الخطة الأمريكية من أجل سوريا (١)

12/10/2016 - 10:23:43

بقلم: خالد عكاشة مدير المركز الوطنى للدراسات الأمنية

اعتباراً من هذا العدد ننشر ونتناول بالتحليل فى (مجلة المصور) كأول مطبوعة مصرية وعربية تنفرد بالرؤية الأمريكية الخاصة بالأزمة السورية، والتى أعدتها مؤسسة «راند» نهاية العام ٢٠١٥م وأضافت عليها الكثير من التنقيحات فى منتصف ٢٠١٦م، تحت عنوان (خطة سلام من أجل سوريا) تتضمن حلاً مقترحاً للأزمة المتفاقمة فى سوريا، قام بإعدادها كل من «جيمس دوبنز» الرئيس الفخرى لوحدة الأمن والسياسة فى راند وهو مساعد سابق لوزير الخارجية الأمريكي، و«فيليب جوردون» زميل أقدم فى مجلس العلاقات الخارجية ومساعد وزير الخارجية للشئون الأوربية والأوراسية، و«جيفرى مارتيني» محلل للشرق الأوسط فى راند وقضى عام ٢٠١٤م فى وزارة الخارجية فى لجنة النزاعات وعمليات توطيد الاستقرار


وهى الخطة الموجودة فى ثلاث نسخ بالبيت الأبيض الأمريكى وبوزارة الخارجية والبنتاجون الأمريكى منذ تاريخ صدورها بنسختها الأولية وبما جرى عليها من تعديلات، ننشرها باللغة العربية لما فيها من رؤى ومخططات فائقة الخطورة والأهمية تتحرك على ضوءها الإدارة الأمريكية الحالية وستنتقل إلى الإدارة القادمة، نلتقى معها على حلقات متتالية بـ(مجلة المصور) إن شاء الله تعالى.


وعلى ضوء هذا نبدأ فى النص الأصلى الذى بدأت أولى ملامحه فى ديسمبر من العام ٢٠١٥م والذى جاء فيه:ـ


ساهم الصراع الدائر فى سوريا فى خلق جيل متطرف كامل من الشباب المسلم، عدا عن تسببه بقتل وإصابة مئات الآلاف من الأبرياء وإجبار ملايين السوريين على الفرار من منازلهم، وزعزعة استقرار الدول المجاورة وتوتر روابط التضامن الأوربى وتعزيز التعصب الدينى فى الولايات المتحدة، وبلا شك فإن خيار الوصول إلى حل سلمى ـ أى حل ـ سيكون أفضل بكثير من استمرار هذه الحرب. ونحن هنا نعرض اقتراحاً لما نعتقد أنه أكثر طريقة عملية لإيقاف العمليات القتالية فى سوريا وإنهاء المعاناة التى تسببها.


بدأت الحرب فى سوريا كانتفاضة شعبية ضد الحكم الاستبدادى الذى مثله بشار الأسد. وعلى مدار السنوات الأربع الماضية، تطور الصراع ليصل إلى حرب شاملة يشترك فيها الجميع ضد الجميع. وتسبب ذلك بتأليب النظام ضد المعارضة، والشيعة ضد السنة، والعرب ضد الأكراد، والمعتدلون ضد المتطرفين. أضف إلى ذلك نجاح الصراع باجتذاب عشرات آلاف المقاتلين الأجانب من أوربا وأمريكا الشمالية وأفريقيا إلى سوريا، وهو ما ساهم فى إشعال ومفاقمة المنافسة الجيوسياسية بين المملكة العربية السعودية وإيران وروسيا والولايات المتحدة وغيرهم فى المنطقة. هذا عدا عن استنزاف الكثير من القدرات العسكرية الضخمة على مدار جولات الصراع. قد يكون هناك زمن ما، وكان مبكراً جداً فى عمر الصراع، يصح عنده القول بأن الفوائد المترتبة على سقوط الأسد ستكون كبيرة من النواحى البشرية والاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ولكن بلا شك فإن هذا الزمن انتهى منذ فترة بعيدة جدا.


والآن، فإن مسألة بقاء أو رحيل الأسد على المدى القريب مرتبطة تماما بمسائل نفعية بحتة. فالولايات المتحدة عليها المتابعة فى المسار الذى يقود إلى إنهاء القتال بسرعة أكبر. هناك مساران مختلفان فى التسلسل يقودان إلى السلام فى سوريا، الأول يركز على التوسط بين الأطراف بحلول سياسية شاملة تعمل على ترتيب العلاقات بين الأطراف السورية المتحاربة وداعميها الخارجيين، ويشمل هذا المسار إصلاح مؤسسات الدولة وتشكيل حكومة جديدة ووضع خطة عملية للانتخابات، يترافق ذلك كله مع بدء تفعيل وقف لإطلاق النار وإطلاق عمليات إعادة الإعمار. أما المسار الثانى فيعتمد على الوصول إلى موافقة فورية على وقف إطلاق النار يعقب ذلك إجراء مزيد من المفاوضات على شكل الدولة السورية وحكومتها المستقبلية.


من الواضح أن «النهج الثاني» ـ وهو الهدف الحالى للعديد من الجهات الفاعلة الخارجية الرئيسية فى الصراع السورى وكذلك المعارضة ـ سيكون أفضل، ولكن للأسف يبدو من الصعوبة بمكان احتمال توصل الأطراف السورية لأى اتفاق على ترتيبات مفصلة بخصوص الدولة السورية الجديدة، ناهيك عن قيادتها فى أى وقت قريب. وفى أحسن الأحوال، فإن ما قد يتحقق سيكون أشبه بالصيغة العامة للإصلاح المؤسسى يترافق مع وقف فورى لإطلاق النار، وهو ما سينهار سريعا مع انهيار المفاوضات.


وبناء على هذا الاستنتاج، فإن علينا التركيز بشدة على تأمين وقف لإطلاق النار يترافق مع ترتيبات دولية متفق عليها تنفذ على الأرض ـ لن يوافق الأطراف بسهولة على هذا المسار لكنه المسار الأكثر واقعية. عدا عن أن نجاحه سيوفر بديلا حقيقيا للتصاعد الخطير فى مسار هذه الحرب المدمرة، وقد لا يكون وقف إطلاق النار شرطا كافيا للوصول إلى تسوية سياسية فى نهاية المطاف، لكنه سيكون إحدى الضرورات الأساسية لإنجاز التسوية تلك. وفور توقف القتال واستنادا لقطاعات السيطرة الحالية، ستجد سوريا نفسها مقسمة إلى أربع مناطق مختلفة. تسيطر الحكومة على إحداها، فيما يسيطر الأكراد على منطقة أخرى، فيما تسيطر المعارضة السنية على المنطقة الثالثة، وبالطبع تخضع المنطقة الأخيرة لسيطرة تنظيم داعش.


داعش من جهتها ولعدم امتلاكها داعما خارجيا يؤثر فى قراراتها، فستكون فى مأمن كبير من التأثر بأى إملاء خارجي، وبالتالى سترفض أى وقف لاطلاق النار. وبالتالى يمكن تقسيم سوريا إلى ثلاث مناطق آمنة، وهى المناطق التى يتم التوافق فيها على وقف إطلاق النار، ومنطقة رابعة يكون للجميع الحق والحرية فى قتال داعش وشن هجمات عليها.


(المناطق الآمنة كأساس للسلام فى سوريا)


لا يمكن لأى اقتراح للسلام والاستقرار فى سوريا أن ينجح دون أن يبدأ بتحقيق الهدف المتمثل فى توفير الأمن لما يقرب ١٦.٦ مليون سورى ما زالوا يقطنون مدنهم، عدا ٧ ملايين نازح سورى داخل سوريا نفسها أجلوا عن مدنهم تحت ضغط العمليات العسكرية هناك.


ويضم اقتراحنا تحديدا للهدف والمركز فيه، لكنه أيضا يقر بثلاث حقائق صعبة. أولاها، أن الحرب التى استمرت فى سوريا لأكثر من أربع سنوات وخلفت أكثر من ربع مليون قتيل، تركت بشكل كثيف انقسامات مبنية على أساس الطائفية والعرق ـ وينبغى أن يكون هناك جهد مركز على إنهاء والحد من هذه الانقسامات على المدى الطويل.


الحقيقة الصعبة الثانية، تتمثل فى الإقرار بفشل نهج الولايات المتحدة وشركائها فى دعم المعارضة السورية وتسليحها لخلع نظام الأسد، ومن المرجح ألا تنجح أى جهود شبيهة فى الفترة القادمة. وقد أثبتت إيران وروسيا التزامهما الشديد بالمحافظة على النظام فى موقعه، وأى تصعيد للصراع لن يؤدى إلى استسلام بشار الأسد، بل سيزيد من القتل واللاجئين والتطرف.


الحقيقة الصعبة الثالثة، تتمثل فى أن خطوط القتال على أرض الواقع الآن يجب أن تكون الأساس لأى هدنة مستقبلية. بالإضافة إلى ضرورة إدخال مبدأ تبادل الأراضى بشكل محدود لضرورات تسهيل فض الاشتباك بين المقاتلين، والمساعدة فى تنفيذ وقف إطلاق النار.


وبعد أخذ هذه الحقائق بالاعتبار، فإن أفضل أمل لوقف المذبحة الحاصلة فى سوريا الآن يتمثل فى قبول مناطق متفقاً عليها، تأخذ بعين الاعتبار الانقسامات العرقية والطائفية والمعارك الحالية، وتعزيز القوى المجتمعية فيها لتعزيز السلم، ومثل معظم دول الشرق الأوسط فإن الانهيار الطائفى الحاصل فى سوريا لا يزال بعيدا عن مرحلة التطهير العرقي. تاريخيا، اختلط المجتمع السورى وتعايشت فيه معظم الطوائف، ولذا لا يوجد أى قاعدة صلبة تستند إليها عمليات التطهير العرقى فى أرض يسكنها مجتمع واحد. بالاضافة إلى ذلك، يشكل العرب السنة أكثر من ٦٠٪ من سكان سوريا، وينتشرون فى معظم أنحاء البلاد، بل ويشكلون غالبية سكان مناطق سيطرة النظام، وكثير منهم ما زال مواليا للنظام حتى الآن.


وبعيدا عن هذه المحاذير فإن الخريطة العرقية والطائفية السورية تعكس إلى حد كبير «التجمعات المناطقية»، وهى التى تعززت عبر الهجرة الداخلية فى سوريا. فالمسيحيون والعلويون السوريون يتواجدون بشكل أساسى فى المنطقة الغربية المتاخمة للحدود اللبنانية والبحر المتوسط، والأكراد بدورهم يهيمنون على الحدود الشمالية مع تركيا، فيما يقيم الدروز فى جيوب موزعة فى الجنوب، أما العرب السنة فينتشرون على باقى مناطق سوريا، حيث تشكل مناطقهم العمود الفقرى للبلاد، وتمتد من درعا فى الجنوب حتى حلب شمالا وتمر فى دمشق وحمص وحماة. وهذا يشمل معقل العرب السنة فى وادى نهر الفرات وهو الذى تسيطر عليه داعش الآن.


وليس من قبيل المصادفة أن تنعكس الجغرافيا الطائفية والعرقية السورية على خطوط المعارك الحالية. فيما تمثل الاستثناءات الرئيسية لهذه الحالة مناطق سيطرة النظام فى دمشق، حيث غالبية سكانها من السنة الداعمين للنظام ويسيطر عليها العلويون. وتنقسم المناطق السنية العربية التى لا يحكمها النظام بين جماعات المعارضة المختلفة، والتى تتراوح بدورها بين الجماعات المعتدلة والمدعومة من أمريكا أو جبهة النصرة التابعة للقاعدة أو داعش، وما بين هذه المجموعات من أطياف تندرج ضمن الطيف الأيديولجى المتناقض، ولإضفاء مزيد من التعقيد على المشهد فإن جماعات المعارضة هذه تعمل فى مناطق تماس مشتركة كثيرة، وتقع بينها أحيانا تعاونات أو اشتباكات حسب كل منطقة ومن يتواجد فيها.


.......... بعد هذا الاستعراض من قبل مؤسسة «راند» كنظرة بانورامية من وجهة النظر الأمريكية للمشهد السوري، وما طرحته كمقدمات ومعضلات ستضع لها بعضاً من الرؤى والخطوات، التى يرى باحثو المؤسسة أنها يمكن أن تكون خطة العمل المتكاملة لأمريكيا لصناعة السلام والخروج من الأزمة المعقدة التى فصلت فى تفكيكها سابقا، وهذا ما سنتناوله فى الحلقة القادمة الأسبوع المقبل إن شاء الله.