اليوزباشى «راوية» والأفوكاتو «مفيدة» والفنانة «فايدة».. نائبات رائدات

12/10/2016 - 11:41:56

بقلم: طارق سعد الدين

كان دخول المرأة المصرية البرلمان تتويجًا لتاريخ طويل من مشاركة النساء المصريات فى الحياة السياسية والعامة بدأت مع سقوط الشهيدة بنت حى الجمالية حميدة خليل فى ١٦مارس ١٩١٩ فى مظاهرة أمام مسجد الحسين تطالب بالاستقلال البلاد عن الاستعمارالبريطانى واندلعت بعد سقوط الشهيدة (حميدة خليل) أول تظاهرة نسائية مكونة من ٣٠٠ سيدة تقودهن هدى شعراوى حيث طفن بالقنصليات والسفارات الأجنبية ببيان احتجاج على بقاء الاحتلال البريطانى لمصر.


وبعد عودة سعد زغلول باشا من المنفى قال فى أول خطاب له: (لتصيحوا جميعا لتحيا السيدة المصرية), ثم تشكلت (لجنة سيدات الوفد) كأول مشاركة رسمية للمرأة المصرية فى الأحزاب السياسية.


وعندما لم يعط دستور ٢٣ المرأة حقوقها السياسية وقصر حق الترشح والانتخاب للرجال فقط أسست هدى شعراوى (الاتحاد النسائى المصرى), استمر كفاح المرأة فى نيل حقوقها السياسية فى الوقت، الذى تخرجت فيه الأجيال الأولى من الجامعيات كأمينة السعيد وسهير القلماوى ومفيدة عبدالرحمن, ومارسن الصحافة والمحاماة والتدريس فى الجامعة, وظهرت المجلات التى تدافع عن حقوق المرأة, حتى نجحت جهودهن فى التكلل بالنجاح, والقصص التى نقدمها ترسم بعض ملامح كفاح ونجاح بعض أشهر من جلسن تحت قبة البرلمان.


راوية عطية نائبة برتبة يوزباشى


فى البرلمان الأول، بعد ثورة ١٩٥٢ الذى تشكل فى ١٤ يوليو ١٩٥٧ بعد إقرار دستور ١٩٥٦، الذى أعطى المرأة الحق فى الترشح لعضوية البرلمان نجحت امرأتان هما راوية عطية عن دائرة الدقى بمحافظة الجيزة, وأمينة شكرى عن دائرة باب شرق من محافظة الإسكندرية, وكن من بين ثماني نساء تقدمن للترشح.


ولدت راوية عطية في محافظة الجيزة فى ١٩ إبريل ١٩٢٦, لعائلة ذات تاريخ سياسى فقد كان والدها هو الأمين العام لحزب الوفد في الغربية، التحقت بكلية الآداب جامعة القاهرة قسم تاريخ عندما كانت تجرى مفاوضات رئيس مجلس الوزراء المصري إسماعيل باشا صدقي مع وزير خارجية إنكلترا بيفين، وقد شاركت فى أنشطة الطلبة المناهضة لهذه المفاوضات من مظاهرات وصدامات مع الشرطة, ثم عملت بالصحافة فى مؤسسة (أخبار اليوم) لصاحبيها مصطفى وعلي أمين، وأثناء عملها بالصحافة حصلت على دبلوم كلية التربية وعلم النفس عام ١٩٤٩ ثم دبلوم صحافة ودبلوم في الدراسات الإسلامية.


وعندما وقع العدوان الثلاثى فى العام ١٩٥٦، ارتدت الزي العسكري واشتركت مع عضوات الحركة النسائية في هذه الأثناء عمليات السفر إلى بورسعيد وهن يحملن مواد غذائية وملابس ومنشورات دعما للفدائيين ولشعب بورسعيد, وكانت أول ضابطات صال برتبة يوزباشي في جيش التحرير الوطني, ودربت ٤ آلاف سيدة على أعمال الإسعاف والتمريض.


وفي مايو العام ١٩٥٧ فتح باب الترشيح لعضوية مجلس الأمة وقد كان أمام راوية عطية فى دائرة الدقىستة رجال, منهم أحمد فؤاد، رئيس مجلس إدارة (بنك مصر) والمعايرجى وهو أحد كبار التجار, تتحدث راوية عطية من هذه الفترة في مذكراتها قائلة: كنت أفكر في كيفية إدارة هذه المعركة الانتخابية، وقد نزل المرشحون في الدائرة الانتخابية، وعقدوا مؤتمرات شعبية مع الناخبين، وشعرت بأنهم أفرغوا ما في جعبتهم، وعلى ذلك بدأت أنزل إلى الناخبين، وأنا أستقل سيارة جيب، وأرتدي زى الفدائيين، واستقبلني الناس بالزغاريد والطبل والزمر والجميع يسعون لرؤيتي كأول امرأة تخوض انتخابات في هذا المكان، وبذلك شعرت أنني سحبت البساط من تحت أقدام المنافسين من الرجال.


وعندما حاول بعض رجال الثورة إثناءها على الانسحاب من أمام أحمد فؤاد رفضت, وقد نجحت باكتساح.


أمينة شكرى نائبة شعارها الحب


كانت أمينة شكرى هى المرأة الثانية، التى دخلت برلمان ١٩٥٧وكانت دائرتها هى باب شرق بالإسكندرية, تقول المعلومات القليلة المتوفرة عنها إنها كانت واحدة من النشاطات فى مجال المطالبة بالحقوق السياسية للنساء, فبعدما يئست عضوات الحركة النسائية من جدوى المظاهرات، التى تطالب بحق المرأة فى دخول البرلمان, والتى بدأتها هدى شعراوى بمظاهراتها فى أول مارس ١٩٢٤ يوم افتتاح البرلمان, ولم تتوقف بعد ذلك من ناشطات الحركة النسائية كدرية شفيق وزينب لبيب وروحية القلينى, إلا أنه فى يوم ١٢ مارس ١٩٥٤قررت مجموعة من الناشطات الاعتصام فى نقابة الصحفيين والإضراب عن تناول الطعام, وكانت المعتصمات هن درية شفيق وراجية حمزة ومنيرة ثابت وأمانى فريد وهيام عبدالعزيز, كما اعتصم فى مدينة الإسكندرية فى نفس التوقيت أمينة شكرى- التى أصبحت عضوة فى برلمان ١٩٥٧- وثريا العجيزى وسيدة من عامة الشعب تدعى أم جلال.


وقد اهتمت الصحف العالمية بأخبار المعتصمات مما دفع المسؤولين لمطالبتهن بكتابة مذكرة بمطالبهن لدراستها, وقد جاء فى هذه المذكرة: (أن المصريات يطالبن بحقوقهن الدستورية كامله غير منقوصة وبضرورة تمثيلها فى الجمعية التأسيسية, وقد تتاح لها الفرصة فى مناقشة الدستور، الذى سيحكم به المصريون جميعًا رجالًا ونساء), وقد انتهى إضراب المعتصمات بعدما حمل محافظ القاهرة محمود نور الدين إليهن رسالة شفهية من رئيس الجمهورية تقول (كلفنى السيد الرئيس محمد نجيب أن أبلغكن أن مطالبكن قد وصلت إلى اللجنة المختصة بالنظر فى تكوين اللجنة التأسيسة للنظر فيها, وحقوقكن فى أيد أمينة).


وقد كتب أحمد رجب فى مجلة الجيل ١٩٥٧ تحت عنوان «أمينة شكرى نائبة برلمانية.. شعارها الحب» يقول فيه:


سيدات مصر ثائرات على النائبة أمينة شكرى.. وسبب الثورة أن أمينة تشجع على استيراد زوجات أجنبيات لشبان مصر بعد أن وفقت راسين فى الحلال بين (بربارة) من لندن ورفعت أنور من القاهرة.


أمينة قضت عمرها كله تزرع الحب فى نفوس الأطفال الذين ترعاهم وتنتصر للحب دائما فى كل مكان وتتخذه شعارا لحل المشاكل وتخفيف الآلام الإنسانية.


حتى المعركة الانتخابية التى خاضتها كان شعارها فيها الحب، فكانت تجمع أطفالها الذين ترعاهم فى جمعيتها وتسير معهم فى الشوارع وهم يهتفون ماما أمينة.


الأفوكاتو مفيدة عبدالرحمن


لكن مع المجلس الثانى (مجلس الوحدة مع سوريا، الذى امتد من ٢١ يوليو ١٩٦٠، حتى ٢٢ يونيه ١٩٦١) خرجت راوية عطية وحل مكانها أربع سيدات جدد هن مفيدة عبد الرحمن، نعمت مهران، وصفية الابصاري، وفكيهة فؤاد فضلا عن أمينة شكرى.


ولدت مفيدة عبد الرحمن فى ١٩يناير عام ١٩١٤ بحى الدرب الأحمر, كانت أول امرأة تدرس الحقوق، ودخلت الكلية وهى أم لطفل، وحصلت وهى زوجة وأم لخمسة أبناء على ليسانس الحقوق عام ١٩٣٥، ولجأت إلى محمد على علوية وقدمت التماسًا للحصول على وظيفة حكومية كان راتبها ٧ جنيهات.


ثم اتجهت للعمل بالمحاماة، فكانت أول محامية تمارس المحاماة، جاءت شهرتها بعدما برأت سائق أتوبيس دهس طفلة فماتت, وبدأ الناس يطلبونها بالاسم من ترشحت فى مجلس الأمة فنجحت, واستمرت فى هذا المجلس لمدة ١٧ عامًا متصلة، وانخرطت فى الحياة السياسية والعامة، وبعد نجاحها فى الدفاع عن بعض القضايا كأول محامية عربية تدخل قاعات المحاكم العسكرية فقد وقع عليها الاختيار لتتولى رئاسة الاتحاد الدولى للمحاميات قانونيات بالقاهرة لتصبح رائدة المحاميات فى العالم العربي، وساعدها هذا المنصب لكى تقوم بجولة فى أوربا بدعوة من هيئة الأمم المتحدة نجحت خلالها فى إعداد دراسة لنظم الأسرة والطفولة، وهذه الدراسة كانت لها فائدتها لدى جميع الجهات المعنية بهذه القضية، وأنشأت العديد من مكاتب توجيه الأسرة والتى اهتمت بالتصدى لمشاكلها، فضلًا عن بيوت الطالبات التى أوت مئات المغتربات من خارج القاهرة.


تلى ذلك المجلس الثالث (الذى تألف فى ظل دستور ١٩٦٤ من ٢٦ مارس ١٩٦٤، ١٦ أبريل ١٩٦٨) وحفل بـ ٨ عضوات، حيث احتفظت مفيدة عبد الرحمن بمقعدها.. كما شهد هذا المجلس انتخاب أول امرأة فلاحة تدخل البرلمان، وهى فاطمة دياب التى فازت عن دائرة مركز شبين القناطر.


أما المجلس الرابع فقد (امتد من ٢٠ يناير ١٩٦٩ حتى ٢٢ يوليو ١٩٧١) ولم تنجح فى الوصول إليه سوى ثلاث سيدات، اثنتين بالانتخاب هما نوال عامر وبثينة الطويل وعين عبد الناصر امرأة واحدة فقط هى مفيدة عبد الرحمن.


نوال عامر نائبة جزارىالمدبح


كانت نوال عامر حاصلة على البكالوريا الفرنسية ولم تكمل تعليمها الجامعى, أراد والدها المحامى محمد أمين عامر، وسكرتير هيئة التحرير بالسيدة زينب، أن يخرجها من أزمة شخصية بعد طلاقها فى سن صغيرة, فدفعها للترشح فى انتخابات الاتحاد القومى (التنظيم السياسى للثورة) عام ١٩٥٨, وبعد أن نزل معها والدها فى المؤتمرات الانتخابية الجماهيرية مشجعًا ومساندًا أعلن فى كل الصحف تنازله عن الترشح لصالح ابنته، التى نجحت فى الانتخابات بالفعل, ونجحت فى حل مشاكل أهل دائرة السيدة زينب رغم أنها لم تكن نائبة بعد, وفى عام ١٩٦٤ وكانت قد بلغت السن القانونية للترشح لمجلس الأمة، وهى ثلاثون عامًا جاء لها كبار جزارى حى المدبح وعلى رأسهم كبيرهم زينهم الرواس يطلبون منها الترشح فى الانتخابات, وبعد معارك استخدمت فيها الأسلحة النارية والمعايرة بترشح النسوان فى دائرة للجزارين نجحت نوال عامر فى تمثيل أهل السيدة زينب, بعدما حماها الجزارون من بطش المنافسين وأسلحتهم, فظلت تمثلهم خمسة وعشرين سنة, فقد شاركت نوال عامر فى ٦ دورات تشريعية بدءا من فبراير ١٩٦٤ وحتى الفصل وحتى ١٩٩٠، وكانت أول امرأة تفوز بمنصب وكيل المجلس.


فايدة كامل زوجة الوزير الفنانة النائبة


فايدة كامل هى ابنة لعائلة فنية، فهى شقيقة الموسيقار ‏عبد‏ ‏الرحمن ‏الخطيب، والموسيقار الراحل سليمان جميل، ومطربة الأوبرا أميرة كامل، بدأت حياتها مطربة وظهرت كممثلة فى عدد من الأفلام, اشتهرت بتقديم الأغانى الوطنية الحماسية, ترشحت فى عام ١٩٧١ عن دائرة الخليفة ونجحت فى تمثيلها لعدة دورات متتالية, حتى أنها دخلت موسوعة جينيس للأرقام القياسية كأقدم برلمانية فى العالم, وقد ترأست لجنة الثقافة والسياحة والإعلام فى مجلس الشعب, كما كانت زوجة لوزير داخلية السادات النبوى إسماعيل.


ورغم قربها من السادات وزوجته بحكم كونها زوجة وزير إلا أنها حققت جماهيرية كبيرة بين أبناء دائرتها ببناء ١١ مدرسة، وعدد من المستشفيات، وإدخال مشروع الصرف الصحى ومياه الشرب لكثير من مناطق الدائرة، ورصف الطرق وإنشاء خمسة مراكز للشباب، إلى جانب بناء المؤسسات الخيرية لرعاية الفقراء والأيتام.