شوقى مصطفى فوتوغرافيا المستحيل لم يكن مصورا اعتياديا كان يتخطى حدود الكاميرا

12/10/2016 - 3:06:21

  فرحة العبور.. الصورة الأحب  إلى قلبه التى مازالت اللقطة الأشهر عن عبور أكتوبر العظيم فرحة العبور.. الصورة الأحب إلى قلبه التى مازالت اللقطة الأشهر عن عبور أكتوبر العظيم

بقلم - عادل سعد

أتقابل مع شوقى مصطفى كل صباح على عتبات دار الهلال!


رئيس قسم التصوير والمصور العظيم يطاردنى عندما أقفز على هذا الأفريز للدخول نحو بهو المؤسسة فأردد ضاحكا : « صباح الخير ياعم شوقى !»


كان عمنا جميعا،ورائد الالتزام بالعمل فى المؤسسة،ورفيق درب حمدى لطفى فى كل المعارك والحروب.


سلاحه الكاميرا،ومن كثرة العمل صارت عينه تلتقط ما لا يراه الآخرون.


ولعم شوقى مصطفى فى قلبى وفى قلوب كل عشاق فن التصوير ثلاث لقطات إنسانية نادرة لا تنسى،الأولى تعد وبحق أجمل صورة التقطت لنجيب محفوظ،الأستاذ فى السابعة صباحا جالسا بالبدلة البيضاء والحذاء اللامع على مقهى الفيشاوى بالحسين يتأمل كتابا قديما وبائع الكتب الأعمى عم إبراهيم يعرض عليه محتويات زكيبته من الكتب المستعملة،تلك الصورة تحديدا كنت وما زلت أشعر بالغضب من كثرة تداولها بين كبار الكتاب بدون الإشارة لصاحبها المصور العظيم.


لقطة ثانية منزلية لكامل الشناوي،كانت البيوت وقتها فى الستينيات بلا تكييف ولا مراوح،ولم يجد الشاعر الكبير علاجا للحرارة فى حر أغسطس بوزنه السمين كالدب ،سوى شراء لوحين من الثلج قام بتكسيرهما داخل طست عملاق ،وجلس بداخله ليبرد نفسه، فى صورة مذهلة.


اللقطة الثالثة للطفل صلاح جاهين، تجاوز الستين،ويحتضن حديد البالكونة ،ويخرج قدميه من الحديد حافيا بالجلباب ليلعب وقد مالت رأسه وهو يتأمل الشارع،ومن الزاوية المقابلة تلتقط كاميرا شوقى مصطفى صورة تلخص كل ما قيل وما سيقال عن شخصية الشاعر والفنان صلاح جاهين.


فارس المعارك


على الأرض شوقى كان يفتخر دائما بأنه مصور خاض المعارك مع توأمه حمدى لطفى الذى فقد بغيابه عن دار الهلال الكثير.


حضر معه كل الحروب التى خاضتها مصر.


وكانت لقطاته التى يصورها طوال حرب الاستنزاف مثار الدهشة وتطوف عواصم العالم .


ومنها لقطة سجل خلالها رفع العلم المصرى فوق خط بارليف عام ١٩٦٩ قبل حرب التحرير بأربع سنوات.


ولقطات شوقى مصطفى الصحفية تحولت إلى أفلام تسجيلية عديدة وكتيبات تطوف العالم .


كانت صورة المقاتل الذى يرفع سلاحه على أول معبر من أحب الصور إلى قلبه،فقد عاش مخلصا فى انتظار يوم التحرير،وتوالت لقطاته عن اقتحام خط بارليف ومعارك الدبابات والطائرات والصواريخ والمدفعية .


يوم اغتيال الرئيس السادات عاد شوقى مصطفى مجهدا،وكان من القلائل الذين صوروا الحدث،ولم يخفض الكاميرا خوفا،واستطاع بخبرته الطويلة أن يلتقط عشرات الصور النادرة لتفاصيل الاعتداء على الرئيس،وباعت أيامها دار الهلال تلك الصور لوكالات الأنباء العالمية.


عين الفنان


لم يكن شوقى مصطفى مهتما بجمال الصورة،بمعنى إظهار الشخصيات بملامح جميلة ،بقدر ما كان مهتما برصد المشاعر الداخلية للأفراد وعلاقتها بالمكان،وتلك مدرسة تتخطى حدود الفوتوغرافيا الناقلة،لمدارس أخرى كالتكعيبية والبنيوية والوحشية،لكن الغريب أن شوقى يحقق ملامحها بالكاميرا.


عقب خروجه على المعاش كانت جريدة الاتحاد الأماراتية تجرى سلسلة بعنوان: «حكايات شوارع القاهرة» يكتبها الزميل الأديب حمدى أبو جليل وكان حمدى يكتب الحلقة عن حى المنيل أو الزمالك مثلا ويعود ليعطى نسخة منها لعم شوقى الذى وافق بعد إلحاحنا على تصوير الحلقات، يكتب حمدى كل التفاصيل المطلوبة من المصور ويحضر المصور العجوز شوقى مصطفى فى اليوم التالى بصور لا نصدق أنها مرت من تحت أعيننا،صور تعيد اكتشاف المكان من جديد وتستدعى إعادة الكتابة من جديد لدرجة أننا كنا لا نصدق أنها فى مصر.


تشرفت كثيرا بالسفر معه للعمل،وكنت عندما أخرج معه أشعر بأننى أعمل تحت جناحه،خرجنا يوما وكنت محررا بالفن،لنتقابل مع فنان كوميدى يعظ الناس الآن للحض على مكارم الأخلاق،وتركنا ننتظر نصف ساعة برغم اتفاقنا على الموعد وهو قاعد كالرقيع يضحك مع فتيات ،وشعرت بالحرج وأخيرا نهض بعد أن نبهه الإنتاج ليقول: « معلش كنت مشغول أنا ممكن أقعد معاكم ربع ساعة» فنهضت قائلا له : «أنا فلان .. وهذا الأستاذ شوقى مصطفى .. وللأسف لا يوجد عندنا دقيقة من أجلك»


خرجت والأستاذ يتأبط ذراعى ولما ابتعدنا لكزنى قائلا : « عارف ياوسخ .. لو كنت قلت أى حاجة غير كدة .. كنت قتلتك !»


ورحت أنا وهو لنصور صابر قاتل ميدان التحرير المحكوم عليه بالإعدام،بعد أن أحرق أتوبيسين للسياح بالمولوتوف فى ميدان التحرير.


تسللت وجلست مع صابر فى القفص،وكل من حولنا،ضباط مباحث ومخابرات وحرس جمهورى ،وكل جهاز يعتقد أننى من الجهاز الآخر،ولما جاء الدور على عم شوقى ،اتفقنا مع صابر المحكوم عليه بالإعدام أن يرفع يده وهو خارج ليركب سيارة الترحيلات لنلتقط صورة، وفعلها شوقى فى ٣ ثوان لننفرد بالصورة الوحيدة، وقبضوا علينا ، وأودعنا القاضى فى القفص.


كان اتفاقنا مع القاضى أن نتكلم مع صابر ونصوره، وإذا قبضوا علينا يودعنا القفص ويفرج عنا بنفس اليوم!


عم شوقى مصطفى كان من مواليد الجمالية ولديه أصدقاء هناك أصحاب مصانع ومشاغل ،وكنت من القلائل الذين يصطحبهم معه للجمالية لمقابلة أصدقاء الطفولة!


رحمك الله ياعم شوقى رحمة واسعة.


كنت رجلا وموهوبا ونبيلا.