للأشقاء العرب: الصدام لن يخدم السعودية ولا مصر.. وسيضر العرب

12/10/2016 - 1:11:35

بقلم - عبدالقادر شهيب

لأول مرة لم أكن أود أن أكتب فى موضوع محدد، ووجدت نفسى مضطرًا للكتابة فيه!


أنا هنا أعنى موضوع الخلاف المصرى السعودى حول التصويت على مشروع القرار الروسى المقدم لمجلس الأمن بخصوص سوريا، حيث صوتت مصر بتأييد هذا المشروع كما فعلت بالنسبة لمشروع القرار المقدم من فرنسا، وهذا ما أثار ضيقًا سعوديًا جعل مسئولاً سعودياً، هو المندوب السعودى بمجلس الأمن، يخرق ما تتسم به السياسىة السعودية من تحفظ، ويقوم بتوجيه انتقاد علنى لموقف مصر متهما إياها بأنها لا تعبر عن الموقف العربى، بينما فعلت ذلك دولة غير عربية مثل ماليزيا ونيجيريا.


وحتى بعد هذا التصرف المفاجئ والصادم للمندوب السعودى فى مجلس الأمن والذى شجع مندوبة قطر أن تحاكيه لم أتحمس للكتابة فى هذا الأمر، وتداعياته على علاقة هى بطبيعتها استراتيجية بين مصر والمملكة العربية السعودية.. لأننى حريص على هذه العلاقة التى لا تخدم طرفًا واحدًا فقط، وإنما تصب فى مصلحة الطرفين، بل العرب كلهم، وتمثل ضرورة للأمن القومى، راهنت على اتسام القادة والمسئولين فى كلا البلدين بالحكمة والعقل لاحتواء أية خلافات أو تباينات فى الرؤى والمواقف.


فإن الذى جعل القيادة المصرية حريصة على ألا تسىء للعلاقة المصرية الأمريكية فى ظل التصعيد الذى قامت به واشنطن ضدنا بعد الثالث من يوليو ٢٠١٣، سيجعلها أكثر حرصا فى الحفاظ على متانة وقوة العلاقة بين مصر ودولة شقيقة مهمة مثل المملكة العربية السعودية، وإذا كنا قد اكتفينا رسميًا للرد على وقف وتجميد المساعدات العسكرية الأمريكية بتوجيه الشكر للأمريكان على ما سبق أن قدموه لنا من مساعدات من قبل، فإننا فعلنا ذات الشىء عندما تأخرت الكمية الشهرية من المواد البترولية التى تعهدت بها السعودية بتوفيرها لمصر خلال زيارة الملك سلمان للقاهرة، فقد سارعنا بعد أيام قليلة بالاعتماد على أنفسنا بتدبير هذه الكمية من خلال الإعلان عن مناقصة لهذا الغرض.


كذلك فإن الذى جعل القيادة السعودية تكبح جماح ردود أفعالها تجاه قانون جاستا الأمريكى الذى لا يهددها فقط بخسارة موارد مالية هائلة وضخمة تستثمرها أو تحتفظ بها فى أمريكا، وإنما تهدد علاقة تاريخية بينها وبين أمريكا، فإن المنطق يفرض على المملكة أن تلتزم ذات الحكمة والعقل طبقا لوصف كُتاب سعوديين فى أمر اختلاف الرؤى والمواقف بخصوص التصويت المصرى فى مجلس الأمن لصالح مشروع القرار الروسى وأيضًا مشروع القرار الفرنسى، رغم أن مصر كانت تعرف مسبقًا أن كلا القرارين لن يحظيا بموافقة المجلس، وأن الأمر لا يعدو أن يكون كما قال مندوبنا فى مجلس الأمن هو لا يعدو مجرد تسجيل مواقف فقط، وليس حماية السوريين الذين يتعرضون للقتل والتشريد، والحفاظ على كيان ووحدة الدولة السورية التى صارت مسرحا لحرب بالوكالة لأطراف دولية وإقليمية.


ولكن..


أخشى أن يتجاوز الأمر حدود العقل والحكمة فى ظل انضمام شخصيات سعودية أخرى للمندوب السعودى فى مجلس الأمن لما هو أكثر من انتقاد التصويت المصرى فى مجلس الأمن لصالح المشروع الروسى، أو لما يمكن أن يعتبره المواطنون المصريون معايرة سعودية على ما قدمته المملكة من دعم سياسى ودبلوماسى وخاصة اقتصادى لمصر بعد الثالث من يوليو ٢٠١٣، حينما سعت أمريكا ودول غربية أوربية لفرض عزلة على مصر بدعوى الإطاحة بالإخوان، وهو أمر قد يعكر صفو امتنان شديد يحتفظ به المصريون للأشقاء فى السعودية ويثير شكوكهم فى أنه كان دعما مدفوع الثمن ولو كان هذا الثمن مؤجلًا فى شكل الالتزام بكل المواقف والرؤى والتصرفات السعودية، وهو ما قد يؤثر بالسلب على علاقة استراتيجية بين مصر والسعودية يحتاجها كل منهما ويحتاجها كل العرب وتعد ضرورة للحفاظ على الأمن القومى العربى.


لقد لمست انفعالا وغضبًا ليس مفهوما من الأشقاء السعوديين فى ظل معرفتهم بالموقف المصرى بكل تفاصيله تجاه سوريا، وهو الموقف الذى عبر عنه الرئىس عبدالفتاح السيسى فى كلمته خلال اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة حينما حدد المطلوب فى سوريا الآن بالوقف الفورى الشامل لكل الأعمال العدائية فى جميع أنحاء سوريا، يمهد لحل سياسى يحقن الدماء ويحفظ وحدة سوريا وسلامة مؤسسات دولتها، ويحقق طموحات السوريين، ويمنع استمرار الفوضى التى لم تؤد إلا إلى تفشى الإرهاب، ولذلك صوتت مصر لصالح كل من مشروع القرار الروسى ومن قبله مشروع القرار الفرنسى، لأن بعض ما تطالب به تضمنه كلا المشروعين.. وقد لا يرون ذلك للأشقاء السعوديين الذين يستهدفون أساسا التخلص من نظام بشار الأسد.. لكنهم مدركون ومبكرًا أن كلا من الموقف المصرى والموقف السعودى لا يتطابقان وإن كانا يشتركان فى الكثير وفى مقدمتها الوقف الفورى والعاجل لكل الأعمال العدائية وحقن الدماء وتحقيق طموحات السوريين.. فلماذا الوقوف الآن أمام خلاف فى بعض المواقف تجاه سوريا، ومحاولة استنطاق الموقف الذى اتخذته مصر تجاه مشروع القرار الروسى أمورًا خطيرة أقلها التشكيك فى التزام مصر بالموقف العربى تجاه سوريا، رغم أن هذا الموقف العربى يتضمن فى ثناياه عدم تطابق كامل مع الموقف السعودى، وأكبرها وأخطرها التشكيك فى صدق ما أعلنته مصر عن أن أمن الخليج هو جزء من أمنها القومى، وأنها ستدافع عن أى دولة عربية خليجية تتعرض لعدوان عسكرى، وهو ما يعرف اختصارًا بشعار “مسافة السكة” الذى أطلقه الرئيس عبدالفتاح السيسى.


هنا الأمر يحتاج لوقفة انتباه حتى لا نتورط فى صدام لن يفيد أحدا منا سواء مصر أو السعودية أو كل العرب.. ولذلك عدلت عن رأيى وقررت أن أكتب فى هذا الموضوع إسهاما فى احتواء خلاف أخشى أن يتسع أكثر بفعل انفعال وغضب.. وهذا أمر لن يستفيد منه سوى من يتربصون بنا، سواء من القوى الدولية أو القوى الاقليمية، خاصة أن التحديات التى تواجه البلدين كبيرة وخطيرة.. حيث تخوض حربا ضد الإرهاب.. وتواجه فى ذات الوقت مشاكل اقتصادية حادة ومؤرقة، ومحاولات غربية وأمريكية لإعادة دمج الإخوان فى العملية السياسية، فيما تخوض السعودية حربًا فى اليمن لا يلوح فى الأفق احتمال انتهائها قريبًا، بل العكس هناك نذر باتساعها واستمرارها طويلًا، وفى ذات الوقت تعانى المملكة من ضغوط اقتصادية ناجمة عن انخفاض الأسعار العالمية للنفط، وتهديدات بالاستيلاء على أموالها التى تستثمرها وتحتفظ بها فى أمريكا بعد قانون جاستا، ناهيك عن خطر الأطماع الإيرانية فى منطقتنا الذى يتسع ليشمل كل دول المنطقة وليست الدول الخليجية وحدها.


وأنا لا أكتب هنا منبهًا ومحذرًا من تورطنا فى صدام مصرى سعودى، حرصًا على مساعدات اقتصادية قدمتها ومازالت تقدمها لنا مع دول خليجية شقيقة أخرى مع المملكة العربية السعودية.. فهذا آخر أمر يشغلنى.. لأن مصر تحتفظ بالامتنان لهذا الدعم السعودى والخليجى، تدرك أنها تحتاج للاعتماد على الذات لإصلاح أحوالها الاقتصادية.. وهى شرعت فى ذلك بالفعل.. فهى تعى أن أية مساعدات لا يمكن أن تدوم وتستمر، وهذا ما قاله الرئيس السيسى للأمريكان عندما أوقفوا مساعداتهم العسكرية لنا.. شكرهم على ما قدموه لنا من قبل وقال لهم سوف نعتمد على أنفسنا وفعل ذلك بالفعل بتنويع مصادر السلاح.. لقد كتبت مبكرًا فى منتصف الثمانينيات من القرن الماضى أقول نحن نستطيع الاستغناء عن المساعدات الأمريكية، ورغم أن ذلك أغضب الأمريكان فقد كررته قولًا وكتابة كثيرًا،لأننى موقن أن مصر لن يبنيها إلا المصريون مثلما فعلوا ذلك من قبل وأهدوا العالم أقدم حضارة فى التاريخ، وأيضًا مثلما فعلوا فى العصر الحديث أكثر من مرة.


ولكننى أكتب منبهًا ومحذرًا من أن يسوقنا الانفعال والغضب إلى صدام لا تحمد عقباه لأننى أعى أهمية وجود علاقة قوية ومتينة بين مصر والسعودية.. علاقة تقوم على التوافق وليس التطابق فى الرؤى والمواقف.. فإن التطابق فى الرؤى والمواقف أمر يتعذر تحقيقه بشريًا فى ظل ذلك التنوع الذى وهبنا الله إياه.. فحتى البلد الواحد لا يحدث فيه تطابق فى رؤى ومواقف مواطنيه، فكيف تطلب ذلك بين بلدين مثل مصر والسعودية.. وهذا أمر تفهمته مصر وأتمنى أن يتفهمه الأشقاء فى السعودية أيضًا.


لقد تفهمت مصر فى ظل تزايد إحساس الأشقاء فى السعودية بالخطر الإيرانى بعد اتفاق مجموعة (٥+١) معها بخصوص ملفها النووى والذى اعترف لها بمشروعها النووى وأنهى العقوبات الاقتصادية، عليها أن تسعى السعودية لتقوية علاقاتها مع تركيا التى يناصبنا رئيسها العداء ولا يقدم فقط ملاذًا آمنًا لقادة وكوادر الإخوان، وإنما يمنحهم الدعم لكى يستمروا فى ممارسة العنف ضدنا والنيل من استقرار بلادنا.. تفهمنا حاجة السعودية لعلاقة مع تركيا، خاصة بعد أن طال أمد الحرب فى اليمن نظرًا للدعم الذى يلقاه تحالف الحوثيين وعلى عبدالله صالح من إيران فيها، وهو ما زاد من الضغوط على الأشقاء فى السعودية.. حتى العتاب لم نمارسه مع الأشقاء السعوديين، سواء على توثيق علاقاتهم بتركيا، أو على ما انتهجوه من سياسات فى اليمن حينما مدوا جسورًا مع إخوان اليمن.


إيضًا لقد تفهمت مصر انتهاج المملكة العربية السعودية مواقف تتباين عن المواقف المصرية تجاه ليبيا، وهى المواقف التى تجمع ما بين تأييد البرلمان والجيش الليبى، ودعم حكومة الوحدة الوطنية مع مطالبة حصول هذه الحكومة بعد إعادة تشكيلها على دعم البرلمان الليبى.. ولم يخرج مسئول مصرى واحد كبير أو صغير ينتقد أو حتى يلوم اتخاذ السعودية مواقف لا تتطابق مع الموقف المصرى، رغم أن ليبيا بالنسبة لمصر تمثل أهمية أكبر مما تمثله سوريا بالنسبة للسعودية.. فإن مصر وليبيا تجمعهما حدودًا مشتركة، وفيها تعرض ومازال يتعرض مصريون للملاحقة والقتل عبر هذه الحدود يتم تهريب العناصر الإرهابية والأسلحة والمتفجرات لدعم التنظيمات الإرهابية فى مصر، ومن بينها جماعة الإخوان التى عضدت اليد السعودية -كما قال سعوديون- التى امتدت لها فيما مضى بالمساندة والدعم.


كذلك تفهمت مصر تباين علاقاتنا مع دول كبيرة عن علاقة السعودية معها مثل العلاقة مع روسيا.. حيث تسعى مصر للانفتاح على كل القوى عالميًا ونسج علاقات تعاون معها تفيدنا مثلما تفيد هذه القوى، ولم تطالب مصر أية دولة عربية أن تحاكيها فى علاقاتها مع روسيا التى كانت تعد هى المصدر رقم واحد للسائحين الأجانب، وتضررت مصر اقتصاديًا بعد توقف السياحة الروسية، كما ستتعاون روسيا مع مصر فى تنفيذ حلمها النووى بإقامة أول محطة نووية لإنتاج الكهرباء فى الضبعة.. لم يحدث ذلك رغم أن مصر تدرك حاجة السعودية أيضًا لروسيا، وهو ما ترجمه الاتفاق الذى وقعه البلدان على هامش مجموعة العشرين منذ أسابيع حول السيطرة على إنتاج البترول، ومن قبله اتفاق آخر لبناء روسيا محطات نووية فى السعودية.


إذن الحفاظ على التوافق هو ما نحتاجه فى ظل الوعى باستحالة التطابق بيننا فى المواقف والرؤى والسياسات.


وبدلًا من أن نطيح بهذا التوافق ونقضى عليه ونندفع فى طريق الخلافات التى قد تقودنا إما إلى قطيعة أو تصادم فلنسع لزيادة مساحة هذا التوافق.. هذا فى مصلحة الجميع.. فى مصلحة مصر وفى مصلحة السعودية وفى مصلحة كل العرب.


كلنا نحتاج لأن نكون متطابقين فى مواجهة تهديدات ضخمة ليس فقط لأمننا القومى وإنما لوجودنا ووجود دولنا موحدة متماسكة.. وأعتقد أن الأشقاء فى السعودية يعلمون ما تسرب عن مخططات تستهدف تقسيم عدد من الدول العربية من بينها المملكة العربية السعودية، خرائط منطقتنا بدولها الجديدة ثم نشرها منذ شهور فى إحدى الصحف الأمريكية وشملت تقسيم المملكة العربية السعودية إلى خمس دول وليبيا والعراق وسوريا إلى ثلاث دول.


لذلك انتبهوا.. ولا تقعوا أسرى فى الانفعال الذى يضر ولا ينفع ولا يخدم سوى الطامعين فينا وفى منطقتنا والذى سيقود هذه المنطقة للوقوع أسرى للهيمنة من قوى دولية وإقليمية ويفرض عليها حكامًا فاشيين ومتطرفين دينيًا ومستعدين للتفريط فى كل شىء بدءًا من الكرامة وحتى الأرض.