يوم تحطيم السلاسل

12/10/2016 - 12:12:17

بعد سلسلة من المشادات بين وزارة النحاس باشا والقصر، انتهت بأن قدّم مصطفى النحاس باشا استقالته يوم ١٧ يونيه سنة ١٩٣٠ فقبلها الملك يوم ١٩ من نفس الشهر، وأسند رئاسة الوزارة الجديدة إلى إسماعيل صدقي وصدر المرسوم الملكي بتأليفها يوم ٢٠ يونيه سنة ١٩٣٠ وكان إسماعيل صدقي يعتبر خصم الدستور الألدّ، فكانت نية الوزارة مبيتة لإلغاء الدستور؛ فبدأت عملها بتأجيل انعقاد البرلمان شهرًا ابتداءً من ٢١ يونيه سنة ١٩٣٠.


وقد أصر النواب والشيوخ أن يجتمعوا في البرلمان يوم ٢٣ يونيه، واتفق عدلي باشا رئيس مجلس الشيوخ والأستاذ ويصا واصف رئيس مجلس النواب على أن مرسوم التأجيل يجب أن يُتلى على الشيوخ والنواب في المجلسين. ولكن الوزارة اعترضت على ذلك بأن مرسوم ٢١ يونيه يجب أن ينفذ من ذلك اليوم، ولكن مع طلب كل من عدلي باشا وويصا واصف بضرورة تلاوة المرسوم على الأعضاء، اشترط إسماعيل صدقي أن يأخذ عهدًا ألا يتكلم أي عضو من أعضاء مجلس النواب أو الشيوخ بعد تلاوة المرسوم وهو الشرط الذي قوبل بالرفض، وبالفعل أغلقت الحكومة أبواب البرلمان، ووضعت حوله قواتها المسلحة، وربطت الباب الخارجي للبرلمان بالسلاسل الحديدية، ورغم ذلك حضر النوَّاب والشيوخ، وكلف الأستاذ ويصا واصف بوليس البرلمان بتحطيم السلاسل، وسُمي هذا اليوم بـ«يوم تحطيم السلاسل» واجتمع أعضاء مجلس النواب وأعضاء مجلس الشيوخ بدورهم في مجلسهم، وتُلي عليهم المرسوم وأقسموا اليمين بالمحافظة على الدستور، وأصدر مجلس الشيوخ قرارًا اقترح نصه فتح الله باشا بركات الآتي:


١- الاحتجاج على ما ارتكبته الحكومة من مخالفة للدستور بأن أغلقت أبواب البرلمان ووضعت قواتها المسلحة حوله وفي داخله لتمنع بالقوة المسلحة شيوخ الأمة ونوابها من عقد جلستي المجلس.


٢- استنكار ما أقدمت عليه الوزارة من المخالفات الدستورية الأخرى من وقت تشكيلها.


٣-لقد أرسل عدلي باشا يكن رئيس مجلس الشيوخ إلى إسماعيل صدقي باشا بتاريخ ٢٤ يونيه سنة ١٩٣٠ كتاب احتجاج على إغلاق الحكومة أبواب البرلمان.


مؤتمر النواب والشيوخ في النادي السعدي


اجتمع مؤتمر من النواب والشيوخ وأعضاء مجالس المديريات في النادي السعدي يوم الخميس ٢٦ يونيه سنة ١٩٣٠م ردًّا على رفض الحكومة لدعوة البرلمان لجلسة غير عادية، وكان المؤتمر مؤلفًا من الوفديين وبعض نواب الحزب الوطني، وبعد أن ألقى مصطفى النحاس باشا خطبته عما حدث من تكرار الاعتداء على الدستور، قرر المؤتمر الآتي:


أولاً: الدفاع عن الدستور ومقاومة كل اعتداء يقع عليه بكل ما يملكه كل مصري من قوة ومال وتضحية.


ثانيًا: تقرير مبدأ عدم التعاون وتشكيل لجنة تتصل بالوفد لتنظيم أساليبه وتنفيذها في حالة ما إذا لم تتقدم الوزارة إلى البرلمان عند انقضاء مدة التأجيل.


ثالثًا: القسم بالله العظيم بتنفيذ هذه الخطة وتعميمها في جميع الدوائر الانتخابية بالقطر المصري.


وبالفعل أثبت الشعب المصري فعاليته بمقاومته لحكومة صدقي باشا والدفاع عن الدستور والبرلمان، واعتزم صدقي مقابلة هذه المقاومة بالقوة والبوليس والجيش مما أدى إلى كثرة الحوادث الدموية في عهده. وقد تعمدت الوزارة عدم مواجهة البرلمان فاستصدرت مرسومًا ملكيًّا يوم ١٢ يوليو سنة ١٩٣٠ بفض الدورة البرلمانية. وقد احتج أعضاء البرلمان على هذا الفض، لوقوعه مخالفًا للدستور حيث إن البرلمان لم يكن قد أقر الميزانية بعد، ولكن الحكومة احتلت مبنى البرلمان بقواتها يوم ٢١ يوليو سنة ١٩٣٠م لتحكم قبضتها على الأمور.


اجتماع أعضاء البرلمان في النادي السعدي


اجتمع معظم أعضاء البرلمان في النادي السعدي يوم ٢٦ يوليو سنة ١٩٣٠م ردًّا على رفض الحكومة لدعوة البرلمان لجلسة غير عادية، وقد اختار أعضاء البرلمان النادي السعدي بسبب احتلال الحكومة دار البرلمان بقواتها المسلحة.


فاجتمع مجلس النواب برئاسة عبد السلام جمعة بك وكيل المجلس نظرًا لوجود ويصا واصف بأوربا، وتولَّى السكرتارية عبد الرحمن عزام باشا والأستاذ أحمد عبد اللطيف مرزوق، وقرر المجلس عدم الثقة بالوزارة.


دستور ١٩٣٠ وتهميش السلطة التشريعية


بدأ إسماعيل صدقي استكمال اعتداءاته على البرلمان ودستور ١٩٢٣، وقد انتهز فرصة ابتداء فترة العطلة البرلمانية وقام بإعداد دستور وقانون انتخاب جديدين، وأخبر القائم بأعمال المندوب السامي البريطاني بذلك والذي أخبر بدوره وزير خارجيته السير «هندرسون» والذي كان متخوفًا من أن يسبب ذلك التغيير الدستوري اضطرابات كبيرة في البلاد ولكن إسماعيل صدقي أكّد له بأنه قادر على السيطرة على الأمور بسهولة، وأنه سيستخدم القوة عند الضرورة. وقد أكّد وزير خارجية بريطانيا أن بلاده لن تدخل أو تعقّب على هذا التغيير سواء من قريب أو من بعيد؛ وكان ذلك بمثابة الضوء الأخضر لإسماعيل صدقي باستصدار الدستور وقانون الانتخاب الجديدين.


وجاء الأمر الملكي في ٢٢ أكتوبر سنة ١٩٣٠م بإلغاء دستور ١٩٢٣ وبحل مجلسي النواب والشيوخ، وإعلان دستور جديد هو دستور ١٩٣٠ وكانت تلك هى الخطوة الأخيرة في مسلسل الانقلابات ضد دستور ١٩٢٣.