الحرب.. واللاحرب.. فى بر مصر !

12/10/2016 - 4:02:41

بقلم: د. صفوت حاتم

تنجح الأمم فى بناء مستقبلها عندما تتعامل «بحكمة» مع ماضيها وتراثها وتاريخها.


والأمم التى لا تستفيد من تاريخها تتعثر فى الطريق وتتلكأ فى مشيها وتطول كبواتها .. وقد تنتكس للوراء وتفقد معنى الوقت وتهدر قيمة التعامل الذكى مع الزمن.


 ولقد تعثرت مصر كثيرا خلال تاريخها المعاصر.. إما لأسباب خارجية نتيجة الأطماع الاستعمارية فيها.. أو بسبب حكّام لم يقدروا قيمة وقدر البلد الذى يحكمونه.


ودراسة تاريخنا المعاصر يعطى علامات إرشادية لما قد يهدينا فى زمننا الراهن وواقعنا المعاصر.


وإذا واجهنا المرحلة الحالية التى نعيشها فى ضوء التاريخ المعاصر.. سنجد أوجه شبه كثيرة بين هذه المرحلة وما عشناه فى حقبة ليست بعيدة بعد هزيمة يونيه١٩٦٧.


كانت هزيمة يونيه فرصة لأعداء النظام.. وأعداء التقدم.. وأعداء الاشتراكية.. لكى يخرجوا من جُحورِهم.. ويبدأوا فى حملة التشهير والتجريح للنظام مُستغلين فى هذا ما كانت تظهره الأيام والمحاكمات العسكرية من فساد فى قيادة القوات المسلحة.. وما كان يلمسه الناس أيضا من فساد فى بعض القطاعات المدنية.


 وكانت موجات النقد والتشهير التى شنتها بعض الدوائر الداخلية والخارجية المتربصة.. أحد العوامل التى أدخلها فى حساباته الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، وهو يعيد تقدير الموقف بعد الهزيمة وما تعرض له نظامه من شرخ..وما أصاب صورته الشخصية من جرح نافذ.


وكانت خطب عبد الناصر وعلاقته المباشرة مع الشعب ومصارحته لهم بالحقائق..هى العامل الوحيد الذى يهدئ من غليان الجماهير..ويجيب على تساؤلاتها.. ويجدد فى نفوسها الأمل..ويحشدها فى المعركة.


 


كان عبد الناصر بخطاباته الصريحة..ونقده لذاته..وكشفه للأخطاء والمخطئين..وتقديمه للمتسببين فى الهزيمة للمحاكمة..وإصراره على علنية المحاكمات..أحد أهم الأسباب التى أعادت للناس الثقة فى النظام السياسى.


 وهكذا عاش المصريون أجواء حرب حقيقية.. وكانوا ينامون ويعملون وفى اعتقاد كل منهم أنه يمكن رد الهزيمة فى أقرب وقت.. وأن أى تضحية تهون فى سبيل هذا الهدف.


 وعن هذه الفترة كتب المؤرخ «أحمد حمروش»: لقد أصبحت مصر بلا قوات مسلحة تقريبا.. الطيران ضاع.. والجيش تمزقت وحداته.. ومع ذلك فشعور الثأر..من الهزيمة .. يتأجج فى صدور الناس..وهم يقبلون قرار الإظلام فى الشوارع.. وعندما تضاء بعض الأنوار.. كان البعض يعتقد أن فى هذا نوعا من التهاون أو التفريط.. والإذاعة تذيع الأناشيد والأغنيات الوطنية.. وعندما تذاع أغنية عاطفية.. يقول البعض إن هذا دليل على أن روح الثأر قد خمدت..وأن هناك اتجاها للاستكانة وقبول الوضع الراهن.. ولم تصدر الحكومة..منذ الثورة..قرارات ترفع فيها أجور بعض الخدمات مثل المواصلات والتليفونات والبرقيات..وغيرها.. وتفرض ضرائب جديدة.. ويقابلها الناس بهدوء.. بل وترحيب.. مثلما حدث فى القرارات التى أصدرتها الحكومة فى شهر يونيه ١٩٦٧.


كان الشعب مستعدا للمساهمة بكل ما يملك من أجل استرداد كرامته واسترجاع أرضه...» (ثورة ٢٣ يوليو.. الجزء الثانى..ص ٢١٧..طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب)


كان الناس يعيشون أجواء حرب فعلية.. وتراجع تصرفاتها وسلوكياتها على أساس من هذه الحقيقة. 


s s s


أما الآن .. فالوضع مختلف جذريا!!


فعلى الرغم من شراسة الحرب الدائرة مع قوى الإرهاب على حدودنا الشرقية فى سيناء..وعلى طول حدودنا الغربية مع ليبيا.. فأننا لا نكاد نشعر بأجواء حرب فى داخل الجمهورية.. سواء فى الريف أو المدن.


ومع مرور الأيام نسى الكثيرون حجم التضحيات والأرواح التى يقدمها جيشنا على الجبهتين.


فالمحلات التجارية عامرة «بزبائنها» يكدسون البضائع الضرورية والكمالية.. غير عابئين بارتفاع الأسعار.. أو شُح بعض المواد التموينية من السوق.


ولكنهم لا يملون من الشكوى عن ارتفاع أسعار بعض السلع الضرورية.. دون أن يلتفتوا لسلوكياتهم الاستهلاكية الخاطئة.. أو حتى التقليل من نفقاتهم غير الضرورية.. كالتقليل مثلا من استهلاكهم لخدمة التليفونات المحمولة.. التى أصبحت فى كل يد.. وتلتهم جزءا لا يستهان به من دخل الأسرة.. مهما كان تواضعها.


وها هى المقاهى تعج بروادها يتسامرون فى لا مبالاة غريبة.. والشوارع تنضح بكل ألوان الفوضى والفساد والعشوائية.


 والإعلام الخاص يطلق برامجه ومسلسلاته وإعلاناته الترفيه.. وكأننا نعيش أوضاعا طبيعية.. لا تتلاءم مع حرب الاستنزاف الواقعية التى نعيشها وتتطلب عدم التبذير والإسراف والترف ومساعدة الدولة فى توفير الأساسيات.


وأباطرة الإعلام الخاص «يستلمون» المشاهدين ساعات طويلة فى برامجهم الحوارية الاستفزازية التى تصنع حالة من التشويش والارتباك فى صفوف الشعب وتهز من ثقته فى القيادة السياسية وقدرتها على مواجهة الأخطار. 


وأباطرة الاستيراد.. من رجال الأعمال.. يمارسون آلاعيبهم القذرة فى رفع أسعار السلع والمحاصيل الاستراتيجية كالسكر والأرز والقمح. 


s s s


وقد يقول قائل: إن المقارنة مع ما حدث بعد هزيمة يونيه ٦٧ غير جائزة.. وأن هذا زمن ولى.. وأن نوعية المواطن الذى كان موجودا آنذاك.. ليس هو الذى يتواجد الآن.. خصوصا بعد مرور كل هذه السنوات الطويلة من التسيب واللامبالاة والفوضى والفساد المؤسسى والفردى.


وهو قول به قدر معقول من الصحة.


بالمقابل .. لا يمكن الخروج من الانهيار الشامل الذى أصاب المجتمع المصرى دونما تغيير فورى وسريع فى سلوكيات المواطنين .. والتشدد فى تطبيق القانون والنظام أكثر من أى وقت مضى. 


تلك واحدة...


والثانية : أن يشعر المواطنون حقيقة بخطورة الحرب الشاملة التى نخوضها ضد الإرهاب المسلح.. وأن يدركوا أن آلاف المسلحين والإرهابيين قد تسللوا لبلادنا من كل فج عميق يحملون هدفا واحدا هو هدم الدولة وإعادة صياغتها على نسق مشروعهم الظلامى الذى تواجد فى أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا واليمن ومالى والصومال.. وغيرها.


 واعتقادى الشخصى أن غالبية الشعب لا تقدر هذا الخطر حق قدره.. وتمارس حياتها بشكل طبيعى واعتيادى.. بل بكثير من الانفلات والفوضى واللامبالاة.


 لقد أصبح خبر استشهاد جنودنا فى أرض المعركة.. خبرا عاديا يتساوى مع أى خبر وفاة فى حوادث الطرق البلهاء. 


****


هل يشعر المواطنون.. حقا.. أنهم يعيشون أجواء حرب تستنزف من قدراتنا المادية والبشرية الكثير .. أم أنهم يعتقدون أننا بصدد حالة خلل أمنى بسيط وطارئ.. لا يؤثر فى الحياة  اليومية ؟؟


هل يدرك المواطنون أن الوطن يتعرض لمحنة حقيقية تحتاج تآلف الجميع ووقوفهم متحدين أمام الأخطار المحدقة بنا ؟؟!!


قد يقول قائل: إن المبالغة فى إضفاء أجواء حادة من الجدية على الحياة المدنية قد يسبب ضيقا للمواطنين..أو قد يعطى للخارج صورة غير حقيقية عن الوضع الداخلى مما يؤثر على قدوم السياحة. !!


وهو قول به قدر من الصحة.


لكن.. بالمقابل.. يبدو لى أن التقليل من جدية الأوضاع على جبهة القتال هو أحد أسباب الانفلات والفوضى.. وترهل التعبئة العامة للدولة والمجتمع ..إذا كان هناك تعبئة عامة من الأساس!!


هذا يفسر.. بطريقة أو بأخرى.. كيف يلقى المواطنون أسباب أزماتهم الحياتية والتموينية على الحكومة وحدها .. دون أن يتحملوا نصيبهم من المشاركة فى إصلاح سلوكياتهم الاجتماعية.. ودون حافز داخلى لديهم لزيادة العمل والإنتاج.


s s s


هذا لا يعنى تبرئة الحكومة من الأخطاء أو إعفائها من المسئولية عما يحدث فى الواقع من أزمات.


وأكبر دليل على مسئولية الحكومة.. الوقائع التى تكشفت عن تلاعب فى صوامع القمح.. والتزوير فى أرقام المحصول الموردة للدولة وإهدار المليارات من الجنيهات فى هذا الموضوع دونما حساب رادع وشديدللمزورين والمتواطئين معهم .. خصوصا من كانوا فى موقع المسئولية الوزارية. 


وتكرر الأمر مع أزمة السكر والأرز.. وقبلهما أزمة لبن الأطفال.. فقد تاهت المسئولية ولم تتم محاسبة المسئولين عنها حسابا يعكس رغبة الحكومة فى وقف هذا النوع من الانتهاكات التى تتلاعب بقوت الشعب وتهدد استقرار الدولة وأمن الجبهة الداخلية.


إن هذا النوع من الجرائم يدخل تحت بند الجرائم الخطيرة فى زمن الحرب وربما تقتضى محاكمات عسكرية سريعة..وتستلزم عقوبات رادعة.. دون هوادة أو تهاون.


s s s


نحن بحاجة ماسة وسريعة لوضع كل فرد فى المجتمع.. أيا كان موقعه أمام مسئولياته عن المعركة الحاسمة التى نعيشها مع الإرهاب.


وأن يعلم المواطنون أن الحرب قد تطول.. وتحتاج منا جميعا الصبر وتحمل المسئوليات والتضحيات.


وليضع كل مواطن فى ذهنه أن الشعوب تنتصر فى معاركها بالعرق .. والدم.. والدموع..