير مارسنا فى إتاحة المشروعات الكبيرة والبرامج الفاعلة القادرة على استيعابهم وتشغيلهم وملء حياتهم بهجة وإعطائها معنى للاستمرار والبقاء والعطاء؟


البرلمان الأفريقى مدعو أيضًا أن يتساءل عما يمتاز به الأفارقة من قوة بدنية، بحيث أن نسبة عالية من أبنائهم فى كل المسابقات الكبرى يبقون هم الأقوى والأسرع، فلماذا إذن يتجنسون بجنسيات أجنبية ويحققون الفوز لهذه الدولة أو تلك. إن عشرات من أبناء أفريقيا حازوا على ميداليات لدول العالم بدءا من قطر إلى فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية. وكان الأولى أن تكون هذه الميداليات لكينيا أو غانا أو إثيوبيا. والسؤال هنا كيف نعيد ترتيب الأوضاع، بحيث يبقى أبطالنا أبطالا لدولهم، وبحيث لا تفقد بلادنا إنجاز أبنائها.


وحتى فيما يتعلق بالرياضة ومتعة الأفارقة فى المشاهدة وبصفة خاصة لمعشوقتهم كرة القدم فقد باتت عدة شركات دولية تسيطر على الفضائيات ولا تتيح حتى مباريات الوطنية أو القارية أو الدولية للمواطنين إلا إذا دفعوا اشتراكات عالية، وذلك استجابة لقررات من الاتحادات القارية والدولية والتى باتت أغنى من حكومات، وتحقق أرباحا ومكاسب لا تنال مثلها مشاريع التنمية. ومن ثم فإننا لا نتساءل فقط عن حق شعوبنا فى مشاهادة مباريات منتخبها، ولكن أيضا عن نصيب شعوبنا فى هذه الأموال التى يجرى تكديسها بأيدى نفر محدود من رجال الاتحادات الدولية مع ما يشوب عملهم من فساد معلوم وافتقاد برامجهم للشفافية وما موقف اتحاد كرة القدم الدولى «فيفا» عن هذا كله ببعيد.


وعلينا أن نوقن بأن من حقنا كأفارقة أن نطالب لشعوبنا بالاستمتاع بكل رياضة يمارسها أبناؤنا وأن تجتمع الجماهير لتتفاعل مع الأحداث الكروية والرياضية التى من شأنها أن تعضد التماسك الوطنى فى كل دولة. وكذلك أن يشاهدوا أبناءهم فى البطولات الدولية وفى كؤوس العالم المختلفة وأن يعتزوا بأبنائهم اعتزازهم بأفريقيتهم.


إن النواب الأفارقة مدعوون للنظر إلى أوضاع الأمن والاستقرار فى القارة وأوضاع الانتخابات ومدى الشفافية بها، وأوضاع المرأة وضرورة تمكينها من نيل حقوق الإنسان المفترضة للأم والجدة والمرأة والبنت الصغيرة. وكذلك حقوق الشباب فى تعليم يوافى متطلبات العصر وفى حالة صحية يجابهون بها الأمراض المتوطنة. وفى برامج تنمية قادرة على خلق فرص العمل. وبناء المستقبل.


ومن حق سكان الأكواخ والعشوائيات فى كل مكان من أرض القارة أن يناموا على سرير فى بيت آدمي، وأن يشربوا ماء نظيفًا وأن يستمتعوا بطاقة كهربية وجهاز تليفزيون، وأن يتواصلوا مع العالم الخارجي.


إننا لا نتحدث عن برلمان افتراضي، بل نتحدث عن برلمان لديه أمل فى الغد ولديه قدرة على التواصل مع الحكومات ولديه ثقة فى مفوضية الاتحاد الأفريقي وقدرتها على قيادة العمل التنموى فى القارة وعلى تحقيق الاستقرار وعلى بناء منظمات ومؤسسات الاتحاد الأفريقى مقتدرة وذات دراية بالعصر وقادرة على التطلع إلى الغد ورسم وتخطيط البرامج لصناعة هذا الغد. الآن الآن، ومن الساعة. إن ذلك وحده هو السبيل الوحيد لوصول أفريقيا إلى الإنجاز النهضوى الضخم الذى حددته لنفسها فى عام ٢٠٦٣ لتكون قارة فاعلة مشاركة فى الحياة الدولية وصانعة لمستقبل الإنسانية عبر دور اقتصادى فاعل وإنسان إيجابى مشارك بما يجعل من القارة بقعة ضوء كبيرة وليست يابسة معتمة.


إن التفكير فى الغد والحرص على استقلال القارة واستقرارها وامتلاكها لإرادة متحدة رافضة للتدخل الخارجى أهم من وجهة نظرى من تسيير جدول الأعمال بنجاح فليست القضية أن نفكر تحت أرجلنا ولكن القضية أن ننظر إلى الأمام وأن نرى المستقبل، بل أن نصنعه بأيدينا.


أهلا ومرحبا بأشقائنا النواب الأفارقة من كافة ربوع القارة، نزلتم أهلا وحللتم سهلا، دعائى بحوار مثمر وإقامة طيبة.