رئيس الفلبين بعد ١٠٠ يوم ٣٦٠٠ إعدام.. واتفاق سلام مع مورو وصدام مع الحليف الأمريكى

13/10/2016 - 9:34:09

تقرير: إيمان عبدالله

مائة يوم فقط مرت على تولى رودريجو ديوتيرتى( ٧١ عامًا) رئاسة الفلبين حملت فى جعبتها الكثير من الأحداث والسياسات المثيرة للجدل التى حاكها الرئيس صاحب زلات اللسان الصادمة. مكافحة المخدرات، تحدى الحليف الأمريكى سعيًا وراء الخروج من عباءة التبعية الأمريكية واستئناف جهود السلام لإنهاء التمرد الشيوعي: ثلاثة محاور رئيسية رسمت ملامح استراتيجية ديوتيرتى قفزت به إلى مكانة الزعيم البطل فى الداخل وأحالته رئيسًا مناورًا متهورًا يهدد ميزان الأمن والتوازن فى جنوب شرق آسيا فى نظر العالم الخارجي.


تنتهى اليوم الأربعاء المناورات العسكرية السنوية المشتركة بين القوات الفلبينية والأمريكية والتى بدأت منذ الرابع من هذا الشهر وسط أجواء من التوتر بسبب الانتقادات الموجهة من الرئيس ديوتيرتى ضد واشنطن القوى الاستعمارية السابقة والحليف الحالى الذى أبرمت معه مانيلا معاهدة الدفاع المشترك منذ عام ١٩٥١ شارك فى هذه المناورات نحو ١٤٠٠ جندى أمريكى و ٥٠٠فرد من قوات مشاة البحرية الفلبينية وشملت إنزالًا برمائيًا وتدريبات بالذخيرة الحية. وقد فاجأ ديوتيرتى الإدارة الأمريكية بإعلانه أن هذه المناورات ستكون الأولى والأخيرة خلال فترة رئاسته التى تستمر حتى عام ٢٠٢٢ رغبة منه فى التراجع عما يراه اعتمادًا مبالغًا فيه على الدعم الأمريكي. القرار يضرب بعرض الحائط بنود الاتفاقية التى عززها سلفه بنينيو اكينو الابن فى عام ٢٠١٤ لتنص على زيادة أعداد القوات الأمريكية فى الأرخبيل لمجابهة التوغل الصينى فى منطقة بحر الصين العظيم وكذلك القيام بحوالى ٢٨ مناورة مشتركة سنويًا. وتأجيجًا للتوتر تعهد ديوتيرتى بالتخلص من المستشارين العسكريين الأمريكيين الذين يقدمون دعمًا للجيش الفلبينى فى حربه ضد عمليات الإرهاب المسلح فى جنوب الفلبين منذ عام ٢٠٠٢ لكنه أرجأ هذه الخطوة لوقت لاحق.


ويبدو أن العلاقات الأمريكية الفلبينية التى ظلت وثيقة على مدى ٦٥ عامًا باتت فى مرمى نيران رئيس الفلبين الذى يتطاول على الإدارة الأمريكية ورئيسها وينعته بأفظع الألفاظ ومؤخرًا أعلن ديوتيرتى عن تعليق الدوريات البحرية المشتركة بين الولايات المتحدة والفلبين والتى تجوب منطقة بحر الصين الجنوبى معللًا أن ذلك سوف يثير نزاعًا مسلحًا ربما يطال الأراضى الفلبينية مثلما حدث فى الحرب العالمية الثانية عندما استخدمت الولايات المتحدة الأراضى الفلبينية وأودت بحياة الآلاف من المواطنين، وإمعانًا فى إثارة غضب الولايات المتحدة كشف ديوتيرتى عن سعيه الحصول على السلاح من الصين أو روسيا بعدما رفضت الإدارة الأمريكية صفقة سلاح للحكومة الفلبينية بسبب تجاوزات الرئيس اللفظية، ورغم مزاعم التقارب من الصين فإن هناك خلافًا بين الدولتين حول أحقية مانيلا فى بعض الجزر الموجودة فى منطقة بحر الصين الجنوبى الذى تدعى الصين كامل السيادة عليه وتقوم ببناء جزر صناعية مشيدة عليها بنى تحتية عسكرية تثير بها نزاعًا مع عدة دول فى جنوب شرق آسيا وتدفع الولايات المتحدة لزيادة تواجد قواتها فى المنطقة. وبعد اعتراض تقدمت به الفلبين، أنكرت محكمة دولية للتحكيم فى يوليو الماضى كل حق تاريخى للصين على هذه الجزر، إلا أن ديوتيرتى رفض استخدام هذا الحكم ضد الصين، ويرى بعض المحللين أن مغازلة ديوتيرتى للصين لا تعدو أن تكون سوى مناورة للحصول على مزيد من الامتيازات والدعم. ديوتيرتى ذو التوجه الاشتراكى يعتقد أن الولايات المتحدة أساءت استغلال العلاقات مع الفلبين لتحقيق امتيازات عسكرية استراتيجية فى جنوب شرق آسيا ولم تقدم لبلاده فى المقابل دعمًا مماثلًا لما تقدمه لدولة مثل اليابان على سبيل المثال، وفى أحدث هجماته على الولايات المتحدة قال ديوتيرتى إنه يعيد ترتيب سياسته الخارجية لأن الولايات المتحدة خذلت الفلبين ورغم تلويح ديوتيرتى بالقطيعة وإمكانية استغناء الجيش عن المساعدات الأمريكية، فإن كثيرًا من المحللين يرون أن الهدف من ذلك تحقيق المزيد من الصفقات والمكاسب خاصة بعد السماح بإعادة استخدام القوات الأمريكية لقاعدتين عسكريتين بحريتين فى الفلبين تقعان بالقرب من المنطقة التى تشهد الكثير من التوتر فى نهاية عهد الرئيس الفلبينى السابق، الإدارة الأمريكية من جانبها استخفت بتصريحات ديوتيرتى وعلق آشتون كارتر وزير الدفاع الأمريكى بأن التحالف بين الولايات المتحدة والفلبين “فولاذي”، المتحدث باسم البنتاجون جيف دانيس أعلن بأن تهديدات ديوتيرتى لن تتحول إلى إجراءات مؤثرة إلا أن تحركات ديوتيرتى لخفض وجود القوات الأمريكية على أراضى الفلبين بدون شك سوف تعرقل جهود واشنطن لتوسيع قاعدة التواجد الأمريكى فى جنوب شرق آسيا لمواجهة الهيمنة الصينية المتزايدة يومًا بعد يوم.


ومثلما جاء قرار ديوتيرتى بإيقاف المناورات المشتركة مع الحليف الأمريكى مباغتًا وسريعًا، كانت حربه ضد المخدرات على نفس القدر من العجلة والفاعلية ووفقًا لأحدث استطلاع للرأى أجرى فى الفلبين فإن المائة يوم الأولى من حكم الرئيس ديوتيرتى كانت جيدة حيث أعرب ٪٧٦ ممن شملهم الاستطلاع عن الشعور بالرضا عن أداء الرئيس. مكافحة المخدرات كانت القضية الأولى بالرعاية التى منحها ديوتيرتى جل اهتمامه. وكانت سياسته الصارمة ضد التجار والوسطاء والمتعاطين الرافضين للاستسلام هى القتل دون محاكمة ، الأمر الذى أثار ضده الدول الغربية والأمم المتحدة والاتحاد الأوربى ودعاة حقوق الإنسان. وتشير الإحصاءات أن أعداد من قتلوا خلال الأشهر الثلاثة الماضية وصل إلى ٣٦٠٠ شخص بينهم ١٣٠٠ على أيدى رجال الشرطة والبقية على أيدى فرق الاغتيالات المجهولة أو المواطنين المتبرعين الذين وعدهم الرئيس بمكافآت وعطايا مجزية، الحملة ضد المخدرات كانت غير مسبوقة فى تاريخ الفلبين حيث قامت قوات الشرطة بمداهمة أكثر من ١.٦ مليون منزل والقبض على أكثر من ٢٢.٥٠٠ مدمن وتاجر مخدرات بالإضافة لاستسلام ٧٣٢.٠٠٠ متعاط للإيداع فى مراكز التأهيل. ويقدر عدد المدمنين فى الفلبين ما بين ٣ إلى ٤ ملايين مواطن. وكان ديوتيرتى قد نجح فى الانتخابات الرئاسية فى يونيو الماضى متفوقًا على أربعة من منافسيه بسبب وعوده الجريئة بالقضاء على الجريمة والفساد خلال ستة أشهر حتى لو كلفه ذلك القصاص من مائة شخص وتشير مجلة تايم الأمريكية إلى أن ديوتيرتى وجه حصة كبيرة من ميزانية الدولة إلى جهازى الشرطة والجيش مقابل استقطاع ٪٢٥ من ميزانية الصحة وخفض النفقات فى بعض قطاعات الدولة الأخري، هذه الحملة رغم قسوتها نجحت حسب الإحصاءات فى خفض معدلات الجريمة حتى الآن بنسبة ٪٤٥ ليصبح ديوتيرتى فى أعين فقراء الفلبين نموذجًا للزعيم الوطنى المؤمن بعبارة «أنا أستطيع» رغم كراهيته للرئيس أوباما. وتحظى الحرب التى يقودها ديوتيرتى ضد»وباء المخدرات»بشعبية جارفة بين المواطنين الذين يلقون باللوم على مخدر “شابو” الرخيص الثمن الواسع الانتشار فى زيادة معدل الجريمة وحوادث القتل لكنهم يخشون أن تخرج هذه الحملة عن نطاق السيطرة وأن تطال عمليات القتل الذين لا علاقة لهم بالمخدرات، التقديرات منحت ديوتيرتى ٩٠ ٪٠ فى حربه ضد المخدرات و٨٠٪فى تقدمه فى خطط الإصلاح الاقتصادى وإعادة الانضباط والنظام فى البلاد. وقد وعد ديوتيرتى بتخصيص ميزانية قدرها ٧ تريليونات بيزو من أجل مشروعات البنية التحتية على مدى السنوات الست القادمة مع السعى لزيادة إجمالى الناتج القومى للبلاد.


وتظل مبادرات ديوتيرتى السلمية مع كل الجماعات المتقاتلة سواء التنظيمات الإرهابية المسلحة فى الجنوب أو جماعات المتمردين الشيوعيين أمرًا يستحق الإشادة. إذ يحسب لديوتيرتى نجاحه فى التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار واستئناف محادثات السلام مع المتمردين الشيوعيين والتى تمت تحت رعاية نرويجية فى إطار إنهاء واحدة من أعقد عمليات التمرد فى آسيا استمرت قرابة نصف قرن وأودت بحياة ما بين ٣٠ ألفا إلى ٤٠ ألفًا من المقاتلين والمدنيين. استكمال محادثات السلام مع المتمردين الشيوعيين الذين يبلغ عددهم قرابة خمسة آلاف شخص قد يستغرق عامًا آخر حيث يتعامل ديوتيرتى بحرص شديد مع طلبات قادة التمرد خاصة فيما يتعلق بإطلاق سراح بعض المعتقلين لحين وضع خارطة طريق كاملة لإنهاء الصراع الدموي. ومن جهة أخرى يولى الرئيس ديوتيرتى أهمية كبرى لاستئناف مباحثات السلام مع جبهة تحرير مورو الإسلامية والتى أبرمت فى العام الماضى اتفاقًا مع حكومة الرئيس السابق بنيو اكينو. وتسعى جبهة تحرير مورو لإقامة دولة مستقلة فى جزيرة ميند اتاو الجنوبية وبموجب الاتفاق الإطارى الذى وقع فى العام الماضى سيتم تغير اسم الجزيرة إلى «بانجسامورو»ويتم إعلانها منطقة حكم ذاتى تضم أكثر من ٥ ملايين مسلم، توفير المناخ الآمن لاستئناف محادثات السلام مع الجماعات المعارضة والمتمردة رفع كثيرًا من العبء عن كاهل رجال قوات الشرطة والجيش الذين كان يتم نشرهم لمواجهة الإرهاب المسلح الذى استهدف السائحين خلال الأعوام الماضية.


نجح ديوتيرتى خلال مائة يوم فقط أن يحتل قلوب الفقراء فى الفلبين فهم يرونه رجلا من عامة الشعب يعمل لصالح الشعب. فالإحساس بالأمان والاستقرار أصبح تغيرًا واضحًا وملموسًا فى حياتهم اليومية. مساندته حقوق الطبقة العاملة من الفلبينيين فى الخارج لحمايتهم من الاستغلال وسوء المعاملة أكسبه مزيدًا من التقدير ولكن تظل سوقيته وزلات لسانه التى طالت الرئيس أوباما والبابا فرانسيس أمرًا يحتاج إلى كثير من الانضباط الذى يسعى لتحقيقه فى الفلبين.


 



آخر الأخبار