قيادات السوق حذرت من استمرار الأزمة.. والحكومة تستجيب أخيرا لمطالبهم: كارثة نوفمبر.. مصر خالية من الدواء!

12/10/2016 - 3:57:07

تقرير : إيمان النجار

إلى أين ستصل أزمة «نواقص الأدوية»؟.. هل ستسعى الحكومة بشكل جاد لإنهاء الأزمة والسيطرة على السوق وإجبار الشركات على إنتاج الأدوية التى أصبحت غير متاحة فى السوق؟.. هل الدعم الذى وفرته الحكومة مؤخرا فيما يتعلق بـ»دولارات الاستيراد» يغطى احتياجات الشركات من العملة الصعبة؟.. وماذا لو استمر الوضع كما هو عليه؟


الأسئلة السابقة يمكن التعامل معها كونه عينة عشوائية تحدد الأزمات التى يعانى منها سوق الدواء، والتحركات التى إتخذتها حكومة المهندش شريف إسماعيل للحد من تأثيرالأزمة، وإيجاد حلول ناجزة لها، كما يجب أن نضع فى الاعتبار أن إجراء أى تعديل أو تغيير على الإجابة الواقعية والحقيقية لتلك الأسئلة من الممكن أن تؤدى إلى عواقب وخيمة، فالأزمة هنا متعلقة بـ»صحة المصريين»، التى تعتبر خط أحمر لا يجوز لأحد تجاوزه أو التفكير - مجرد التفكير- فى الإقتراب منه.


كارثة نوفمبر المقبل.. أزمة جديدة تضاف لملف أزمات سوق الدواء، فكافة الشواهد والمعلومات المتاحة تشير إلى أن الشهر المقبل-حال بقاء الوضع كما هو عليه- سيكون شهر صعب على سوق الدواء، فى ظل المعاناة التى لا تزال غالبية الشركات تعانى من عدم توافر المواد الخام، الأمر الذى يعنى إضافة أسماء أدوية جديدة لـ»قائمة النواقص» خلال الأسابيع القليلة المقبلة.


ورغم استجابة الحكومة المتأخرة لمطالب شركات الدواء المتعلقة بتوفير الدولار، والتى تبلغ - حسب تقدير غرفة صناعة الدواء - نحو ٢٢٠ مليون دولار شهريا ، وفي حال توفير الدولار سيكون أمام السوق ما يمكن وصفه بـ»المرحلة الانتقالية» والتى ستكون مدتها شهرا للأدوية المستوردة تامة الصنع ، و٦٠ يوما للأدوية محلية الصنع ، وهذه دورة معروفة للاستيراد والتصنيع.


الإدارة المركزية للشئون الصيدلية بوزارة الصحة، كانت هى الآخرى على خط الأزمة، حيث كشفت بيانات صادرة عنها مؤخرا عدة حقائق مفزعة، أبرزها أنه فى الوقت الذي ينتظر فيه الشارع المصرى حدوث انخفاض فى معدلات نواقص الأدوية بعد قرار تحريك الأسعار منذ أكثر من ثلاثة أشهر ، يتضح - وفقا للبيانات- أن عدد الأدوية النواقص في تزايد وبشكل مستمر و تصاعدي ، لدرجة دفعت عدد من المسئولين لوصف الوضع بالكارثى، فمنذ شهرين تقريبا لم يتم فتح الاعتمادات المستندية من قبل البنك المركزي وفق الاحتياج المطلوب لشركات الأدوية التى تريد الحصول على العملة الصعبة لاستيراد المواد الخام أو الأدوية من الخارج، والتى تجد نفسها فى مأزق فهى لا تستطيع الدفع « كاش» لعدم توافر العملة الصعبة، كما أنها لا تمتلك المقدرة على توفير احتياجتها من العملة الصعبة بالتعامل فى السوق السوداء لأن الدواء مسعر جبريا وبالتالي لا تستطيع أغلب الشركات تحمل فرق السعر


أما الحقيقة الثانية التى كشفتها بيانات «إدارة الصيدلة» فترتبط بنوعية نواقص الأدوية فبالنسبة للمستحضرات الحيوية مثل حقن الألبومين البشري ، حقن الـ» ار - اتش « التي تحتاجها السيدات الحوامل ، و عوامل التجلط « فاكتور ٨ « لمرضي النزف المتكرر « الهيموفيليا « ، وحقن للمناعة ، وجميعها أدوية مستوردة ، و مخزون الشركات فى مصر منها يكاد يقترب من الصفر ، فكل صنف يوجد أربعة أو خمسة شركات تستورده لكن مع أزمة العملة أصبح هناك شركة واحدة تتولى استيراد صنف واحد، وحتي في حالة الاستيراد يكون بكميات قليلة.


أدوية الأورام هى الأخرى دخلت فى نطاق الأزمة، حيث يتضح أنها أصبحت متوافرة فى الأسواق ولكن بكميات قليلة جدا، والأمر ذاته ينطبق على أدوية الطوارئ التى لم تسلم من الأزمة خاصة دواء « استربتوكاينيز « الذى يعطي في أول ساعة عند الإصابة بـ»جلطة القلب»، والدواء توفره شركتان إحداهما تستورده وأخرى تصنعه محليا وفي الحالتين جاء ارتفاع سعر المادة الخام في الخارج وعدم توفير العملة الصعبة ليحول دون توفير الاحتياج الفعلي منه .


تجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الأنواع من الأدوية المتداولة في السوق تتابعها إدارة الصيدلة بوزارة الصحة لكنها ليست مدرجة ضمن النشرة الدورية الشهرية لنواقص الأدوية .


الحقيقة الثالثة، التى كشفتها البيانات الرسمية، تشير إلى أنه وفقا للنشرة الدورية التي تصدرها وزارة الصحة وصل عدد نواقص الأدوية نحو ٢١٢ صنفا دوائيا ، وهذا الرقم بخلاف الأصناف الحيوية السابق عرضها ، وبالتالي يمكن القول أن قائمة النواقص تتعدى الرقم الذى تلتزم وزارة الصحة التصريح به، فمنذ أكثر من ثلاثة أشهر خرج علينا الدكتور أحمد عماد وزير الصحة والسكان ليعلن أن نواقص الأدوية تعدت الأربعة آلاف صنفا، مؤكدا ضرورة تحريك أسعار الأدوية لتوفير نواقص الأدوية وإنقاذ الصناعة ، ومنذ ذلك الحين لم يعرف أحد مصير الأربعة آلاف صنف وظلت قوائم نواقص الأدوية الرسمية والمعلنة من الوزارة لا تتعدي الثلاث مائة صنف، و تم تحريك السعر للأدوية الأقل من ٣٠ جنيها بحد أقصي ٦ جنيهات ، مع العلم أن المذكرة التي رفعتها الإدارة المركزية للشئون الصيدلة تضمنت المطالبة بتحريك سعر الأدوية الأقل من عشرة جنيها ، لكن وزير الصحة تلقي مذكرة أخري من غرفة صناعة الدواء استند لها عرضها علي رئيس الوزراء دون استشارة المختصين في ادارة الصيدلة ليأتي قرار رفع أسعار هذه الأصناف مفاجئا للمسئولين الذين لم تكن لديهم قاعدة بيانات كاملة لهذه الأصناف لذا حدث الارتباك الذي تربح منه الكثيرين في الأيام الأولي لتطبيق القرار .


فى حين أن الحقيقة الرابعة تتمثل فى أن أزمة نواقص الأدوية تظهر وتزداد في الأدوية المصنعة محليا فنحو ٩٠ في المائة من مستلزمات الإنتاج مستوردة ، والمتوفر لدي الشركات لا يكفي إنتاج الاحتياجات وهذا أيضا بسبب عدم توافر الدولار .


وزارة الصحة أصبحت فى مأزق، الأمر الذى أوضحته الحقيقة الخامسة، فمشكلة الدولار خارجة عن سيطرتها ، وشركات الأدوية نالت غرضها بتحريك السعر ، وفي المقابل الشركات لا تستطيع الوفاء بالشق الثاني من القرار، والمتمثل فى توفير نواقص الأدوية بحجة عدم توافر العملة الصعبة (الدولار الأمريكى).


أما الحقيقة السادسة، فكتشف أنه في الوقت الذي نعاني فيه من نقص الأدوية وفي مقدمتها محاليل الملح والجلوكوز ، يخرج وزير الصحة بقرار وزاري مضاعفة رسوم تحليل التشغيلات في الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية لتصل لنحو ألف جنيه للتشغيلة الواحدة بعد أن كانت خمسمائة جنيها.


وبالنسبة للمحاليل والحقن والأمبولات التي تدخل علي الدم مباشرة تمر بمرحلة تعقيم والمعقم سعته أربعة آلاف زجاجة فقط، وبالتالي شركات المحاليل تنتج التشغيله أربعة آلاف زجاجة فقط والشركة تنتج علي سبيل المثال ٢ مليون زجاجة شهريا وبتوزيعها علي عدد تشغيلات بواقع أربعة الاف زجاجة للتشغيلة يكون عدد التشغيلات المراد تحليلها كبير، والمبلغ المطلوب كبير ، وفى الوقت ذاته الشركات لا تستطيع زيادة عبوات التشغيلة لارتباطها بسعة المعقم ، وبالتالي تحملها مبالغ إضافية، إلى جانب تحمل الشركات توفير مستلزمات التحاليل وصدر القرار بتاريخ ١٨ سبتمبر دون ونفذ دون إخطار الشركات ودون تفسير بتحمل الهيئة توفير مستلزمات التحاليل .


تجدر الإشارة هنا إلى أن الأيام القليلة الماضية شهدت تخبطا فيما يتعلق بقرار «عماد الدين»، وأعادت الشركات كميات المحاليل -محل التحليل- اعتراضا علي هذه الزيادة المبالغ فيها وغير المبررة .


المثير أيضا أنه في الوقت الذي يعانى فيه الشارع من أزمة في نقص مختلف أنواع المحاليل وبدء انفراج للأزمة بدخول خطوط انتاج كانت متوقفة ، وأصبح لدينا نحو ٦ شركات تنتج نحو ١١ مليون و٥٠٠ ألف زجاجة شهريا بعد عودة خط شركة النيل للإنتاج الأسبوع الماضي بطاقة مليوني زجاجة شهريا ، اصطدمت الشركات بمضاعفة رسوم التحليل ، فما كان منها إلا الإعتراض علي زيادة الرسوم ورفض التحليل ، في الوقت الذي يحتاج السوق لمختلف أنوا ع المحاليل .


وبعيدا عن مبررات وزير الصحة، الدكتور أحمد عماد الدين، في إتخاذ القرار تبقي المشكلة في توقيت القرار ، حيث تم إتخاذه أثناء حدوث أزمة فعلية في المحاليل وغيرها من الأدوية ، وهذا القرار سيؤثر مباشرة وفي المقام الأول علي المحاليل وأمبولات والحقن ذات التشغيلة قليلة العدد ،أما بقية الأدوية التي تكون التشغيلة بها عبوات أو زجاجات أو أقراص تصل الي خمسين ألف ومائة ألف فلن تتأثر كثيرا.


متابعة سير الأمور سوق الدواء تكشف أيضا أن نواقص الأدوية طالت معظم الأدوية في مقدمتها الأدوية الحيوية والأساسية مثل أدوية مرضي الأورام مثل أندوكسان وهولوكسان وأدوية آخرى مهمة وضرورية لاستكمال برامج العلاج الكيماوي ، وفي المقابل ظهرت هذه الأدوية في السوق السوداء بأسعار أضعاف أضعاف ثمنها.


القائمة تضم أيضا أدوية لأمراض النفسية مثل كلوبيكسول وفلونوكسول وأدوية للصرع والشلل الرعاش ، أيضا أدوية للضغط وقطرات العين ، والمحاليل مشكلة مستمرة ، وكذلك حقن الألبومين لم تسلم من النقص ، وظهرت في مراكز الأشعة مؤخرا أسعار موازية لحقن الصبغات التي تعاني نقصا هي الأخري رغم أن الأشعة عنصرا مهما في تشخيص الأمراض وتحديد العلاج لتظهر النواقص في مراحل التشخيص انتهاءا بالعلاج.


من جانبه، وتعقيبا على هذه الأزمة، قال د. أحمد العزبى، رئيس غرفة صناعة الدواء باتحاد الصناعات: أزمة نواقص الأدوية مستمرة وتتزايد ، والنقص طال معظم الأدوية المستورة « تامة الصنع « ، وكذلك المصنعة محليا ، ورغم ظهور هذه المشكلة خلال العامين الأخيرين، إلا أنها تفاقمت خلال الأشهر الأخيرة ، فعدم انتظام توفير الدولار ، يتبعه عدم انتظام في توفير الأدوية أو المادة الخام ، وأخيرا عدم انتظام الانتاج ، فبعض الشركات مؤخرا أصبحت لا تمتلك جزء من الخامات وبالتالي نتوقع مزيد من النواقص حال عدم توفر العملة لتوفير المواد الخام .


وحول التحركات التى إتخذتها الغرفة، وموقف الحكومة من الأزمة، قال «العزبى»: بدأنا نجد صدي لدي الحكومة حيث عقد رئيس الوزراء الأسبوع الماضي اجتماعات مع الشركات وادارة الصيادلة و البنك المركزي، وخلال الاجتماع وعد محافظ البنك المركزي بتدبير العملة، وتلاه اجتماع اخر بين الغرفة وادارة الصيدلة بوزارة الصحة لتحديد آليات توجيه العملة حسب الأولويات ، وتقدمنا بطلب لتوفير نحو ٢٢٠ مليون دولار شهرا ما بين مواد خام وأدوية تامة الصنع، والأولوية ستكون للأدوية الأساسية والحيوية، والأدوية التي لا توجد لها بدائل ، وفي المقدمة أدوية الأورام والقلب ومشتقات الدم والأدوية المستخدة في الرعاية المركزة والعمليات ، وغيرها من الأدوية التي لا تحتمل التأخير وذلك في القطاعين المستورد والمحلي الصنع.


رئيس غرفة صناعة الدواء، واصل حديثه قائلا: توفير العملة ضرورة خاصة بعد معاناة الشركات من عدم توافر المادة الخام ، و مع تجاوب الحكومة مؤخرا وفي حال توفير العملة سنكون في مرحلة انتقالية مدتها شهر لتوفير الأدوية المستوردة « تامة الصنع « ، وتصل الي شهرين بالنسبة للأدوية محلية الصنع منها شهر لاجراءات التصدير وشهرا للتصنيع ، وللأسف كل هذا تراكم لشهور سابقة نعاني فيها من عدم انتظام توفير العملة ، خاصة أن العملة هي السبب الرئيسي في أزمة نواقص الأدوية.


وفى سياق الأزمة طرح المركز المصري للحق في الدواء -مؤخرا- مبادرة للمجتمع المدني بعنون» صيدلية الشعب « وعودة عمل التركيبات الدوائية في الصيدليات ، وبعيدا عن غرابة الإقتراح إلا أنه يعكس حجم المشكلة التي وصل إليها حال الدواء في مصر ، ويحتاج إلي دراسة متأنية من المتخصصين .


كما حذر المركز - فى بيان صادر عنه مؤخرا- من قرب نفادد مخزون المواد الفعالة خلال الأسابيع المقبل، موضحا أن المخزون المتوافر منها حاليا لا يكفي في حال تصنيعه الا شهر فقط ، لأنه لا يتم استيراد مواد خام منذ أكثر من شهرين لعدم وجود اعتماد دولاري، محذرا - فى الوقت ذاته- من أنه حال استمرار الوضع كما هو عليه فى الوقت الحالى سندخل نفق مظلم بحلول نوفمبر المقبل حيث ستنفد مبيعات الأصناف دون تصنيع كميات جديدة لعدم توفر المادة الخام.


كما طالب المركز الحقوقى الحكومة بالتحرك علي أكثر من مستوي بدءا من توفير الدولار حسب الأولوية التي تحددها وزارة الصحة ، ومروا بمحاسبة الشركات بعد قرار رفع الأسعار وما تحقق خلال الأربعة أشهر الماضية ، وصولا إلى مواجهة السوق السوداء التي انتعشت خلال الفترة الماضية وطالت أدوية أورام ومحاليل ملح .