برلمان اليوم الواحد !

12/10/2016 - 12:14:27

  سرادق البرلمان قبل إصدار جلالة الملك قراره بحل البرلمان سرادق البرلمان قبل إصدار جلالة الملك قراره بحل البرلمان

حادث فريد فى تاريخ البرلمان المصرى بل ربما فى تاريخ الحياة البرلمانية فى العالم فيما جرى يوم ٢٣ مارس عام ١٩٢٥ حين صدر فى نفس يوم انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب قرار حل المجلس وإنهاء الفصل التشريعى!


يتصل الخيط الأول بالأوضاع العامة فى أعقاب سقوط البرلمان الأول فالضربة التى كالها الإنجليز لوزارة الشعب كانت موجهة فى نفس الوقت للبرلمان الذى أنهى فصله التشريعى الأول ولما يستكمل من سنواته الخمس سوى أقل من عشرة أشهر.


وكانت البداية (مشئومة) فى تاريخ برلمان دستور ١٩٢٣ وإن كانت (مقصودة) فى الوقت نفسه ..... أما الشؤم فمبعثه أن ما جرى بالنسبة للبرلمان الأول أصبح قاعدة فى تاريخ البرلمان المصرى وأصبح استكمال أى برلمان لفصله التشريعى المفترض فى حكم الاستثناء .... أما القصد فقد بدا فى رغبة أطراف اللعبة السياسية فى مصر وبالذات الإنجليز والقصر فى التأكيد على حقيقة عانت منها البرلمانات المصرية على تواليها تلك الحقيقة هى أن ( القوة فوق الحق والحكومة فوق الأمة ) وهى عكس المقولة التى كان يرددها سعد زغلول طول الوقت .


انعقاد اليوم الواحد


وجهت الدعوة لأعضاء البرلمان بمجلسيه الشيوخ والنواب للانعقاد على هيئة مؤتمر للاستماع إلى خطبة العرش فى تمام الساعة العاشرة من صباح ٢٣ مارس على أن يكون الحضور إلى مقر البرلمان قبل ذلك بنصف ساعة.


واستشعارا بأهمية الجلسة بدأ الأعضاء يتوافدون من الساعة الثامنة ليحتلوا مقاعدهم وكان آخر من وصل سعد زغلول فى تمام التاسعة والنصف ونترك لأحد المعاصرين وصف دخول زعيم الوفد إلى القاعة يقول « وصل يتقدمه الدكتور حامد محمود يتلوه فتح الله بركات باشا فتوجهت إليه العيون فسار من الممر الجنوبى بين صفوف المقاعد إلى أول مقعد أمامى جلس على طرفه ورد تحية المحيين بكلتا يديه وكان يقابل أثناء الطريق بالهتاف الشديد خارج المجلس حتى دخل المجلس.


فى الوقت نفسه خرج الموكب الملكى من القصر وسار بين الجنود كالمعتاد ولوحظ أن الهتاف للملك وسعد باشا مع أن زيور باشا هو الذى كان يصحب فؤاد فى العربة الملكية ووصل الملك فؤاد إلى قاعة المجلس بين قصف المدافع وتحية الجنود وعزف الموسيقى وسلم رئيس وزرائه خطبة العرش ليلقيها.


انفض المؤتمر بعد الانتهاء من إلقاء خطبة العرش وخروج الملك وعقد كل من المجلسين جلسة على حدة وبدأ المستور ينكشف فى جلسة النواب ... بدأت الجلسة فى الحادية عشرة وخمس دقائق ورأسها أكبر الأعضاء سنا أحمد مظلوم باشا وتغيب عنها ثلاثة أعضاء فقط كان أحدهم رهن الاعتقال على ذمة اغتيال السردار واتضح منذ أول لحظة لهفة المعسكر الوفدى على سرعة إجراء انتخابات رئاسة المجلس بينما عمد أنصار الحكومة إلى محاولة تأجيلها لبعض الوقت تكون خلاله قد مارست مزيدا من الضغط وتبينت أكثر مواقف النواب المترددين على الطبيعة وقد لجأت الحكومة فى محاولة التأجيل إلى شتى السبل فوزير الحقانية يطلب التأجيل إلى حين توزيع بيان بأسماء أعضاء المجلس على الأعضاء وأحد أنصارها يطلب التأجيل لأنه لابد أن نتعارف أولا ونصير آخر يتساءل ما هو وجه الاستعجال فى ذلك.


على الجانب الآخر ضغط الوفد لحسم المعركة فى جلسة الصباح فقد كان فيما يبدو متأكدا من أن هذا الحسم سيكون لصالحه وقد ظاهر رئيس المجلس موقف الوفد مما أدى إلى نزول أنصار أحزاب الحكومة على رغبة الرئيس والأغلبية وقد علق المندوب السامى على هذا بقوله تقررت انتخابات رئاسة المجلس بعجلة ظاهرة .


وأجريت الانتخابات فى غيبة الوزراء الذين كانوا فى وداع الملك وأسفرت عن فوز ساحق لسعد زغلول زعيم الوفد الذى نال ١٢٣ صوتا وعندما عاد الوزراء إلى الجلسة وجدوا المفاجأة أمامهم خاصة وزير الداخلية الذى أبلغ اللنبى أنه كان لديه من الأسباب ما يجعله يعتقد بأن العناصر المشكوك فيها بالمجلس سوف تصوت إلى جانب الحكومة ... هكذا كانت المفاجأة والجو العام الذى أحاط بانتخاب سعد زغلول وأنصاره فى المناصب القيادية فى المجلس ما دفع الوزراء إلى الانسحاب من المجلس للتشاور فى الأمر .


انقضت سبع ساعات بين رفع الجلسة الصباحية (الواحدة ظهرا ) وبين إبلاغ رئيس الوزراء المجلس المرسوم بحله ( الثامنة إلا خمس دقائق مساء) وقد جرت خلال تلك الساعات محاولات محمومة من كل طرف .


الوفد على الجانب الأول سعى من ناحية إلى شق صف الحكومة من خلال العرض الذى قدمه سعد زغلول للأحرار الدستوريين بضم وزيريين أو ثلاثة من رجاله إلى الوزارة التى تتشكل فى ظل المجلس الجديد كما أنه حاول من ناحية أخرى طمأنة سائر الأعضاء بحيدته فى إدارة المجلس حين قال فى كلمته بعد انتخابه « أرجو أن تشعروا بأنى سوف لا أكون فى هذا الكرسى ممثلا لحزب من الأحزاب وإنما سأكون ممثلا للدستور وللوائح المجلس الداخلية .


على الجانب الثانى كانت هناك الحكومة التى اجتمعت وأمامها كل تلك العروض الوفدية ويشير التقرير السرى الذى سجل هذا الاجتماع أنه كان أمام الوزراء ثلاثة خيارات:


• التعاون مع سعد زغلول على ضوء العروض التى قدمها لزعماء الأحرار الدستوريين ( عدلى ومحمد محمود ) .


• البقاء فى الوزارة إلى حين صدور قرار بعدم الثقة نتيجة للأقلية التى يحوزونها فى المجلس .


• الاستقالة وتقديم النصيحة للملك بحل المجلس .


وقد رفض المجتمعون الخيار الأول وهذا الرفض فى جانب منه كراهيتهم لزغلول باشا ... كما رفضوا أيضا الخيار الثانى فقد كان من الصعب على نفوسهم أن يحكموا وهم تحت رحمة زغلول باشا ... ومن ثم لم يبق سوى الخيار الثالث الذى أخذوا به وقرروا تقديم استقالتهم وهم يعلمون أن الملك سوف يرفض هذه الاستقالة ويقدم على حل البرلمان بناء على نصيحتهم .


نعود إلى المجلس الذى كان منهمكا فى انتخاب المراقبين عندما دخله أصحاب الدولة والمعالى رئيس الوزراء والوزراء ونترك لمضبطة الجلسة رواية ما حدث بعد هذا الدخول.


رئيس الوزراء : أتشرف بإخبار المجلس أن الوزراة رفعت استقالتها إلى حضرة صاحب الجلالة الملك فأبى قبولها فأشارت على جلالته بحل المجلس فأصدر جلالته المرسوم الآتى :


نحن فؤاد الأول ملك مصر بعد الاطلاع على المادتين ٣٨ و ٣٩ من الدستور وبناء على ما عرضه علينا رئيس مجلس الوزراء وموافقة رأى هذا المجلس رسمنا بما هو آت


مادة أولى : يحل مجلس النواب.


مادة ثانية : المندوبون مدعوون لإجراء الانتخابات الجديدة لأعضاء مجلس النواب فى ٢٣ مايو ١٩٢٥ .


مادة ثالثة : مجلس النواب الجديد مدعو للاجتماع فى أول يونيه ١٩٢٥ .


مادة رابعة : على وزير الداخلية تنفيذ مرسومنا هذا ويعمل به ابتداء من اليوم.


واختفى بالمرسوم الملكى أقصر برلمان فى تاريخ الحياة النيابية المصرية.