أزمة جديدة فى العلاقات المصرية السعودية هل فعلا السنغال وماليزيا أقرب من مصر للسعودية؟ .. وهل المساعدات الخليجية مبرر لتحول مصر عن التزام

12/10/2016 - 1:12:55

بقلم - السفير: د.عزمى خليفة

تحتفل مصر والأمة العربية هذا الأسبوع بالعيد – وليس الذكري، فالذكرى للأموات وليس للأحياء- الثالث والأربعين لنصر أكتوبر المجيد، الذي جسد إرادة الأمة العربية في أقوي صورها في ٦ أكتوبر ١٩٧٣، بعد أن أحيا مؤتمر القمة العربي بالخرطوم في نوفمبر١٩٦٧ هذه الإرادة، فكان تجسيد هذه الإرادة العربية في ١٩٧٣ خير دليل على أهمية التعاون العربي العربي لتحقيق المعجزات التي تبلورت في تصنيف القوة العسكرية العربية دوليا في الترتيب السادس في أعقاب هذا النصر.


المتابع لتاريخ العلاقات المصرية السعودية يلاحظ أنها تتأرجح عبر هذا التاريخ فى حركة بندولية بين العلاقات الودية فى أقصى اليمين، والعلاقات الفاترة فى منتصف حركة البندول وصولا إلى العلاقات السيئة فى أقصى اليسار، ولكنه يلاحظ فى نفس الوقت أن الدولتين حريصتان على عدم إدخال أطراف وسيطة بينهما مهما كانت العلاقات سيئة، وأنهما حريصتان أيضا عبر هذا التاريخ على الوصول بهذه العلاقة إلى بر الأمان وبفضل جهودهما الذاتية.


أولا: أزمات متتابعة وتسويات جاهزة


لتأكيد ما سبق علينا تذكر أنه فور وضع حدود سايكس – بيكو بعد الحرب العالمية الأولي، وتفكك دار الخلافة الإسلامية ممثلة فى الامبراطورية العثمانية، وكان اتجاه تركيا خلال حكم أتاتورك إلى العلمانية والتمسك بفكرة التحديث على الطريقة الغربية إيذانا ببدء صراع مكتوم طمعا فى إعادة بناء الخلافة الإسلامية، فلم يكن الفكر السياسى قادرا فى تلك اللحظة على الخروج خارج إطار الرابطة الإسلامية، وكان هذا الصراع بين بين ثلاثة عروش فى المنطقة هى العرش السعودي، والعرش المصري، والعرش الهاشمي.


ومع إنشاء الجامعة العربية بفضل تضافر جهود سبع دول عربية تجدد التنافس بين مصر والسعودية حول استضافة مقر الجامعه إلا أن الملك فاروق فى ذلك الحين أصر على أن تكون بالقاهرة وأعلن تبرعه بالمقر وقد كان له ما أراد، إلا أن الخلاف بين الدولتين ما لبث أن تجدد مع اندلاع ثورة ١٩٥٢ لأسباب عديدة كان أبسطها خشية السعودية من امتداد نيران الثورة ومبادئها الستة إلى البر الشرقى من البحر الأحمر خاصة مع تواجد أعداد كبيرة من الطلاب السعوديين فى القاهرة فى ذلك الحين.


ثم تجدد الخلاف مرة أخرى بسبب حرب اليمن وبعد إقامة النظام الجمهورى فى اليمن، إلا أن أزمة اليمن انتهت فى مؤتمر القمة العربية فى الخرطوم عام ١٩٦٧، بل وتم سحب الجيش المصرى من اليمن مقابل التزام السعودية بعلاقات حسن جوار مع الجمهورية الوليدة، بل وتم تقسيم أعباء المعركة بين دول المواجهة ودول التصدي.


وخلال الفترة الأخيرة تلاحظ وجود خلافات مصرية سعودية، خرجت إلى العلن نتيجة خروج بعض التسريبات من مكتب الرئيس تمس الأوضاع الاقتصادية فى الخليج، واقترح أحد الكتاب السعوديين قصيرى النظر إلى معالجة الأزمة بالمثل أى بتسريبات غير رسمية، وهو ما رفض فى حينه وانتهت الأزمة ثم تجددت الأزمة بشأن إنشاء القوة العربية التى اتفق على تكوينها فى قمة شرم الشيخ، وطلب السعودية وبعض دول الخليج تأجيل التوقيع على البروتوكول الخاص بإنشاء القوة قبل هذا التوقيع بساعات ثم تجددت الأزمة أثر تصريحات لم تكن مطلوبة منسوبة للسفير السعودى بالقاهرة أحمد القطان أن السعودية هى التى تقود الأمة العربية، ولم يكن الموقف يستحق مثل هذه التصريحات، كما أن مفهوم الدولة القائد طرأ عليه تغييرات عديدة لانتشار القوة فى النظام العالمى وفى النظم الإقليمية انتشارا يحول دون قيام دولة واحدة بقيادة أى نظام وخاصة النظام الإقليمى العربي، ثم تجددت الأزمة أثر مقابلة تمت بين وزير خارجية مصر ووزير خارجية إيران على هامش اجتماعات الجمعية العامة وهى مقابلة لم تسفر عن أى جديد على مستوى العلاقات بين الدولتين.


ثانيا: الأزمة حول سوريا واليمن وتبعات العرب فى غنى عنها


بالرغم من ذلك فعلينا جميعا تذكر أنه حينما صدر قانون “العدالة ضد رعاة الإرهاب” المعروف باسم جاستا اتخذ الاعلام المصرى عامة موقفا معتدلا أشبه إلى حد كبير بالحملة العسكرية المعروفة باسم عاصفة الحزم، فقد وقفت مصر إلى جانب السعودية بطبيعة الحال باعتبارهما ضمن القوى الأربعة الرئيسية فى النظام الإقليمى العربى إلى جانب كل من الجزائر وسوريا أو العراق وفقا للعلاقات التى تحكم أوضاعهما فى الشام، إلا أنه كان واضحا اتفاق مصر والسعودية على أسلوب لممارسة التأثير والنفوذ بما يتناسب والتزاماتهما العربية، فلم تقبل مصر منذ اللحظة الأولى وضع أى جندى مصرى على أراضى اليمن الشقيق، واكتفت بالمشاركة البحرية بالدرجة الأولى لتأمين حرية الملاحة فى باب المندب لصالح السلم ليس العربى فقط وإنما العالمى ايضا ولإيمانها بعدم جواز توجيه سلاح أى جندى مصرى إلى شقيقه العربى مع المحافظة فى نفس الوقت على متطلبات الأمن القومى العربى فى معناه الواسع، ولذا ساهمت فى المناورات العسكرية التى نظمتها السعودية لتأكيد وقوفها إلى جانب السعودية فى رسالة واضحة لإيران. أيضا فيما يتعلق بالموقف من تطور الأحداث فى سوريا، فقد اتخذت مصر موقفها وفقا لمتطلبات الأمن القومى العربى على أساس خمسة مبادئ أساسية هى احترام وحدة الأراضى السورية، واحترام إرادة الشعب السورى فى اختيار قيادته التى تحكمه وفى اختيار النظام السياسى الذى يتبناه، وإيجاد حل سياسى للأزمة السورية، فالحرب والاحتكام إلى السلاح لا ينبغى أن يكون وسيلة للتعبير عن الرأى فى العملية السياسية، والمبدأ الرابع هو نزع سلاح الميلشيات والجماعات المتطرفة الموجودة فى سوريا، وأخيرا ضرورة إعادة إعمار سوريا بما فى ذلك ضرورة إعادة تفعيل المؤسسات السياسة.


وبالرغم من ذلك فقد جاءت جلسة مجلس الأمن السبت الماضى لمناقشة تطورات الأزمة السورية، فعرض على المجلس مشروعين لقرارين أولهما فرنسى استخدمت روسيا ضده حق النقض أو الفيتو، رغم تهديد المندوب الدائم الفرنسى بالمنظمة الدولية بعزل روسيا اذا استخدمت حق النقض، وهى المرة الخامسة التى تستخدم روسيا فيها حق النقض خلال مناقشات الأزمة السورية منذ عام ٢٠١١، وكانت آخر مرة تستخدم روسيا فيها حق النقض فى الأزمة السورية عام ٢٠١٤ حينما حاولت واشنطن محاكمة مجرمى الحرب فى سوريا أمام المحكمة الجنائية الدولية، مما يؤكد الإصرار الروسى على موقفه، والثانى كان روسيا ورفضته واشنطن والدول الغربية بأغلبية ١١ صوتا ورفضته دولتان هما فنزويلا وروسيا، وامتناع دولتين عن التصويت وهما انجولا والصين بمعنى آخر أن مصر أيدت هذا المشروع كما أيدت المشروع الروسى ايضا.


وكان الخلاف بين توجهات المشروعين واضحا فيه عدم إمكانية التوفيق بينهما، فقد دعا مشروع القرار الفرنسى إلى وقف إطلاق النار فى حلب، وفرض حظر للطيران فوق المدينة وإيصال المساعدات الإنسانية إلى السكان المحاصرين فى الأحياء التى تسيطر عليها المعارضة السورية بالمدينة، وكما أوضح وزير الخارجية الفرنسى جان جاك ايرولت الذى حضر الجلسة فإن مشروع القرار الفرنسى استهدف “ ضرورة قيام المجتمع الدولى باتخاذ قرارات صعبة حتى لا يفلت مجرمو الحرب من العقاب “، مضيفا أن “من يتواطأ مع النظام السورى عليه أن يتحمل العواقب “وذلك فى إشارة واضحة لروسيا، الذى أوضح مندوبها الدائم الذى تتولى بلده حاليا رئاسة جلسات مجلس الأمن طوال شهر أكتوبر الجارى أن مشروع القرار الروسى يستهدف “امتثال أعضاء المجلس للمسار الإنسانى والسياسى وإعادة إطلاق العملية السياسية” مؤكدا أن القرار الفرنسى يتضمن عناصر غير واضحة مثل ارتباط حظر الطيران بغرب حلب فقط وليس شرقها” وهى المناطق التى تسيطر عليها المعارضة والجماعات المتطرفة.


وقد حصل القرار الروسى على أربعة أصوات فقط هى روسيا والصين وفنزويلا ومصر ورفضته ٩ دول مع امتناع دولتين عن التصويت، بمعنى أن واشنطن لم تكن فى حاجة لاستخدام الفيتو ضده لأن إقرار المشروع يحتاج لموافقة ٩ أعضاء بينهم الخمسة أعضاء دائمى العضوية.


ورغم إشارة المشروع الروسى إلى توافق ٩ سبتمبر الماضى بين روسيا وأمريكا الذى كان يقضى بوقف إطلاق النار فى سوريا – وليس جزء معين من حلب تسيطر عليه المعارضة والجماعات المتطرفة المسلحة- وهذا الإيقاف لإطلاق النار يقوم على أساس تجريبى لمدة ٤٨ ساعة قابلة للتجديد وبعد صموده لمدة أسبوع كامل يبدأ التنسيق الكامل بين الولايات المتحدة وروسيا فى قتال تنظيم الدولة الإسلامية داعش وجبهة فتح الشام، كما تضمن الاتفاق السماح بوصول المساعدات للمناطق المحاصرة، إلا أن واشنطن والغرب لم يقبلوه، وتقدموا بمشروع قرار يغير قواعد اللعبة فى سوريا.


ومنذ إعلان النظام السورى انتهاء الهدنة بعد أسبوع من بدايتها فى ١٩ سبتمبر الماضى فإن قواته تشن بمساعدة الطائرات الروسية حملة جوية متواصلة على أحياء حلب الخاضعة لسيطرة المعارضة وجماعات التطرف فى شرق حلب.


ثالثا: لغز موقفى الصين ومصر


انتهت جلسة مجلس الأمن السبت الماضى بالفشل فى اتخاذ قرار ينهى المأساة السورية كما كان متوقعا وفقا لبيانات المندوبين الدائمين للدول أعضاء المجلس، وكان الملفت للنظر من الناحية الدولية والسياسية موقف الصين من القرارين أو المشروعين، ففى حين أنها امتنعت عن التصويت على القرار الفرنسى فى تباين واضح لموقفها عن روسيا التى استخدمت ضده حق النقض أو الفيتو إلا أن بكين قامت بالتصويت لصالح القرار الروسى إلى جانب فنزويلا ومصر وروسيا.


وقد لجأت لهذا النمط من التصويت بالتنسيق مع روسيا وهو أمر منطقى بعد تأكدها من فشل المجلس فى تمرير المشروع الفرنسى لاتجاه روسيا لاستخدام حق النقض ضده، ومن ثم فهذا النمط من التصويت يبعدها شكليا عن روسيا وإن كانت قد اكدت انحيازها لروسيا بالتصويت لصالح المشروع الروسي.


أما الملفت للنظر محليا وعربيا فقد كان الموقف المصرى الذى صوت لصالح القرارين رغم تعارض توجهاتهما السياسية، الا أن اللافت ايضا للانتباه أن مواقع التواصل الاجتماعى وبعض الصحف تناولت الأمر دون أن تتحرى الدقة ودون أن تستوعب آلية اتخاذ القرار فى المنظمة الدولية، فقد ركز الجميع على تعارض مشروع القرار خاصة فى ظل هجوم المندوب السعودى والمندوب القطرى – بطبيعة الحال – على الموقف المصرى دون أدنى اهتمام بالبيان الذى ألقاه السفير عمرو ابو العطا مندوب مصر الدائم فى الأمم المتحدة، فقد ألقى بيانا جيدا شرح فيه أسباب التصويت لصالح القرارين وهذ حق يكفله مجلس الأمن لشرح تصويت الدول وأشار السفير عمرو إلى أن القرار الفرنسى به عناصر أيدتها مصر وأن القرار الروسى به عناصر أخرى تؤيدها مصر، فقد أيد فى مقدمة شرحه لموقف مصر أن مصر كانت تدرك مسبقا “الفشل الحتمى للمشروعين الفرنسى والروسى لكنها فضلت التصويت لصالحهما معا لانها لم تكن تستهدف سوى التعبير عن ضيقها ذرعا من التلاعب بمصائر الشعوب العربية بين القوى المؤثرة بالمنطقة”، والجدير بالذكر أن السفير الفرنسى والسفير الروسى كانا قد أعربا قبل التصويت عن عدم إمكانية تبنى أى من المشروعين أيضا وقبل التصويت عليهما، بمعنى أن التصويت على مشروعى القرارين جاء فى إطار تكسير العظام وإدارتها وليس حلها، فالغرب حاول عزل روسيا ومؤيديها لعله يصيبه اليأس من استمرار دعمه للأسد فيتخلى عنه فاسحا الطريق لتدخل أمريكى غربى صريح، أما القرار الروسى فقد كان مجرد مناورة دبلوماسية روسية ايضا لموازنة الموقف الغربى وتأكيد تخلى الولايات المتحدة عن اتفاق٩ سبتمبر الماضى لحاجتها لتعديل الأوضاع على الأرض.


كذلك فإن طرح روسيا على المجلس لمشروع قرار يتعارض والمشروع الفرنسى جاء بمثابة مناورة دبلوماسية تستهدف” محلك سر” أى عدم اتخاذ أى إجراءات أى ترتيبات جديدة لأن المعارضة السورية المدعومة بجماعات التطرف المعنف – وبالمناسبة هذه هى الترجمة الدقيقة لمفهوم The Violent Radical Groups التى يستخدمها الغرب اليوم لتيارات الاسلام السياسى التى تحمل السلاح لحسم العملية السياسية لصالحها مثل داعش والنصرة أو فتح الشام حاليا – فى حلب محاصرة بقوات برية ويتم ضربها جوا.


هذا الموقف لنمط التصويت المصرى كان موضع انتقاد من السعودية وهو أمر سنتناوله، ومن قطر بطبيعة الحال التى مازالت تائهة تبحث لنفسها عن دور فى خضم التحولات والقوى التى تتجاذب سوريا، ولذا سأهمل ما ذكرته المندوبة الدائمة القطرية علياء آل ثانى لأنه ينم عن عدم إدراكها لاليات عمل الامم المتحده أكثر مما يمس مصر.


فقد وصف المندوب الدائم السعودى عبد الله المعلمى هذا التصويت “بالمؤلم” مضيفا أنه “كان مؤلما أن يكون الموقف السنغالى والماليزى أقرب إلى الموقف التوافقى العربى من موقف المندوب العربى المصرى “وأضاف أنه يرثى لموقف الدول التى أيدت المشروع الروسى مؤكدا أن بلاده ستواصل دعمها للشعب السورى بكل الوسائل، كما وصف طرح روسيا لمشروع قرارها المضاد للمشروع الفرنسى واستخدامها الفيتو ضد المشروع الفرنسى بالمذلة مشيرا إلى أن المشروع الروسى لم يحصد سوى أربعة أصوات.


وقد ركزت الصحافة ليس على الخلاف المصرى السعودى ولكنها ركزت أساسا على خروجه إلى العلن خاصة وانه رغم تاريخ العلاقات بين الولتين إلا أن أيا من هذه الخلافات لم يخرج إلى العلن، فهل هذا الخلاف يختلف عن باقى الخلافات المصرية السعودية؟ خاصة وانه بافتراض تصويت مصر لمشروع القرار الفرنسى فقط فهل كان هذا سيغير مصير القرار الفرنسي؟ مؤكد لا؛ لأن روسيا استخدمت ضده حق الفيتو، وهو ما يؤكد أن معركة السبت الماضى فى نيويورك لم تكن اكثر من معركة تكسير عظام بين القوى الحاكمة للصراع فى سوريا، التى تتقاطع فيها الرؤى والمصالح فى ظل تعدد الأطراف التى تتعامل مع الملف السورى من المنطقة وخارجها، وأرى أن الحل الأقرب للواقعية السياسية لابد وان يستند إلى تفاهمات امريكية روسية مع ضرورة تحلى الأطراف الإقليمية ومن بينها السعودية طبعا بقدر أكبر من المرونة السياسية، ليس لإنقاذ سوريا فقط وانما حفاظا على سوريا موحدة وعلى شعبها الذى يرتبط بوشائج عديدة مع أمتنا العربية.


فما أسباب خروج هذا الخلاف المصرى السعودى إلى العلن؟


الاحتمال الراجح انه مرتبط بعدة عوامل هامة بعضها هيكلى خاص بطبيعة المرحلة الحالية التى تمر بها السعودية الشقيقة وهى عوامل فى غاية الأهمية لنظام الحكم السعودى نفسه، ومنها على سبيل المثال فارق المستوى الفكرى والمهنى الذى لاحظه الجميع على الجهاز الدبلوماسى السعودى بعد رحيل الأمير سعود الفيصل وبعد تغيير الأمير بندر فى السفارة فى واشنطن وانعكاس ذلك على ندرة البدائل التى يعتمد عليها هذا الجهاز سواء فى الشخصيات ام البدائل التى تطرح على القيادة السياسية.


ومنها أيضا الإدراك العام الشكلى الذى تولد لدى بعض الإخوة الصحفيين والإعلاميين والدبلوماسيين فى السعودية والقائم على مقايضة الثروة بالثورة مع مصر أى انه طالما أن مصر تأخذ مساعدات من السعودية فينبغى عليها السير فى ركابها دون قيد أو شرط، ولم يفطنوا إلى تجربة الدولتين فى اليمن التى توضح أن لمصر دائما خياراتها السياسية التى تتحكم فيها اعتبارات الأمن القومى العربي، فمصر ليست السنغال أو ماليزيا ولكنها بحكم السكان أكبر دولة عربية، وبحكم الدور التاريخى هى أكبر دولة عربية، وبحكم التفاعل السياسى مع جميع أطراف أمتنا العربية وجيراننا الشرق اوسطيين هى أكبر دولة عربية ومن ثم يصعب عليها ما لم يكن مستحيلا التخلى عن التزاماتها العربية.


بمعنى أن أسباب خروج الخلاف للعلن مرتبطة بتحولات تشهدها السعودية ومصر معا، وأغلب الظن أن القيادة السياسية السعوديه تدرك ذلك جيدا وانها حريصة على احتواء أى خلافات بقدر الإمكان ووضح ذلك فى ازمة اليمن التى تعاملت فيها القيادة السياسية المصرية مع القيادة السياسية السعودية، وهذا إن دل على شئ فإنه يدل على أن التغييرات الاستراتيجية التى تتعرض لها المنطقة العربية من الخطورة التى تجعل القيادتين حريصة على احتواء المخاطر وعدم إضافة مزيد من الخلافات العربية فى هذا التوقيت، بل ويمكن أن نشهد تحولات فى توجهات بعض الدول العربية حرصا على تعظيم الفتات الذى تبقى لنا جميعا من مؤشرات الأمن القومى العربى أملا فى إعادة بعث ما دفن نتيجة تحولات علمية عجزنا جميعا عن إدراك تأثيراتها على الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية.