الرؤية بين المخطوبين

12/10/2016 - 3:03:52

بقلم: أ.د. عباس شومان وكيل الأزهر الشريف

مع أن الخطبة (بكسر الخاء) لا تعني إلا مجرد وعد للخاطب بالتزويج مستقبلا ولا يترتب عليه أي حقوق بين المخطوبين سوى النظر وتبادل أطراف الحديث ليتعرف كل طرف على الآخر قبل الإقدام على عقد الزواج الذي يحل ما كان محرما قبله بين الطرفين، إلا أن كتب الفقه زاخرة بالكثير من الأحكام المتعلقة بالخطبة،


إن كان الكثير من الناس يخالفها في التطبيق بين الإفراط والتفريط، فقد أباح شرعنا الحنيف النظر المباشر بين المخطوبين؛ وذلك لثبوت أدلته من منطوق أصدق الخلق وفعله وتقريره – صلى الله عليه وسلم - فمن أقواله الكثيرة: «إذا استطاع أحدكم أن يرى من المرأة ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل»، وقوله لسيدنا جابر وقد خطب امرأة دون أن يراها: «انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما»، ووجّه – صلى الله عليه وسلم - إلى إمعان النظر إلى ما يمكن أن يكرهه منها بعد الارتباط بها فقال: «ارجع فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئًا»، (قيل: ضيق في العينين، وقيل: صفرة تغلب على البياض حول الحدقة). وأما فعله – صلى الله عليه وسلم - فيبدو مع المرأة التي عرضت عليه نفسها قائلة: «جئت لأهب لك نفسي»، حيث نظر إليها وصوّب، وفي رواية صعّد النظر، ثم طأطأ رأسه وكأنه لم يُردها، ففهم أحد الصحابة ذلك فطلبها لنفسه فزوّجها له الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم. وأما إقراره، فقد كان الصحابة – رضوان الله عليهم - ينظرون إلى من يريدون خطبتها، ولم ينكر عليهم النبي – صلى الله عليه وسلم – بدليل أنه لم ينكر على هذه المرأة التي عرضت عليه نفسها ليتزوجها من دون مهر.


والفقهاء يختلفون في كيفية النظر، وفي المواضع التي يُنظر إليها من المرأة، وفي تكراره من عدمه، وفي ضرورة الحصول على إذن وليّها أو إذنها قبل النظر، وكل هذا اجتهاد منهم يجد كل إنسان بين اختلافاتهم ما يناسب ثقافة بيئته وأعرافه ليتمكن من التعرف على شريكة مستقبل حياته، مما يجعل الزواج محققا لأهدافه دون التعرض لانتكاسة تكدر صفوه وتذهب سكينته وربما تذهب به أدراج الرياح. ومع أن الرؤية بين المخطوبين حق لكل منهما بإجماع فقهاء المسلمين، ترى كثيرا من الناس يغالون في ذلك فيتشدد بعض الأولياء وربما الفتاة نفسها ويستبدلون بالرؤية المباشرة الرؤية غير المباشرة كرؤية أم الخاطب أو أخته للمخطوبة، ثم تُطلع الخاطب على مواصفاتها، وربما يتشدد البعض أكثر فيعرض على الخاطب صورة ضوئية ليتعرف من خلالها على مخطوبته، بينما يفرط البعض فيجعل المخطوبة وكأنها معقود عليها من قبل الخاطب، فلا يقتصر الأمر على مجرد الرؤية والتحدث في وجود محرم للمرأة حتى لا تحدث خلوة، بل يتعدى إلى منح الفتاة الحرية لتجلس وتخرج مع خاطبها وربما تزوره في بيته!


ومن مظاهر الإفراط أيضا المبالغة في وظيفة المحرم؛ حيث إن المجيزين رؤية الخاطب للمخطوبة في وجود المحرم يجعلون من المحرم راصدا لهما يسمع كل كلمة تصدر من أحدهما تجاه الآخر ويتدخل عند اعتراضه على شيء مما يسمع. والأمر لا ينبغي أن يكون على هذا النحو، فما ذكره الفقهاء عن وجود المحرم مراده عدم انفراد الخاطب بمخطوبته حتى لا تحدث خلوة، ويكفي لحصوله كونهما في مكان يمكن وقوع نظر بعض أهل البيت عليهما في أي لحظة، ووجود المحرم «الراصد» هذا بينهما قد يخل بمقصود تحدّث كليهما للآخر ومناقشة بعض المسائل التي تتعلق بالزوجية فيما بعد، كالتوافق على عمل الفتاة أو خروجها للزيارات والمناسبات والسكن مع الأهل بعد الزواج وغير ذلك من أمور قد يكون الاتفاق حولها ضروريا لاستمرار العلاقة، وربما لو سمع المحرم شيئا من نقاشاتهما حول أحد هذه الأمور لأفسده بتدخله، كما أنه يجوز لكل واحد من المخطوبين سؤال الآخر عن أمور قد يستحي من التحدث فيها في حضور المحرم «الراصد»، كتأخير الإنجاب أو تنظيم النسل أو الزواج بأخرى، وهي أمور من المفيد للطرفين التوافق حولها قبل الارتباط بعقد الزواج لأنها قد تفسده.


ومع اختلاف الفقهاء في ضرورة علم المرأة قبل النظر إليها، فإن النظر إليها من غير علمها إن كانت ممن يخرج للعمل ونحوه أفضل، حتى يراها من يريد خطبتها على طبيعتها، فإن أعجبته على هذه الحال اشتد إعجابه بها إن هي تزينت له بعد الزواج، وإن بقيت على حالها فقد رضيها من قبل على هذه الحال، أما إن لم تعجبه فلن تؤذى الفتاة في مشاعرها، لأنها لم تعلم أن شخصا من بين من تقابلهم في طريقها يتعمد النظر إليها، وبطبيعة الحال للفتاة كل الحق في النظر لمن تعلم أنه يريد خطبتها بنفس ضوابط رؤيته لها.


وعليه، فالتفريط والإفراط كلاهما يضر بمقصود الخطبة ويتصادم مع الشرع، فرؤية الأم أو الأخت ونحوهما غير كافية في زماننا؛ لاختلاف الأذواق وتباين تقدير الجمال بين الرجال والنساء، وبين النساء والنساء، وبينهما وبين الرجال، فربما ترى امرأة الفتاة جميلة ولا تراها أخرى كذلك، والأمر نفسه عند الرجال؛ حيث ترى بعضهم يهيم بفتاة ويسطر فيها قصائد شعر، بينما لا يرى فيها آخرون جمالا، ثم إذا كانت رؤية الفتاة المراد خطبتها تصح بالوكالة، فماذا عن حق المخطوبة في رؤية خاطبها، أم أن الحق للرجل دونها؟! والأمر نفسه في الرؤية بعرض الصور ولا سيما بعد تطور التقنيات وإمكانية التلاعب في الصور بتحسينها أو تقبيحها من قبل المصورين، مما لا يعكس تصورا حقيقيا في غالب الأحيان، هذا إن افترضنا أن من صوّر الفتاة امرأة مثلها أو أحد محارمها، أما إن كان المصور رجلا يمتهن التصوير، فالأمر جد غريب؛ فكيف يجيزون للأجنبي النظر إليها لتصويرها ويمنعونه عن الخاطب الذي يرغب في الزواج منها؟