مشـروع إيــــــران القـومى بين الواقع والحلم

12/10/2016 - 1:04:07

لواء د. مصطفى كامل محمد

تعتبر حرب أكتوبر ٧٣ من أبرز وأهم التحولات والمتغيرات، التى حدثت النسق الدولى والإقليمى فى منطقة الشرق الأوسط، وهو المتغـير الذى اتسم بسرعة وكثافة وتراكم تفاعلاته، فقد أدت العملية الهجومية “بـدر” إلى التغيير الحاد والمفاجئ فى المحتوى الفكرى للمنظور الجيوبوليتيكى الأمريكى، خاصة بعـد أن أدركت الولايات المتحـدة مدى تأثير الإرادة القومية المصرية فى إحراز النصـر بالرغم من ميل ميزان القوى لصالح إسرائيل، ومدى فاعلية التضامن العربى فى تحقيق هذا النصر، حيث أدركت الولايات المتحدة مدى خطورة تحول وتطور هذا التضامن إلى التنسيق والتعاون والتكامل فى بناء إستراتيجية عربية موحدة، عـندئـذ يُصبح التكتل العربى ليس فقط خطرا يُهدد إسرائيل فقط، بل يُصبح أيضا خطرا يُهدد مصالحها فى قلب العالم.


ولذك برزت فكرة وأهمية تفتيت العالم العربى لمنع العـرب للحيلولة دون تحقيق هذا الأمل المشود، فقامت الولايات المتحدة بالتخطيط لمشروع إعادة هيكلة وتشكيل الشرق الأوسط الكبير، القائم على تقسيم وتفتيت الدول العربية المركزية إلى كنتونات صغيرة وضعيفة بعـد تدمير البنى التحتية لهذه الدول خاصة ثروتها العمرانية لتشريد أهلها وجيشها، ثم توطين شعـوب هذه الكنتونات على أساس العرق أو الدين أو المذهب أو الطائفة، الأمر الذى سيؤدى إلى تعظيم الفرقة بينها، ومن ثم يتحول الصراع العربى الإسرائيلى إلى صراعات مذهبية وطائفية وعرقية، على أن يتم تقسيم المنطقة العربية إلى منطقتى نفوذ بين كل من تركيا وإيران.


ويشيـر الواقع إلى أن الإرادات السياسية للولايات المتحدة الأمريكيـة والقـوى الإقـليميـة غـيـر العـربية (إسرائيل وتركيا وإيران) قد تلاقت جميعها وتوحدت أهدافها حول أن تكون إيران هى الأداة الجديدة لتحقيق هذه الأهداف، فالولايات المتحدة تهدف إلى إعادة هيكلة وتشكيل الشرق الأوسط الكبير، بينما تهدف إسرائيل إلى إضعاف العربية إلى أدنى حد ممكن حتى تتمكن من إقامة إسرائيل الكبرى على الأرض، التى وهبها الرب لإبراهام (من النيل إلى الفرات أرضك يا إسرائيل)، أما إيران فتهدف إلى إحياء الإمبراطورية الفارسية الساسانية، التى عاصمتها بغـداد، بينما تهدف تركيا إلى إستعادة دولة الخلافة الإسلامية، فتوحد الأهداف يؤدى إلى التعاون، أما تفرق الأهداف فيؤدى إلى اللاتعاون.


ولتوضيح ذلك، فإنه ينبغى تحليل محتوى المنظـور الجيوبوليتيكى الإيـرانى أولا، حيث ظل محتوى هذا المنظور يتمحور حول الحفاظ على أو إحياء الإمبراطريـة الفارسية الساسانية وعاصمتها بغـداد حال اضمحلالها، حيث اضمحلت الإمبراطورية الفارسية بعـد الفتح الإسلامى مباشرة، ولإحياء الإمبراطورية الفارسية مرة ثانية، سعى الفارسيون أولا إلى السـيـطرة على مراكز صناعة القرار فى الدولة الإسلامية الوليـدة، وتمكنـوا من تحقيق ذلك فى الدولة العـباسية (البرامكة)، وتأكد هذا السعى فى فتـرة إيـران الشـاه، وترسخ بعـد تأسيس إيـران الـثـورة، فتأثـرت العـلاقات الإيـرانـيـة العـربـيـة بقضية هويـة الخـليـج إلى أن أصبحت هذه العـلاقات ذات طبيعة تصارعـية، إذ يمكن ملاحظة تمسك إيران بتسمية الذراع المائى الممتد فى المحيط الهندى “بالخليج الفارسى”، ولا شك فى أن هذه التسمية تحمل فى طياتها صراعا سياسيا ذا أبعاد إستراتيجية تتعلق بمفهوم السيطرة والهيمنة على منطقة الخليج بأسرها، وهـو ما يُؤكده استمرار احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث، التى تتحكم فى الخليج، وقيامها بتحديـد مياهها الإقلـيمـية لتغـطى مياه الخليج كله لتأكيـد هـويته الفارسية، ثم سعـيها الدؤوب لإمتلاك قدرات عسكرية ذات إمكانات تـسـلـيحية هائلة بما فى ذلك الامتلاك الـفعـلى لـلرادع الـنـووى، وهو ما يفـوق كثيرا متطلباتها الدفاعية، الأمر الذى يؤكد أن الغاية النهائية لإيران هى إحياء الإمبراطورية الفارسية واستعادة بجميع مكوناتها.


أما المنظور الجيوبوليتيكى الأمريكى فـقـد تمحور حول مشروع إعادة هيكلة وتشكيل الشرق الأوسط الكبيـر، القائم على تقسيم وتفتيت الدول العـربية المركزية إلى كنتونات صغيرة ضعيفة بعد أن يتم تدميـر البنى التحتية لهذه الدول خاصة الثروة العمرانية لتشريد أهـلها، وتجريدها من مصادر وعـناصر قوتها الشاملة، خاصة قدرتها العسكرية بتدميـر جيوشها، ثم توطين شعـوب هذه الكنونات على أساس العرق أو المذهب أو الطائفة، لزيادة الفرقة وبث الفتن بينها، وترسيم الحدود النهائية بينها وتصحيح حدود سايكس بيكو، وتحويل الصراع العربى الإسرائيلى إلى صراعات مذهبية وطائفية وعرقية، ثم تقسيم المنطقة العربية إلى مناطق نفوذ بين القوى الإقليمية غـير العـربيـة (إيران ـ تركيا).


وقد بدأت الولايات المتحدة بالعراق لتمكين إيران من تكون الأداة الجديـدة لتحقيق الأهداف، بعـد أن وضعت أزمة الخليج الأولى أوزارها، التى أشعـلتها الولايات المتحدة بنفسها، وتركت أقوى خصمين فى منطقة الخليج يتقاتلان فى حرب لا تبقى ولاتذر ولا تنتهى بغالب أو مغـلوب، ثم افتعلت بعـد ذلك أزمة الخليج الثانية، حين أوحت للعراق بغزو واقتحام الكويت، وقامت بعـد ذلك بتعـبئة الرأى العام العالمى، وحشدت تحالفا دوليا لم تشهده البشرية من قبل لتحرير الكويت، وقامت بغـزو العـراق بعـد أن ادعـت كذبا امتلاكه للرادع النووى، وتحت دعوى تخليصه من استبدادية نظامه الشمولى، وإقامة نظام ديمقراطى يدعـم الحريات وحقوق الإنسان، ثم قامت بتسريح الجيش العـراقى، الذى اكتسب خبرة وكفاءة قتالية عالية من حربى الخليج الأولى والثانية، وبنت جيشا بلا عـقيـدة، وقامت بعزل وإعدام الحاكم السنى الطاغـية وأتت بآخر يناصر الشيعة، وقسمت العراق عرقيا ومذهبيا بين الأكراد والسنة والشيعة، وتركته فى فوضى عارمة من الصعب إن لم يكن من المستحيل أن يتخلص منها، وأخيـرا مكنت إيران من السيطرة الكاملة على العراق.


وبالرغم من الخلافات والمتناقضات، التى قد تبدو واضحة فى معادلة العلاقات بيـن الولايات المتحدة، وإيران التى يفتعـلها الطرفان، إلا أن هذا التمكين قـد أحدث كثيـرا من الرضا فى طهران، حيث يُمثل العراق أهمية جيوستراتيجية كبرى لإيران، فهو يشاركها الإشراف والسيطرة عـلى الخليج العـربى/ الفارسى وبالتالى مضيق هـرمز وخليج عـمان، كما يعـتبـر العـراق الخط الفاصل بين القوميتين المتنافستين العـربية والفارسية، ومن الناحية السياسية، فإن إيــران تعـتبر العـراق جــزءا لا يتجزأ مـنـها، وأن بغـداد تُمثل عـاصـمة الإمبراطـوريــة الـفـارسيـة الساسانية، أما من حيث الناحية الاقتصادية فإنها تعـتبر العـراق بمثابة سهل الهضـبة الإيرانية، التى يمكن أن يـمـدهـا بالـمـنـتجات الزراعـية بما يحدث التكامل مع منتجات الهضـبة، بالإضافة إلى أن العـراق يمتلك مخزونا هائلا من الاحتياطى المؤكد من الزيت الخام، والذى يمكن أن تصبح به قوة اقتصاديـة كبيرة عـند إضافـتـه إلى مخزونها، كما يمثل العـراق أهمية خاصة من الناحـيـة الاجتماعـية، إذ يحـتـوى عـلى العـتبات الشيعـية المقـدسة، التى يحج إليها الشيعة الاثنى عشرية.


ويُشير الواقع أيضًا إلى أن الولايات المتحدة قد أدركت أنه من الصعـب إن لم يكن من المستحيل توجيه ضربة عـسكرية ضد منشآت إيران النووية، نظرا لحسن انتشار تمركزها وطبيعة تضاريس مناطق الإنتشار وتواجدها تحت الأرض، وربما تحول هذه الضربة منطقة الخليج العـربى إلى كـرة ملتهبة لا يستطيع من بداخلها إطفائها، ولا يستطيع من فى خارجها الإقـتـراب منها، وهو ما يُفسر لنا سرعة التوصل إلى ما يُعرف بالتسوية السلمية بشأن المسألة النوويـة الإيرانية، التى وصفها الرئيس الإيـرانى حسن روحانى بعـد ساعات قـليلة من بدء تـفعـيلـها بأنـها تُمثـل صفحة ذهـبيـة فى تاريخ إيران، بينما وصفها الرئيس الأكثـر فشلا فى إدارة أقـوى دولة فى العالم “بالتسوية التاريخية”، مبررا أن هذا الإتفاق يقطع كل السبل أمام إيران لإنتاج وامتلاك الرادع النووى إلى الأبـد، ولم يكن التوصل وتفعيل هذه التسوية إلا لتمكين طهران من تحقيق التفوق على القوى العربية فى منطقة الخليج، أو ما وصفهم أوباما بـ“السنة العـرب”، وأنهم يُمثلون “طائفة مذهبية”، ووجه الاتهامات تلميحا وتصريحا إلى حكامها بالدكتاتورية والفساد والتخلف وانتهاك حقوق الإنسان، بينما وصف إيران بالدولة الحضارية، التى تملك تاريخا عريقا، وقاعدة علمية وتعليمية صلبة، وشعبا راقيا.


ويشير الواقع إلى أن إيران تُعـتبر الرابح الأكبر إن لم تكن الرابح الوحيد من توقيع هذه التسوية، فـقـد اكتسبت سياسيا اعـترافا صريحا من القوى العـظمى والكبرى بأنها أصبحت قوة نووية، وسمح لها الاتفاق بالدخول للأسواق العالمية كمنتجة للطاقة النووية والنفطية، وهو ما سيمكنها من إقامة أنماط جديـد من العلاقات الدولية تسهم فى تعـظيم نفوذها إقليميا وعالميا، واكتسبت اقتصاديا رفع العـقوبات الاقتصادية واسترداد متجمداتها المالية وعوائدها، ونجحت عـسكريا فى الإبقاء على البنى الأساسية لجميع منشآتها النووية، سواء تلك التى تنتج الماء الثقيل أو التى تعـمل فى تخصيب اليورانيوم، ونجحت أيضا فى الإبقاء على قاعـدة صناعاتها الحربية الثقيلة خاصة المنتجة للصواريخ، عـدا تلك الحاملة للرؤوس النووية، وهو ما سيؤدى إلى دعم قدرات إيران العسكرية واختلال التوازن الإستراتيجى لصالحها أولا، ويُمهـد لها الطريق لتحقيق حلمها الدائم لإحياء الإمبراطورية الفارسية، تحت الراية الشيعـية ثانيا وهو الأهم.


ويشير الواقع المعاش إلى أن التسريب الذى حصلت عليه جريدة نيويورك تايمز بشأن اللقاء غير المعـلن بين كيـرى ومجموعة من السوريين الذين يُمثـلون أربع منظمات حقوقية فى دمشق، قـد كشف عن عمق الخلافات والتناقضات بين سياسات وأهداف الولايات المتحدة ومثيلاتها الإيرانية، والتى تتعلق بالأزمة السورية، إلا أن الحل القادم سيكون فى صالح تمكيـن طهران الكامل على سوريا، فى مقابل أن تتقبل طهران إبعاد النفوذ الروسى تمامًا عن سوريا، خاصة بعـد أن قامت الولايات المتحدة بتـدميـر الجيش السورى أو على الأقل بإضعافه إلى أدنى حـد ممكن، وبعـد أن قامت بتقسيم وتفتيت سوريا بما يتسق مع المحتوى الفكرى لمنظورها الجيوبوليتيكى، وفى هذا السياق فقد صرح رئيس جهاز المخابرات المركزية الأسبق بأنه (قـد بات من الصعـب أن تعـود سوريا دولة موحـدة مرة أخرى)، وربما تتنازل واشنطن عن هذا التقسيم بعـد أن أدركت رغبة طهران الشـديـدة فى الحفاظ على سوريـا موحدة، خاصة بعـد أن عـبَر “مهدى طائب”، رئيس مركز عـمَار الإستراتيجى الإيرانى عن مدى أهمية سوريا لإيران، حيث أشار “طائب” إلى أن سوريا تُعـتبر أهـم كثيرا من إقلـيـم خوزستان (الأهـواز)، بل إن سوريا تُعـتـبـر المحافـظـة الإيرانية رقم ٣٥، وأنـه لا يُمكن لإيران الإحتفاظ بطهران إذا ما سقطت دمشق، بينما يمكن أن تستعيد إيران إقليم “خوزستان” عـنـد سقوطه، حال احـتـفـاظها بدمشق، وأضاف أنه يتعـين عـلى إيـران إمداد سوريا بـ ٦٠ ألـف مقاتـل مدربين عـلى الـقـتال فى المدن، حيث يفـتـقـر الجـيـش السورى إلى هـذا الـنـوع من المقاتلين حتى لا تسقط دمشق، ومن جهة أخرى فإن سـوريـا تمثل أهمية خاصة لإيران من الناحية الجيوستراتيجية، إذ تُعـتبـر مـنـفـذها الوحـيـد على البحر المتوسط،، بالإضافة إلى ذلك فإن سوريا تُشرف إشرافا كاملا عـلى لبنان معـقل حزب الله الشيعى الفاعـل الوحـيـد عـلى الساحة اللبنانية.


وترتيبا عـلى ذلك، فإنـه يبـدو لى أن إيـران قـد اقتـربت كثيـرا من تحقيـق حـلمها الدائـم (إحياء الإمبراطورية الإيرانية الساسانية، التى عاصمتها بغداد)، وهو ما صرح به على يونسى مستشار الرئيس حسن روحانى فى منتـدى الهـويـة الإيرانية، الذى انعـقـد فى طهـران يوم الأحد ٨ مارس ٢٠١٥، بـأن إيران قد أصبحت بالفعـل إمبراطورية، كما كانت على مر تاريخها، وأصبحت غـيـر قابلة للتجزئـة مرة أخرى!، وعاصمتها حاليا هى بغـداد التى تُعـتبر مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا، وأن جميع دول الشرق الأوسط هى بلدان إيرانية كذلك وسوف ندافع عنها، كما يُعـتبـر هذا التصريح إشارة واضحة فاضحة إلى أن دول العالم العـربى فى منطقة الخليج تُعـتبـر من مكونات وممتلكات هذه الإمبراطوريـة، خاصة بعـد أن هيمنت إيران على أربع دول عربية هى لبنان (حزب الله)، واليمن (الحوثيون) لاستكمال تشكيل الهلال الشيعى، وسوريا (العلويون ـ حزب الله ـ الجيش الثورى)، والعراق وهو الأهـم، فهل يدرك العـرب ذلك؟


فإن أدرك العـرب ذلك، وأدركوا أنهم أصحاب الحق الحـقـيـقـيـون فى هذه المنطقة، فعـليهم أولا نبـذ الخلافات وإحلال الفعـل محل رد الفعـل، وعليهم ثانبا أن يتمكنوا من استخدام ثرواتهم ومواردهم بـدلا من إهـدائها للآخريـن كمواد خام، وعـليهـم ثالثا أن يعملوا على إحلال القوة بدلا من الضعـف، وأن يعـملوا على إحداث التنسيق والتعاون والتكامل بينهم لتحـقـيـق الوحدة العـربـيـة أو “الأمل المنشود” حتى لو كان ذلك على المدى البعـيـد، بدلا من التفـرق، والـتفتت والتـشـرذم تحـقـيـقـا لـقـول الحق تعالى “إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعـبـدون”، أو على الأقل بناء إستراتيجية عربية موحدة قادرة على مواجهة ما يحيق بها من أخطار، ولعـل ذلك يتطلب تغييرا جذريا واستعدادا فكريا مختلفا، ومنظورا جديدا لتناول الأمور، وبغيـر ذلك ستظل المنطقة العربية عرضة للأخطار، وربما ستظل كذلك دوما، ما لم يحدث مثل هذا التغـيـيـر.


والله من وراء القصد وهو يهدى السبيل.