حمدى لطفى صحفى برتبة مقاتل ! خاض ست حروب وهزمته وفاة ابنه الوحيد

12/10/2016 - 3:55:54

  عم حمدى لطفى مع الجنود المصريين فى حفر الباطن لتحرير الكويت عم حمدى لطفى مع الجنود المصريين فى حفر الباطن لتحرير الكويت

بقلم: عـــادل سعـــد

بعض الناس ندمت على أننى لم أستثمرمعرفتهم طوال حياتي،على رأس هؤلاء المحرر العسكرى الكبيرالعم حمدى لطفي،ربما لأننى لم أكن أصدق أنه قد يموت، وكيف يموت من خاض ست حروب وحُكم عليه بالإعدام مرتين ويشعل الدنيا ضحكا بوزنه السمين كالدب الصغيرولسانه الطويل ؟


لم أكن أعرف أن حمدى لطفى هذا الصاخب دائما بإطلاق النكت وإعداد المقالب يتمزق من موت ابنه أحمد حمدى فى شرخ الشباب فى حادث سيارة،الولد الوحيد الأعرج خرج فى مظاهرات ١٩٧١ يساريا يطالب بالحرية،وراح حمدى لطفى يطرق أبواب النبوى إسماعيل وزير الداخلية ويهدده بالقتل إذا مس شعرة من ولده.


الولد المارق الثائر،استعاده أبوه،بالعمل صحفيا فى مجلة المصور،وكان قد انفصل عن أمه منذ سنوات، وعاش وحيدا،حتى صدمته سيارة قتلت حمدى قبل أن تقتله، بعد أن انصلح حاله وصار صحفيا موهوبا.


مات أحمد ومات معه تقريبا عم حمدى لطفي،وانكسرت بداخله أحلام عزيزة ،عن دار الهلال التى وهبها عمره محررا عسكريا من طراز فريد،وظل حريصا على عدم المرور بجوارها بقية أيام حياته.


منذ بواكير شبابه ارتبط حمدى لطفى بالقوات المسلحة المصرية،وخاض حروبها،عاصر ثورة يوليو ومعركة ١٩٥٦ وحرب اليمن وهزيمة ١٩٦٧ .


عودة الروح


كانت الدنيا ظلاما بعد هزيمة يونيه عندما بدأ يكتب فى ١٩٦٨ مستندا إلى وثائق عسكرية حقيقية ما دار فى هذه الحرب فوق أرض سيناء،كانت رائحة الدخان فى كل مكان،ودموع الأرامل لم تجف،عندما بدأ يشرح كيف أن الصورة لم تكن قاتمة شديدة السواد،بل تخللها قتال يفوق قدرات البشر ومعارك خاضها بعض جنودنا الذين قدرلهم أن يصطدموا بالعدو وكبدوه أقصى ما يمكنهم من خسائر،برغم قرار الانسحاب المهين الشهير .


روى حمدى لطفى بالتفصيل المعارك الانتحارية البطولية التى قام بها طيارونا طوال الأيام الستة مبرزا معاركهم يوم ١٤ يوليو التى دفعت إسرائيل إلى الصراخ والاستنجاد لأول مرة بالأمم المتحدة .


وعاد ليصف المعارك الفرعية التى خاضتها بعض وحدات المشاة والمدرعات والمدفعية فى سيناء،وبعضها عكف العدو على دراستها مثل معركة جبل لبنى التى أثبت المقاتل المصرى خلالها كفاءته برغم تفوق العدو بالطيران والسيطرة الجوية والمعدات الأرضية الأحدث تكنولوجيا وإلكترونيا.


كانت مقالات حمدى لطفى فى ١٩٦٨ نسمة أمل وسط ظلام مرحلة عاشتها كل مصر، لتكون فاتحة مرحلة جديدة من الصراع المسلح مع العدو الإسرائيلى عام ١٩٦٩، وهى مرحلة الردع وحرب الاستنزاف،لتبدأ بعض الوحدات العسكرية المصرية بالعبور إلى سيناء لتقاتل دوريات العدو وتعود من جديد لقواعدها بالضفة الغربية للتدريب على العبور الشامل يوم أن يتقرر موعد هذا العبور .


سنوات الاستنزاف شهدت توهج حمدى لطفى بمشاركته بجبهة القناة،وطيلة هذه السنوات والقتال مستمر يوميا بين طائراتنا وطائرات العدو ومدفعياتنا وقواعد صواريخنا وطائرات إسرائيل،ووقتها بدأت البحرية معاركها أيضا وبطولات الضفادع البشرية .


أيامها رفع الرئيس السادات شعار : «الصبر والصمت» وكتب حمدى لطفى عن هؤلاء الرابضين على خط النار،ويعترف يوسف السباعى بأن سيناريو فيلم : « العمر لحظة «استعان فى معلوماته بكتابات حمدى لطفى عن معارك شدوان .


اقترب حمدى لطفى من السادات وبحسه العسكرى أدرك أن مصر ستدخل لأول مرة فى تاريخها معركة جدية ضد إسرائيل، وأصدر كتابا عنوانه: «أنور السادات قصة إيمان بالعسكرية المصرية» فى ١٩٧٢،والجماهير تشعر بأنه لا أمل فى الحرب واسترداد سيناء ،بينما كان الرئيس السادات يقوم بخدعته الكبرى باذلا جهده حتى الحد الأقصى فى إعداد القوات المسلحة .


فرحة النصر


يوم العاشر من رمضان – ٦ أكتوبر ١٩٧٣ تتابعت رسائل حمدى لطفى الصحفية وكان يكتبها من داخل سيناء ومن قواعدنا الجوية والبحرية وعن دور كل سلاح مبرزا الجوانب العلمية والعسكرية للقتال فى المعركة والبطولة الفردية للضباط والجنود والوعى عند القادةعارضا بأسلوب سهل وبسيط قيمة وحجم وتفاصيل كل معركة محييا المجد البطولى العسكرى الذى حققته قواتنا المسلحة فى حرب أكتوبر .


يقول حمدى لطفى فى مقدمة كتابه المهم : «العسكرية المصرية فوق سيناء» الصادرعن كتاب الهلال فى ١٩٧٣: «سيناء لم تعد أسيرة – لقد عبر الرجال فى ساعة تاريخية خالدة محفورة فى تاريخ العسكرية المصرية»


كان فرحا كطفل بالعبور مع الجنود للشرق : «أمسكت جهاز التليفون الميدانى وأنا فوق رمال سيناء – فى موقع هجومى – وتحدثت مع جندى من قواتنا فى الضفة الغربية ونادانى الجندى : «ماذا تريد؟»


تلعثمت وأصابتنى رعشة وبصعوبة قلت : «إننى أكلمك من سيناء»


قال الجندى : «أعرف هذا .. ماذا تريد؟»


قلت : « لاشىء .. أكلمك من سيناء .. ألا يكفى هذا؟»


فقال مهدئا : «اطلبنى وقتما تريد»


«من سيناء أكتب ولا استطيع السيطرة على مشاعرى .. القوات الميكانيكية تطهر الأرض أمامها وقواتنا الجوية تقهر السلاح الذى قال عنه حلفاء العدو «سلاح لا يقهر» وكل الرجال تحولوا إلى أطول وأقوى ذراع عرفتها مصر ،يستخدمون أحدث الأسلحة بكل المهارة والثبات والرسوخ.عازفين أعذب الألحان وأقربها إلى القلوب .. لحن النصر »


«سعيت لمعايشة الحرب مع الجنود،ربما تعبيرا عن ثأر شخصى يعيش فى داخلى أنا الآخر فقد عدت منذ سنوات مع قواتنا المسلحة الجريحة يوم ٧ يونيه عام ١٩٦٧ إلى السويس وبقيت شهرين فى بيتى غير قادر على الحركة أو العودة لعملى ..


وعشت بعد ذلك فوق الضفة الغربية للقناة منذ نهاية ١٩٦٨ أحلم بالعبور والعودة لسيناء .


وبعد أن توقفت حرب الاستنزاف فى الأسبوع الأول من أغسطس عام ١٩٧٠ ضاع الحلم منى تماما وتبدد .


ولكن الأمل راودنى من جديد عند سماع أنور السادات يتحدث مع المقاتلين على طول خطوط جبهة القناة وفى خطوط العمق وهى أحاديث لم تنشر على الإطلاق،وأيقنت أن الحرب قادمة لامحالة.»


الأنهار لاتموت


بعد حرب أكتوبر بقليل ينعى حمدى لطفى المشير أحمد إسماعيل قائلا : «وداعا يا من قلت السلاح بالرجل وليس الرجل بالسلاح ..ولتبق فى وجدان الأجيال حيا وشهيدا»


«لن يموت البطل العملاق أحمد إسماعيل، فالأنهار لاتموت»


«أثناء الحرب وقبلها بقليل عرف البطل الشهيد بتفاصيل وخطورة مرضه فعرض تقديم استقالته إلى الرئيس السادات لكى يترك مكانه لمقاتل آخر لا يشغله صراع المرض ورفض القائد الأعلى قبول الاستقالة»


اللحم يقهر الصلب


وينتقل حمدى لطفى للفريق الجمسى ويسأله: «معارك الدبابات المصرية الإسرائيلية فى حرب ١٩٧٣ من أخطر وأكبر معارك القرن العشرين وبرغم خطورتها فقد قال المعلقون العسكريون إن المشاة المصريين أنهوا دور الدبابة فى أية حروب مستقبلية ماهو رأيكم بصفتكم أحد قادة المدرعات ؟


قال الجمسى : «ليس تحيزا للدبابات التى أنتمى بشبابى إليها ،الدبابة سيظل تأثيرها قويا من حيث قوة نيرانها كما ستظل القوة الضاربة للقوات البرية بأى مكان بالعالم .. ومع ذلك أحب أن أقول إن أنواع الدبابات وتسليحها سيتطور بالضرورة أمام نتائج حرب أكتوبر .. لقد بدأت أمريكا إنتاج دبابة أخف وزنا وأسرع قادرة على مواجهة المدافع الصغيرة المضادة للدبابات التى يحملها المشاة وجنود المدفعية كما أن الدبابة الجديدة ستكون مدعمة بصواريخ مضادة للدبابات»


«كان من مصادر قوة العدو دباباته وحتى نهزم الدبابات الإسرائيلية بالمدفعية المضادة لها فإن ذلك يستلزم وقتا لنقلها إلى الميدان عابرة القناة فعمق الضفة الشرقية وكان علينا أن نواجهها بأجسامنا بالمشاة بعد العبور مباشرة فحمل جنودنا المدفع الصاروخى الصغير « م.د» وحققوا المعجزة.وكانت معارك اللحم ضد الصلب كما وصفها المراسلون الأجانب


وعند قائد المدفعية الرهيب يسأل حمدى لطفى: «تحدث الرئيس السادات عن صواريخنا الموجهة إلى ثلاث مدن فى إسرائيل استعدادا لضرب العمق الإسرائيلى إذا لجأ العدو إلى الهجوم على العمق المصرى.. هل هذه كانت من المهام الموكولة للمدفعية المصرية؟


ويقول الفريق الماحى: «نعم .. ويوم ٢٢ أكتوبر ١٩٧٣ أطلقت المدفعية أول صواريخها الموجهة ضد العدو الإسرائيلى وأحدث قوة تدميرية هائلة «


« لقد قام الرئيس السادات بتعيين الأهداف فى عمق إسرائيل واستعدت المدفعية المصرية لضريها بالصواريخ إذا صدرت التعليمات بذلك»


ثوار يوليو الوجه الآخر


وللعم الجميل حمدى لطفى كتب عديدة لعل أقربها لقلبى لشدة صدقها: «مأساة عبد الحكيم عامر» و«ثوار يوليو .. الوجه الآخر» والأخير يرصد من خلاله شهادات فى غاية الأهمية والخطورة عن تهرب عبد الناصر حتى وفاته من إصدار بيان بأسماء أعضاء تنظيم الضباط الأحرار، تدهورت ببعضهم أحوال الزمن،وركب على أكتافهم آخرون،ووقع الزعيم على مذكرة ظاهرية بالموافقة وكلف من يكرههم جميعا ( شمس بدران) بمعرفة مواقفهم،فلم تكن تعنيه أحوالهم وهو يعرفها جيدا بل آراؤهم فى شخصه .


من الوثائق الخطيرة فى هذا الكتاب وثيقة سلاح الفرسان عن أزمة مارس ومطالبة عبد الناصر بعودة الحياة النيابية والأحزاب وما تلاها من إبداء موافقته وتعيين خالد محيى الدين رئيسا للوزارة ليمهد لعودة البلاد للحياة الديمقراطية ليحضر فى اليوم التالى لمقر القيادة ليستمع للقرار ويجد فى استقباله مظاهرة عنيفة يقودها كمال رفعت وأحمد أنورويتعرض للضرب والشتم واللكم ويطرد من القيادة ثم يتم نفيه إلى سويسرا.


وألطف مافى الكتاب شهادة بطل سلاح الفرسان يوسف صديق الذى احتسى كأسين من البراندى وخرج بقواته قبل موعد الثورة بثلاث ساعات فأنقذهم جميعا من حبل المشنقة .


حمدى لطفى أجرى حوارا صاخبا يندر تكراره مع الرجل الشجاع يوسف صديق الذى جرى استبعاده بعد نجاح الثورة قائلا بطريقته : «إن كأسين من الخمر أنقذا الثورة وهذا لا يعيب الثورات» فقال الرجل : «حتى لو صدقت هذه القصة فما الضرر؟»


لم ينكر الرجل أنه احتسى كأسين وقال إنه لم يعلم أن خطة الثوار انكشفت وأن قادة الملك بوزارة الحربية اجتمعوا بمركز القيادة وصدرت الأوامر بالقبض عليهم جميعا ،وأثناء خروجه بالقوات من الهايكستب قابل اللواء عبد الرحمن مكى باشا فى الطريق للمعسكر وعلى الفور قبض عليه ولو تأخر قليلا لدخل المعسكر وقبض عليهم جميعا ، وفى الطريق التقى بالقائد الثانى أميرالاى عبد الرؤوف عابدين بك وكان يحاول اللحاق بمكى باشا فقبض عليه هو الآخر،بل وعندما وصل لقيادة الجيش فوجيء بأن ضباطه الأوفياء قبضوا على جمال عبد الناصر نفسه بعد أن صدرت إليهم أوامره بالقبض على أى ضابط يحمل رتبة بكباشى فما فوق .


رحم الله الصحفى الثائر النبيل حمدى لطفى وأتمنى على دار الهلال أن تعيد نشر أعماله من نفس الدار التى عاش ومات مخلصا لها طوال حياته .


وياعم حمدى طبت حيا وميتا .