سعد الدين وهبة فى مذكراته «أيام من حياتى» كامل الشناوى كان يكتب أخباراً عن صديقاته الفنانات كنت ألقيها فى سلة المهملات

12/10/2016 - 10:27:56

  سعد وهبة وإلى يمينه تظهر زوجته الفنانة القديرة سميحة أيوب وإلى يساره الأمير أباظة سعد وهبة وإلى يمينه تظهر زوجته الفنانة القديرة سميحة أيوب وإلى يساره الأمير أباظة

تقرير يكتبه: سليمان عبدالعظيم

أول نوفمبر المقبل تصدر مذكرات الأديب والمثقف الكبير الراحل سعد الدين وهبة.


٦٥٠ صفحة سوف تتضمنها دفتىالكتاب الذى يعكف المختصون فى المجلس الأعلى للثقافة على الانتهاء من طباعته، “أيام من حياتى” هو عنوان هذه المذكرات التى أعدها للنشر الأمير أباظة الكاتب الصحفى المقرب إلى صاحب المذكرات طوال الـ ٣٥ عاماً الأخيرة فى مشوار حياة سعد الدين وهبة.


الأمير أباظة أكد لى فى اتصال تليفونى أن سعد الدين وهبة قبل رحيله عن دنيانا عام ١٩٩٧ هو الذى اختار بنفسه هذا العنوان لمذكراته «أيام من حياتى»، وهو ما يعنى أنه بالتأكيد استبعد أياما أخرى من حياته.


«المصور» تنشر هنا فصل من فصول هذه المذكرات التى حرص فيها سعد الدين وهبة على كشف أسرار وحكايات سياسية وصحفية مثيرة لم تنشر من قبل مع فرسان الصحافة ونجوم السياسة منذ عام ١٩٥١ وحتى وفاته..


بعد انتهاء هذا السطر ستعرف ماذا قال سعد الدين وهبة فى هذا الجزء الذى ننشره من مذكراته؟


فى عام ١٩٥١ كنت ضابطاً للمرور فى محافظة الإسكندرية وفى أحد أيام خريف ذلك العام كنت أسير فى الغروب راكباً الموتوسيكل بطريق الكورنيش بمنطقة الإبراهيمية عندما شاهدت سيارة صغيرة يقودها شاب يبدو أنه كان مستغرقاً فى تفكير عميق، كان الظلام قد بدأ يزحف وكانت السيارات قد أضاءت أنوارها إلا بعض السيارات القليلة التى لم يدرك أصحابها بعد أن الظلام قد حل، وكان قائد السيارة الصغيرة واحدا من هؤلاء فاقتربت منه وطلبت منه أن يولع النور.. ويبدو أنه كان مستغرقا كما قلت فى تفكير عميق فهز رأسه ولم يفعل، وبغرور شباب تلك الأيام أشرت له بالوقوف فوقف بجانب الرصيف وبدأت الإجراءات السخيفة التى أعلم تماماً أنها سخيفة ولم أكن أمارسها إلا مع بك متعجرف أو شاب مفتون بشبابه وقد خيل لى أن صاحبنا واحد من هؤلاء.استقر بالسيارة بجوار الرصيف وطلبت منه رخصته فقدم لى الرخصة وقرأت بها:


الإسم : موسى صبرى.


المهنة : صحفى بجريدة الزمان


إذن فصاحبنا صحفى والصحافة فى دمى ولتكن فرصة للدردشة مع هذا الصحفى فسألته كمحاولة لفتح أبواب الحديث :


حضرتك فى الزمان؟


ونزل الرد على كالصاعقة:


أنا كنت فى الزمان إنما دلوقت فى أخبار اليوم.


.. لم أكن أحب أخبار اليوم أو بصراحة أكثر كنت أكرهها أولا لموقفها من الوفد خاصة فى حكومته القائمة التى جاءت بعد أن اكتسحت الانتخابات فى عام ١٩٥٠، والسبب الثانى : أننا كنا قريبى العهد من إضراب البوليس الذى وقع فى إبريل ١٩٤٨ وكان لأخبار اليوم موقف من الإضراب ضد زعمائه وضد كل من قاموا بدور فيه وكنت واحداً منهم لأن الإضراب وقع فى عهد حكومة النقراشى وأخبار اليوم كانت تساند هذه الحكومة فهاجمت القائمين بالإضراب هجوماً شديداً وقالت صراحة أنه كان محاولة لقلب نظام الحكم.


وأعود للصحفى الشاب الذى قدم لى رخصة القيادة والذى لاشك قد أذهله التغير الشديد الذى طرأ على سحنتى فعندما سألته محاولا فتح باب الحديث معه لابد أن ابتسامة عريضة كانت تشمل وجهى وعندما نطق إسم أخبار اليوم لابد أن سحنتى قد تغيرت وعبر عن هذا التغير سؤال جديد :


تسمح رخصة السيارة.


وقدم لى رخصة السيارة ونظرت فيها ووجدت ما أثلج صدرى تماما كان موعد تجديد الرخصة قد انتهى ولم يجددها صاحبنا ورغم أنها مسألة عادية جداً إلا أن ما أحمله من كراهية لأخبار اليوم والذى انتقل فى ثانية إلى هذا الصحفى الذى يعمل بها جعلنى أحتفظ بالرخصتين ثم أطلب منه أن يقود السيارة إلى نقطة بوليس الشاطبى القريبة وهناك سلمت السيارة لضابط النقطة وطلبت من موسى صبرى ان يأتينا فى صباح اليوم التالى بمكتب المرور بمحافظة الإسكندرية وتركته وأنا أشعر بشئ من الراحة فقد استطعت أن « أقرف» صحفياً فى أخبار اليوم التى طالما « قرفتنى» بهجومها على الوفد والنحاس باشا.


وفى اليوم التالى جاء موسى صبرى وبصحبته أحمد رجب الذى أذكر أنه كان مديرا لمكتب أخبار اليوم فى الإسكندرية وكان صديقا لنا جميعا مصطفى حسن مفتش المرور ومحمد توفيق زميلى وبعد لحظات دفع موسى صبرى قيمة تجديد الرخصة وبين تعليقات أحمد رجب ومحمد توفيق انقلبت المسألة الى موقف كوميدى وأخذ احمد رجب يصيح – بقى ياراجل تخليه يروح كعابى.


وماروحش فى تاكسى ليه؟


ماكانش معاه فلوس


ضحكنا وانتهى الموقف ومرت الأعوام. وفى عام ١٩٥٦ أكملت دراستى بكلية الآداب بجامعة الاسكندرية وحصلت على الليسانس واستقلت من البوليس وعملت بالصحافة.


• • •


فى عام ١٩٥٨ عملت بجريدة الجمهورية وفى ١٩٥٩ وكان صلاح سالم رئيساً لمجلس إدارة دار الشعب وتقرر إدماج الشعب والجمهورية فى جريدة واحدة تسمى الجمهورية وتحتها بخط رفيع جريدة الشعب تحت رئاسة صلاح سالم وفى التجديد وعملية الإدماج عيننى صلاح سالم سكرتيراً للتحرير.. كان بالجمهورية صفحة أخبار فنية وثقافية عنوانها صباح الخير وكانت تظهر يومياً فى الجريدة وكان يشرف على تحريرها المرحوم محمد محبوب وذات يوم وقع صدام بين محبوب وأحد مسئولى التحرير ففوجئت «بصلاح سالم» يدعونى إلى مكتبه ويكلفنى بالإشراف على إصدار صفحة صباح الخير وكانت نقلة كبيرة فى حياة صحفى ناشئ أن يحرر صفحة يومية في جريدة يومية وأن يوضع اسمه فى قمة الصفحة.


أقبلت على العمل فى صباح الخير بكل همة ونشاط، وكان المرحوم كامل الشناوى أحد رؤساء تحرير الجمهورية ولكنه - كامل الشناوى - لم يكن يمارس عملا من أعمال رئاسة التحرير غير المشاركة فى إختيار المانشيت وكتابة اليوميات الأسبوعية وكان نشاطه فى غير ذلك أن ينشر فى صفحة صباح الخير بعض الأخبار الفنية يرضى بها بعض أصدقائه أو صديقاته من الفنانين أو الفنانات وعندما أشرفت على الصفحة أصبح ينادينى ويطلب منى نشر خبر عن فنانة أو فنان وبفكرة مسبقة وغير واقعية من الوسط الصحفى عن الوسط الفنى كنت وبعناد شديد ألقى بأخبار كامل الشناوى فى سلة المهملات ولا أنشرها وعندما يسألنى أستمهله يوماً أو يومين إلى أن تأكد له أنى لن أنشر شيئاً يصلنى عن طريقه فكف عن استدعائى أو إعطائى أى خبر من الأخبار بل تجاهل وجودى فى الجريدة تماماً.


وبعد أيام فوجئت بصلاح سالم يستدعينى لمقابلته وما أن رآنى أدخل المكتب حتى بادرنى بصراخ حاد يصاحبه خبط بيده على المكتب:


أنا رئيس التحرير المسئول فى الجريدة دى..


ماحدش مسئول غيرى.. فاهم..


وذهلت ولم أرد بل وقفت صامتاً حتى انتهى من صراخه وسألته عن سبب كل هذه الثورة ويبدو أنه أحس أن المسألة زادت عن حدها فطلب منى الجلوس فجلست مضطراً على الأقل لأعرف سبب هذه الثورة المفاجئة، كانت تربطنى بصلاح سالم علاقة قديمة تمتد إلى ما قبل الثورة إذ كنت زميلاً لشقيقه المرحوم أحمد محيى الدين فى كلية البوليس ولكن علاقتنا تجاوزت الزمالة إلى صداقة حميمة عرفت عن طريقها جمال سالم وصلاح سالم وعرفانى فى ظروف تختلف تماماً عن الظروف التى جمعتنا فى الجمهورية صلاح رئيس مجلس إدارة وعضو مجلس قيادة ثورة سابق وأنا محرر مبتدئ وضابط بوليس سابق.. وعندما التقى بى صلاح سالم فى الجمهورية كنت من أقرب الناس إلى قلبه وكان بالنسبة لى فى نفس المقام لذلك كانت دهشتى شديدة من هذا التحول الشديد والفجائى.


جلست وبعد لحظات عاد صلاح إلى هدوئه وعدنا كما كنا وعرفت الحقيقة.


كان صلاح سالم يرأس مجلس تحرير الجريدة الذى كان يحضره طبعاً كامل الشناوى وحدث أن ذكر صلاح سالم فى حديثه الاثنتى عشرة صفحة المكونة منها الجريدة فرد كامل الشناوى بجد شديد: حداشر صفحة..


وتساءل صلاح:


قصدك ايه يا كامل بيه ؟


وقال كامل الشناوى:


الحقيقة كل الجرائد بالجوز إلا الجمهورية بالفرد...


وعاد صلاح سالم يسأله:


قصدك إيه يا كامل بيه؟


الجمهورية حد أشر صفحة بس وسأل صلاح سالم بنفاد صبر:


يعنى إيه يا كامل؟


ورد كامل:


فيه صفحة بيحررها سعد الدين وهبه ماهياش ضمن الجريدة. أعلن الاستقلال ومش همه حد.. ومحدش مننا يعرف عنها حاجة.


وتحدث باقى أعضاء المجلس مؤيدين كامل الشناوى وصدق صلاح سالم فكانت ثورته العارمة.


.... وبعد أن عرفت الحقيقة من صلاح سالم أردت الانصراف فاستبقانى لأشاركه طعام الغداء.


كان رحمه الله قد بدأ فى ذلك الوقت يشكو من النقرس وأصبح طعامه الجبن والزبادى وجلست أكل معه وقال لى بهدوء شديد وحب أشد :


اللى حصل النهاردة بيأكد أن الجماعة هنا ( يقصد هيئة تحرير الجمهورية ) مش طايقينك.. يمكن لعلاقتى بيك.. وأنا رأيى تسيب الجمهورية ونشوف لك حته تانية.


ورددت على مضض :


اللى تشوفه.


وأمسك بسماعة التليفون وطلب حلمى سلام وكان رئيساً لتحرير مجلة الإذاعة التى كانت فى ذلك الوقت تصدر عن دار التحرير. وانتهت المكالمة بتعيينى مديراً لتحرير مجلة الإذاعة.


وهكذا نقلنى كامل الشناوى من الجمهورية إلى مجلة الإذاعة (بنكتة).


• • •


كانت مجلة الإذاعة تحتل مبنى جريدة الشعب بشارع قصر العينى، وفى صباح اليوم التالى توجهت إلى مبنى المجلة حيث قابلت حلمى سلام وأعطانى مكتباً واسعاً فخماً جلست فيه وإتفقنا على كتابة مقال أسبوعى.


وعدت إلى البيت بعد الظهر،ولأول مرة يأتى المساء فأحس بالفراغ.. العمل فى مجلة الإذاعة ينتهى عصر كل يوم، وقد تعودت فى الجمهورية أن أصل النهار بالليل ولا أعود إلى البيت إلا فى فجر اليوم التالى.


ومر يوم... وفى مساء اليوم التالى وجدت نفسى اخذ طريقى إلى الجمهورية، وقضيت المساء فى مكاتب الزملاء، أساعد أحدهم فى كتابة خبر أو أكتب رأى الجمهورية إذا طلب منى، واستمرت هذه المرحلة منذ نهاية ١٩٥٩ حتى بداية عام ١٩٦١.


كان موسى صبرى قد عين رئيساً للتحرير فى هذه الفترة وكان المرحوم إسماعيل الحبروك قد انتقل إلى رحمة الله، وأصبحت الجمهورية يشرف على تحريرها إثنان هما إبراهيم نوار وموسى صبرى وكل منهما يشرف على ثلاثة أيام من الأسبوع والعدد الذى كان يصدر يوم الخميس كان يشرف عليه المرحوم سامى داود، وعرفت موسى فى هذه الفترة وترددت على مكتبه مساء الأيام التى يعمل بها وكلفنى بعشرات الأخبار والموضوعات التى أكتبها وشاركت فى إعداد المانشيت أكثر من مرة، وتعرفت أيضا فى هذه الفترة بكامل الشناوى وزالت المشاعر العدوانية التى كان يحملها كل منا للآخر وأصبحنا من أقرب الأصدقاء وذات يوم فى شهر يونية ١٩٦١ نادانى موسى صبرى وأبلغنى أننا سنذهب سوياً إلى الإسكندرية لمقابلة صلاح سالم وسألته عن السبب، فقال أنه سيبلغنى فى الطريق.. وفى الطريقى حكى لى موسى صبرى، قال انه لاحظ أنى أساعدهم فى الجمهورية مساعدة كبيرة، وأنى أصلح تماماً للعمل فى الصحيفة اليومية، ولكنه لم يعرف لماذا يبعدنى صلاح سالم إلى المجلة الأسبوعية فسأله عن رأيه فى فقال له صلاح سالم ما اعتبرته ومازلت أعتبره من أعظم الأوسمة التى نلتها فى حياتى، قال صلاح سالم: عندما كنت وشقيقى جمال نحكم مصر لم نر سعد مرة واحدة لا فى البيت ولا فى مكتب من مكاتبنا وعندما تركنا مواقعنا أراه كل يوم إما فى بيت العائلة أو المكتب، وحكى له صلتى بشقيقه المرحوم محيى التى بدأت قبل الثورة بسنوات وعندما اطمأن موسى لرأى صلاح سالم فى اقترح عليه أن أعين مديراً لتحرير الجمهورية وأن أعمل معه فى الأيام المحددة له فوافق صلاح وطلب أن نذهب إليه معا فى الإسكندرية، وهناك صدر القرار وعملت مع موسى صبرى ثلاثة أيام.


وفى ليلة سهرتها مع موسى صبرى فى الجمهورية سألته:


هل تذكر ضابط بوليس قابلك على الكورنيش منذ عشر سنوات (واترازل) عليك؟!


وتذكر «موسى صبرى» الواقعة.. وذكرت له من هذا الضابط.


بعد عشر سنوات يصبح مساعداً له فى إصدار جريدة يومية.


وعملت مع موسى صبرى ثلاث سنوات تعلمت منه فيها الكثير، ولكن واقعة واحدة وقفت منه مخالفاً وحتى عندما التقينا قبل وفاته بعام فى باريس وهو يعانى أشد ألوان المرض وتحدثنا كنت مازلت عند رأيى وكان مازال عند رأيه.


هذه الواقعة ذكرها موسى صبرى فى كتابة ( ٥٠ عاماً فى قطار الصحافة ) ولو لم يذكرها لكنت قد ترددت كثيراً فى ذكرها ولكن مادام قد كتبها بنفسه فإنى فى حل من الحديث عنها، قال موسى صبرى عن صلاح سالم مانصه :


( وفى الجمهورية كرمت وفاته فى كل الصفحات وعلى مدى أيام وكنا نصدر بشارات السواد فى الصفحة الاولى وفى كل الصفحات بل إن الحرفة الصحفية أجبرتنى أن أعد موضوعات الرثاء والتحقيقات عن حياة صلاح سالم وكل ما أنجزه قبل الوفاة.. بعد أن تأكد رأى الأطباء أنه يمضى فى مستشفى الطيران بالعباسية ساعاته الأخيرة).


• • •


ولنعد إلى أيام سوداء فى فبراير عام ١٩٦٢ وذات يوم كنت وموسى كل فى مكتبه نعد عدد الغد عندما تلقى موسى مكالمة تليفونية من أحد سكرتيرى صلاح سالم والذى يلازمه فى مستشفى الطيران أن حالة صلاح الصحية ساءت للغاية، وأنه تقريباً فى النزع الأخير.. وحملتنا سيارة من الجمهورية إلى المستشفى تسبقنا دموعنا.


وصلنا إلى المستشفى كل شئ هادئ هدوء القبور صمت كئيب صمت أبلغ من الحديث.. علمنا أن الرئيس «عبد الناصر والمشير عامر» معه فى حجرته وأنه فاقد الوعى تماماً ووقفنا فى أحد ممرات المستشفى لا ندرى ما نفعله وهل نستطيع فى مثل هذه الظروف أن نصنع شيئاً سوى البكاء والحسرة والألم، ومرت دقائق ثم ساعة وأكثر وأخيرا بدد الصمت همس يتناقل لقد استرد صلاح وعيه وانفرجت الأزمة عندها فقط نظر لى موسى صبرى وقال كلمة واحدة الجرنال.


وتركنا المستشفى إلى الجمهورية...


المهم افترقنا داخل الجمهورية وذهب كل منا إلى مكتبه.. فوق مكتبى عشرات البرقيات والمقالات والأخبار والتحقيقات... جلست أقلب فيها عندما دق جرس التليفون الداخلى وسمعت موسى صبرى يقول:


سعد تعالى عاوزك


وذهبت إليه ودخلت المكتب فطلب منى أن أقفل الباب بالمفتاح من الداخل حتى لا يزعجنا أحد وكانت هذه عادته إذا كان لديه خبر مهم أو موضوع سرى يريد أن يحدثنى به.


أغلقت الباب وجلست أمامه فى جدية ومازلت أذكر ملامح وجهه التى تنطق بها.


قال : اسمعنى كويس.. اللى حصل النهاردة ده بروفة.. صلاح سالم حالته متأخرة جداً وأنت سمعت الدكاترة بنفسك هو اجتاز الأزمة دى صحيح إنما يمكن بكره بعده بعد أسبوع يحصل أمر الله وأنا فكرت فى حالتنا يوم مايموت «صلاح سالم» طبعا هتقعد تعيط وأنا زيك ومش حنطلع الجرنال وحتبقى فضيحة. إيه رأيك.


وصمت ليعرف تأثير كلامه على وكنت أسمعه بكل جوارحى، أن ما يقوله قطعاً صحيح وأمنت على كلامه وعاد يقول :


عشان كده انا وضبت الصفحة الأولى وكتبت العناوين وفرد أمامى (ماكيت) وهى ورقة مقسمة لأعمدة بحجم ورقة الجريدة وأشار بيده – هنا صورة كبيرة فوقها الشريط الأسود – هنا كلمة رثاء من الجريدة.


هنا ملخص تاريخ حياته... هنا.. هنا وادى العناوين إديها للخطاط يجهزها من دلوقت.. وفاة صلاح سالم فى الفجر عنوان ثان وفاة صلاح سالم فى الظهر... وفاة صلاح سالم مساء.. وعناوين أخرى فيها جميع الاحتمالات.


شرد عقلى وأنا أنظر إلى ما فعله وما يقول ثم طوى كل هذه الأوراق وقال لى:


روح مكتبك واكتب كلمة رثاء تنزل باسمك يوم الوفاة لأنك طبعاً يومها حتقعد تلطم ومش حتعرف تكتب حاجة.


وتركته وعدت إلى مكتبى وطلبت القهوة وأغلقت الباب وكتبت كلمة واحدة «مات صلاح سالم».


ووضعت القلم ولم أكتب حرفاً زائداً..


ووجدتنى أسأل نفسى:


مات صلاح سالم، هذا كذب صلاح سالم لم يمت كيف استطاع موسى أن يقنعنى ربما متنا أنا وموسى صبرى قبله.. وألقيت بالقلم وذهبت إلى موسى فى مكتبه وبداخلى ثورة عارمة:


إزاى إحنا نكتب إن صلاح سالم مات وهو ما ماتش


ورد بهدوء :


قلت لك الجرنال لازم يطلع


يطلع أن شاء الله عنه ما طلع إحنا حندخل فى حكم ربنا، ورد وهو يضع أمامى كومة من الأوراق إيه رأيك مصطفى أمين كتب وادى مقاله أهه.. خليه عندك ورديت بعصبية


كفر...


وبهدوء وهو يضع أمامى مقالاً آخر: طب إيه رأيك فى «الشيخ الباقورى» أنا كلمته وكتب مقال أهه خليه عندك، ولم أقل كفر هذه المرة ولكنى قمت ومعى الأوراق التى أعطاها لى وأنا غير مقتنع بأى تصرف فى هذا الاتجاه.


ومر أسبوع، وفى نفس الوقت ونحن مسئولون عن الجريدة مات صلاح سالم وكانت الجريدة طبعاً جاهزة، كل الذى فعلته أنى سلمتها للمطبعة بين دموعى، وكما توقع موسى صبرى «بالضبط غلبتنى أحزانى فلم أكتب كلمة واحدة فى رثاء صلاح سالم بل لم أستطع أن أكتب إلا فى ذكرى الأربعين.


هذا هو الذى عناه موسى صبرى (بأن المهنة أجبرته) ولا أدرى فى داخلى حتى الأن هل كان «موسى صبرى» مصيباً فى كل ما توقع وأعد له نفسه، لقد كان صادقا مع المهنة خاضعاً لها وكنت صادقا مع مشاعرى... من منا على حق؟


رحم الله الرجلين صلاح سالم وموسى صبرى فقد كان كل منهما فارساً فى ميدانه.