دور ثورة ١٩١٩ فى مولد دستور ١٩٢٣

12/10/2016 - 12:19:53

  ثورة ١٩١٩ بميدان رمسيس ثورة ١٩١٩ بميدان رمسيس

كان اعتداء بريطانيا على رمز من رموز الولاء والقومية المصرية وهو سعد زغلول ورفاقه بمثابة الشرارة التى تولدت لتفجر الثورة التى قامت فى كل أرجاء مصر احتجاجا على نفى الزعيم سعد زغلول وعلى رفاقه إسماعيل صدقى وحمد الباسل ومحمد محمود ونفتهم بريطانيا إلى مالطة ومع سريان النبأ بدأت تثير معه المشاعر القومية بين أفراد الشعب فبدأت الثورة سلميا بمظاهرات ألفها طلاب المدارس العليا فى القاهرة بإضرابهم عن تلقي الدروس، ثم ساروا يهتفون بحياة مصر والوفد وسعد وسقوط الحماية. وبرغم تعليمات الوفد لهؤلاء الطلبة بعدم الخروج لشوارع القاهرة وإثارة الشعب ولكن سرعان ما تحولت المظاهرات إلى بركان يغلي وامتدت الحمم البركان المتفجّر إلى الأقاليم واشتركت جماهير الشعب مع الطلبة في المظاهرات وأخذت روح الجماعة تسري بين الناس. وكان طبيعيًا أن تواجه بريطانيا تلك المظاهرات بالشدة مما زاد ثورة المجتمع وأخذت القوى الشعبية الأخرى بداية من يوم ١١ مارس ١٩١٩ تنضم إلى ركب الثوار، واتجهت الثورة إلى أن تأخذ شكلاً أكثر تنظيمًا وقوة.


وفي يوم ١٢ مارس تجددت المظاهرات قُتل عددًا كبيرًا من طلبة الأزهر برصاص الجنود البريطانيين، كما تجددت المظاهرات في يوم الجمعة ١٤ مارس وأضرب المحامون الشرعيون وعمال العنابر في يوم ١٥ مارس وتعطلت المواصلات داخل القاهرة وخارجها. وكانت مظاهرة بولاق ميدانًا لحوادث دموية في يوم ١٨ مارس حيث اجتمع عمال العنابر والصناع وبعض الشبان في شارع بولاق وصاروا قاصدين الأزهر للانضمام إلى المتظاهرين، فاعترضتهم القوات البريطانية بالقرب من كوبري «أبو العلا» وأطلقت عليهم نيرانًا فسقط كثير من القتلى والجرحى. وتتابعت حوادث الثورة ممتدة من القاهرة إلى الأقاليم في الإسكندرية وبورسعيد ودمنهور وطنطا زفتى والمحلة الكبرى وشبين الكوم والدقهلية ودمياط والقليوبية والزقازيق والوجه القبلي وكانت كلها مسرحًا من الحوادث الدموية أسفكت فيها دماء الأهالي وشهدت ضراوة وعنف في مواجهة الاحتلال وقواته.


وبعد أن جربت سلطة الاحتلال كل وسيلة ممكنة لقمع الثوار المصريين، استقالت الوزارة وأذاع اللورد اللنبي بلاغًا أذاع فيه إطلاق سراح سعد زغلول وبقية أعضاء الوفد المصري ويكون لهم حق السفر لهم ولكل المصريين، وبهذا كانت الثورة قد بدأت مرحلة جديدة في سبيل الاستقلال والحرية.


بعد اندلاع ثورة ١٩١٩ في مارس بقيادة الزعيم سعد زغلول، والتي كان جوهرها الرئيسي الاستقلال السياسي لمصر وإقامة حياة نيابية ديمقراطية سليمة. اضطرت بريطانيا تحت ضغط أحداث الثورة إلى إصدار تصريح ٢٨ فبراير ١٩٢٢ مع تحفظات أربعة هي:


- تأمين المواصلات البريطانية.


- الدفاع عن مصر ضد كل اعتداء أجنبي أو تدخل أجنبي بالذات أو بالواسطة.


- حماية المصالح الأجنبية في مصر وحماية الأقليات.


- مسألة السودان.


وصدر التصريح من جانب واحد وبموجبه انتهت الحماية البريطانية على مصر، وأعلن استقلال البلاد استقلالاً شكليًا في ١٥ مارس ١٩٢٢. وأصبحت مصر مملكة واتخذ السلطان فؤاد لنفسه ملك مصر، وقد اعتبر الملك فؤاد يوم ١٥ مارس عيدًا وطنيًا تستريح فيه المصالح الحكومية من العمل.


وبعد تأليف الوزارة على يد عبد الخالق باشا ثروت، ألفت وزارة ثروت باشا لجنة لوضع مشروع الدستور وقانون الانتخاب، ورأس هذه اللجنة حسين باشا رشدي، وقد سُميت بـ»لجنة الثلاثين». وبعد إتمام لجنة الثلاثين عملها رفعت مشروع الدستور إلى ثروت باشا في السبت ٢١ أكتوبر ١٩٢٢، وقدمت اللجنة بعد أيام قليلة مشروع قانون الانتخاب المرافق للدستور.


شرعت وزارة الأشغال في إقامة مبنى ليكون مقرًا لاجتماعات مجلس النواب، وتوسيع مبنى الجمعية التشريعية ليكون مقرًا لمجلس الشيوخ. وصدر الأمر الملكي الخاص بدستور ١٩٢٣ بعد سلسلة من العقبات التي حالت دون صدوره وتعطيله والعمل على تحريفه، إلا أنه صدر أخيرًا في ١٩ إبريل ١٩٢٣ طبقًا للمشروع الذي وضعته لجنة الدستور محذوفًا منه النصّان الخاصان بالسودان، والذي رفعه يحيى باشا إبراهيم رئيس الوزراء وقتها إلى الملك مسبوقًا بكتاب نوه فيه للملك بمزايا النظام الدستوري وخلاصة الأدوار التي مرّ بها المشروع.


وطبقًا للدستور الذي أصدره الملك فؤاد الأول سنة ١٩٢٣ بموجب الأمر الملكي في إبريل سنة ١٩٢٣ انقسم البرلمان المصري إلى مجلس الشيوخ ومجلس النواب، وقد تناول الفصل الثالث من الباب الثالث من دستور ١٩٢٣ البرلمان بمجلسيه الشيوخ والنواب.


اهتمام البرلمان بقضية وحدة وادي النيل


زاد اهتمام أعضاء البرلمان المصري لسنة ١٩٢٤ بقضية السودان والتي عرفت «بقضية وحدة وادي النيل» وحق مصر في السودان وأنها جزء لا يتجزأ من الأراضي المصرية، حيث اقترح بعض النواب رفع الحواجز الجمركية، على أن تكون التجارة بينهما كما هي بين الوجه القبلي والبحري داخل القطر. ثم تطرقت دعوة النواب والشيوخ إلى الناحية الثقافية بفتح المدارس، والعمل على قبول الطلبة السودانيين في مصر، وإرسال الطلبة السودانيين في بعثات إلى الخارج كالمصريين تمامًا. فقد آمن نواب مصر وشيوخها بأنه لا غنى لمصر عن السودان وأيضًا لا غنى للسودان عن مصر. ودارت المناقشات الحامية في مجلسي النواب والشيوخ عن أحداث السودان وعلاقات مصر بها وحرصت الأحزاب المصرية على وحدة وادي النيل وخاصة الحزب الوطني الذي دافع عن هذا المبدأ.


حل البرلمان


لم تلبث أن بدأت الحياة النيابية منذ صدور دستور ١٩٢٣م إلا وتم إنهاؤها في يوم الاثنين ٢٣ من مارس سنة ١٩٢٥م.


ففي يوم ١٧ نوفمبر سنة ١٩٢٤م تأزمت الأوضاع عندما اعتدى خمسة من الشبان على حياة السير لي ستاك سردار الجيش المصري وحاكم السودان العام، بعد خروجه من ديوان وزارة الحربية فتوفي متأثرًا بجراحه، فثارت الحكومة الإنجليزية، وقصد المندوب السامي البريطاني إلى مبنى مجلس رئاسة الوزراء يتقدمه مائتان وخمسون جنديًّا بريطانيًّا من حملة الرماح، وخلفه مثلهم، وقدم إلى سعد زغلول باشا بلاغين محررين باللغة الانجليزية، ومن المطالب التي كانت في الطلب الأول:


١. أن تقدم الحكومة المصرية اعتذارًا كافيًا وافيًا عن الجناية.


٢. أن تتابع بأعظم النشاط ودون مراعاة للأشخاص، البحث عن الجناة، وأن تنزل بالمجرمين، أيًّا كانوا ومهما يكن سندهم، أشد العقوبات.


٣. أن تمنع من الآن فصاعدا وتقمع بشدة كل مظاهرة شعبية سياسية.


٤. أن تدفع في الحال إلى الحكومة الانجليزية غرامة قدرها نصف مليون جنيه.


ثم أنذرت بريطانيا الحكومة المصرية بأنها إذا لم تلب في الحال وعلى الفور مطالبها، فإن بريطانيا سوف تتخذ التدابير المناسبة لصيانة مصالحها في مصر والسودان...


وفي اليوم التالي قدمت الحكومة المصرية ردها على المذكرتين الإنجليزيتين بقبولها بعض الشروط ورفضها تلبية باقي طلبات الحكومة البريطانية، فقررت الحكومة البريطانية دفع وزارة سعد زغلول للاستقالة، وإصدار التعليمات بإخراج جميع الضباط والوحدات المصرية من السودان. وفي ٢٣ من نوفمبر سنة ١٩٢٤م رفعت الوزارة استقالتها إلى الملك فؤاد فقبلها في اليوم التالي.


وهكذا أصبح البرلمان يقف بمفرده في مواجهة الحكومة البريطانية وبدأت مخاوف النواب والشيوخ تتزايد من عزم الملك على حل البرلمان، واحتج البرلمان بمجلسيه على تصرفات الحكومة البريطانية الفادحة، كما قرر أن كل تصرف حصل من حكومة استقالت أو من حكومة مقبلة يكون مخالفًا لإرادة المجلس وفيه عبث ومساس بحقوق البلاد، فإنه يكون عملاً فرديًّا لا تتحمل الأمة أية نتيجة تترتب عليه، مادامت الأمة لم تقره ولم تقبله. وتحقق تخوف البرلمان، فما إن أتت وزارة أحمد زيور باشا في ٢٤ من نوفمبر ١٩٢٤م، لم يمض على تأليفها يوم واحد حتى أصدرت مرسومًا بتأجيل البرلمان لمدة شهر، ثم رفع رئيس الوزراء مذكرة للملك بطلب حل مجلس النواب ودعوة المندوبين الناخبين لإجراء انتخابات جديدة في ٢٤ فبراير، ودعوة المجلس الجديد للانعقاد في ٦ مارس سنة ١٩٢٥، وبالطبع سارع الملك بالموافقة على طلب الوزارة.


وهكذا بدأت رحلة الصراع بين الملك والبرلمان على مدار ست سنوات حيث تكرر نفس الموقف في عهد وزارة محمد محمود باشا عندما صدر المرسوم الملكي بتأجيل انعقاد البرلمان لمدة شهر ابتداءً من ٢٨ يونية سنة ١٩٢٨م، وقد تُليَ هذا المرسوم على النواب والشيوخ فأعاد ذلك الموقف الأذهان لما فعلته وزارة زيور من قبل. ولم تكد فترة تأجيل البرلمان تشرف على نهايتها حتى استصدرت الوزارة أمرًا ملكيًّا في ١٩ يوليو سنة ١٩٢٨م بحل مجلسي النواب والشيوخ وتأجيل انتخاب أعضاء المجلسين وتأجيل تعيين الأعضاء المعينين في مجلس الشيوخ مدة ثلاث سنوات، وعند انقضاء هذا الأجل يعاد النظر في الحالة لتقرير إجراء الانتخاب والتعيين المذكورين أو تأجيلهما زمنًا آخر، وكان ذلك معناه أن الثلاث سنوات قابلة للتجديد، وبالطبع رحّبت بريطانيا بهذا الانقلاب الدستوري بما يتماشى مع مصالحها.


وقد قوبل هذا التعطيل الدستوري بالسخط والاستنكار في جميع أرجاء البلاد، حيث كان حرمانًا للأمة من حقوقها التي كسبتها بعد رحلة جهاد طويلة. ولكن كان للشيوخ والنواب موقف أكثر شجاعة أعلنوه في اجتماعهم بالنادي السعدي يوم الثلاثاء ٢٤ يوليو سنة ١٩٢٨م وهو اعتزامهم على أن يجتمعوا بهيئتهم في دار البرلمان يوم السبت ٢٨ يوليو سنة ١٩٢٨م، وهو اليوم التالي لفترة الشهر التي حددت لتأجيل البرلمان باعتبار أن المرسوم الصادر بحل البرلمان باطل، وكان قرارهم هذا يستتبع دستوريًّا وجوب اجتماع البرلمان المنحل من تلقاء نفسه.


ثم جاء يوم استقالة محمد محمود باشا في ٢ أكتوبر سنة ١٩٢٩م وتأليف الوزارة الجديدة برئاسة عدلي يكن باشا يوم ٣ أكتوبر سنة ١٩٢٩م. وكان من أهم أعمال عدلي باشا إعادة الحياة الدستورية، وإجراء انتخابات عامة خالية من كل ضغط حكومي، فاستصدرت وزارة عدلي باشا أمرًا ملكيًّا في ٣١ أكتوبر سنة ١٩٢٩م بإنفاذ أحكام الدستور وإجراء انتخابات لمجلسي النواب والشيوخ. وفي اليوم الثاني من شهر نوفمبر صدر مرسوم آخر بتحديد يوم ٢١ ديسمبر سنة ١٩٢٩م للانتخاب ويوم ٢٩ من نفس الشهر للإعادة في حالة عدم حصول المرشح على الأغلبية في اليوم الأول، وبدعوة البرلمان إلى الاجتماع يوم السبت ١١ يناير سنة ١٩٣٠. وفي هذا اليوم (٢ نوفمبر سنة ١٩٢٩) فضّت الأختام الموضوعة على أبواب البرلمان منذ شهر يوليو سنة ١٩٢٨م وسلمت مفاتيحه إلى سكرتير مجلس الشيوخ.


وافتتح البرلمان يوم ١١ يناير سنة ١٩٣٠م، وكان البرلمان الرابع منذ بداية النظام الدستوري سنة ١٩٢٤، وقد قدم عدلي باشا استقالته في أول يناير وبنى استقالته على أن مهمته وهي إعادة الحياة الدستورية قد انتهت، وقد عهد الملك بعدها إلى مصطفى النحاس باشا يوم ١ يناير سنة ١٩٣٠م بتأليف الوزارة باعتباره زعيم الأغلبية التي أسفرت عنها الانتخابات، أما عدلي يكن باشا فعُين رئيسًا لمجلس الشيوخ وصدر المرسوم بذلك يوم ٣ يناير سنة ١٩٣٠م.