الفكر الدينى وقبول الآخر

12/10/2016 - 10:17:08

بقلم: جمال أسعد

الحديث عن تجديد الخطاب الدينى قد أصبح مسار تساؤلات ونقاشات تكون هادئة أحيانًا وكثيرًا ما تعلو ويصاحبها صخب حاد. فهل الحديث والمطلب بهذا التجديد يقصد الخطاب الدينى أم يعنيه الفكر الدينى فى المقام الأول؟ فالخطاب هو الأسلوب والوسائل التى يتم بها نقل الفكر الدينى إلى المتلقى والمستمع. وهذا الأسلوب وتلك الوسائل دائمًا متطورة ومتصاعدة من حيث اللغة فهى تساير وتواكب الواقع ومدى قدرته على الاستيعاب. أما الوسائل الأخرى فهناك وسائل متعددة وكثيرة ولا تكتفى بوسيلة المنبر التى كانت هى الوسيلة الأهم قبل ذلك فهناك الإذاعة والتليفزيون والصحافة ناهيك عن كافة وسائل الاتصال الإلكترونية.


أما الفكر الدينى الذى تنقله هذه الوسائط فهو فكر البشر وتفسيراتهم واجتهاداتهم فى فهم وتفسير وتأويل النص الدينى الذى هو النص الإلهى فى معتقد معتنقى الأديان. ولأن هذا الفكر هو فكر بشرى فهو خاضع ومتأثر مباشرة بفكر ونشأة وثقافة ومجتمع صاحب هذا الفكر، ولذا نرى ومنذ البداية وبالرغم من وحدانية النص الدينى (القرآن والإنجيل مثلًا) نجد أن هناك اختلافًا ومفارقات بل أحيانًا تناقضات بين فكر وآخر الشىء الذى جعل بالرغم من وحدانية الدين والنص هناك عشرات بل مئات الطوائف فى الدين الواحد. فهناك فى المسيحيين (الأرثوذكس والكاثوليك ومئات الطوائف الإنجيلية البروتستانتية) وجميعهم باسم المسيحية وكتابهم الإنجيل. نرى السنة والشيعة وهم مسلمون وكتابهم القرآن. بل وصل الأمر بالرغم من أن الدين واحد والنص واحد فهناك فى التاريخ صراعات ومعارك بل حروب بين أصحاب الفكر الدينى المختلف عن الآخر. فهناك حرب الثلاثين عاما (١٦١٨- ١٦٤٨) بين الكاثوليك وبين البروتستانت راح ضحيتها الملايين من البشر من الجانبين وباسم المسيحية.


هناك الحروب ومنذ البداية بين السنة والشيعة حتى قبل تداول هذه المسميات بل لازال الصراع قائمًا حتى الآن والأهم أن هذا الصراع المذهبى بين السنة والشيعة يتم استغلاله من جانب قوى استعمارية تريد تقسيم المنطقة على أسس طائفية ولا تريد خيرًا للمنطقة ولا للطرفين تريد مصلحتها فقط.


وبالطبع كل طرف من الأطراف المختلفة فى أى دين يعتبر نفسه أنه الأحق والأصح وأنه هو الفرقة الناجية دون سواه. وهنا إذا كانت الإشكالية فى تفسير النص حيث إن النص بلا شك هو المقدس عند أصحابه. ولكن المشكلة هى أن قداسة النص الدينى تنسحب على تلك التفسيرات وهذه الاجتهادات وتلك التأويلات فتصبح مقدسة قداسة النص بل إن التراث التاريخى من أقوال وحكم وتجارب ومواقف تصبح أيضًا مقدسة قداسة النص، وهنا يختلط المقدس بغير المقدس ويصير النسبى مطلقًا والبشرى إلهيًا وكأن الاجتهاد هو الحقيقة المطلقة وأن البشر قد أصبحوا معصومين. وكل هذا، وهذا ثابت بالتاريخ والواقع يتم لمصلحة ذاتية ولمواقف شخصية وناتج عن صراعات لا تخلو من خلفية سياسية مظهرها الدين وخلفيتها السياسة. وتكون النتيجة الطبيعية هى استغلال الدينى لصالح السياسى لما للدين من مكانة مهمة تسيطر على الوجدان والعواطف فتتحكم فى الواقع والحياة الدنيا وتعطى الأمل والمكافأة فى الحياة الآخرة وهذا فى كل الأديان وعلى مر الزمان. والحديث هنا عن تصحيح وتجديد الفكر الدينى هل هو المقصود الفكر الدينى الإسلامى فقط باعتبار أن السيسى قد كرر الطلب أكثر من مرة قاصدًا الفكر الدينى الإسلامى وحده حيث كان الطلب من الأزهر؟ وهل هذا لأن الفكر الدينى المسيحى لا يحتاج إلى تصحيح وتجديد؟ لا شك أن الفكر الدينى بكينونته بتصحيحه أو تجديده يعنى الدين والإنسان، بمعنى أن الدين هو الدين عند أصحابه ومعتقديه فالدين مقدس وهو الحقيقة المطلقة عند من يؤمن بالدين سواء كان إسلامًا أو مسيحية أو بوذية. كما أن الإنسان هو الإنسان ففى تفاعل الإنسان وقناعته وإيمانه بدينه وبممارسة طقوسه هو ذات الإنسان فى أى دين كان. ولذا فتجديد الفكر الدينى يعنى أن هذا التجديد يهدف إلى كل الأديان التى نؤمن بها كمصريين، فالفكر الدينى الإسلامى لا شك أنه يؤثر ويشكل فكر المسلم بل يحدد توجهاته واختياراته خاصة تجاه الآخر غير الديني، كذلك الفكر الدينى المسيحى يفعل نفس الشىء وله ذات التأثير على المصرى المسيحي، هنا بالطبع ولأن المسلم والمسيحى مصريون يعيشون على أرض واحدة ومصيرهم وآمالهم واحدة. هنا لا شك أن هذا الفكر الدينى أيًا كانت نوعيته ولأنه يؤثر فى كل من المسلم والمسيحى فإنه هو الذى يؤثر بالطبع فى مسار العلاقات الاجتماعية التى تؤثر على وحدة الوطن وتوحد المصريين. وهذه الوحدة وذاك التوحد هو الذى يشكل البنية التحتية والجماهيرية لتقدم الوطن أو تخلفه. ولأننا كمصريين فاهتمامنا بالدين والتدين سبق التاريخ وهذا يعنى أننا كمصريين من يتأثر بشكل مباشر بالفكر الدينى وما يطرح على منابر الكنائس والمساجد وهنا تصبح المطالبة بهذا التجديد لا تقتصر على الفكر الدينى الإسلامى فقط بل المسيحى أيضًا حتى نكون صادقين فى دعوتنا ومخلصين لهدفنا. أما الفكر الدينى لم تقتصر نتائجه على الفهم الصحيح للدين فقط وهذا مطلوب جدا. ولكن الفكر الذى نقصده هو ذلك الفكر الذى يرفض الآخر الدينى وغير الدينى. فالمسلم السنى يرفض المسلم الشيعى. والمسيحى الأرثوذكسى يرفض المسيحى الكاثوليكى وهذا يرفض الإنجيلى. ناهيك عن أن مجمل فكر أصحاب الأديان يرفض الدين الآخر جملة وتفصيلا. نعم هناك أرضية طبيعية تجعل المسلم يرفض المسيحية وتجعل المسيحى يرفض الإسلام، لأن كل دين يعتبر أصحابه أنه الحقيقة المطلقة بالنسبة للدين الآخر وإلا لا يصبح المسلم مسلمًا ولا المسيحى مسيحيًا. فاليهود يعتقدون أنهم شعب الله المختار دون بقية الشعوب. والمسيحيون يؤمنون أن كل من لم يكن مسيحيًا لايعاين ملكوت السماوات. وكذلك المسلم يؤمن بيقين أنهم خير أمة أخرجت للناس. نعم هذا طبيعى. ولكن هل هذا الإيمان اليقينى والمطلق بالدين والذى يمكن أن يرفض الدين الآخر يعنى أن يتم رفض الآخر الدينى الذى هو الإنسان؟ وهل عندما أراد الله سبحانه وتعالى تلك التعددية خاصة أن الإسلام يجمع فى طياته مسار اليهودية والمسيحية انتهاء بالإسلام قال أرفض الإنسان الذى خلقه الله وكرمه وهذا بالمطلق فلم يخلق ويكرم المسيحى فقط ولا المسلم فقط بل خلق وكرم الإنسان أيًا كان دينه وأيًا كان معتقده فهو الخالق للجميع وهو الذى أراد ذلك لحكمة يدركها وحده؟ هل يتصور أحد أن أصحاب دين يمكنهم أن يتخصلوا من أصحاب الأديان الأخرى؟ نعم من حق كل صاحب دين أن يؤمن ويعتقد أنه سينال الجنة أو أنه سيدخل السماء وهذا حق وصحيح من وجهة نظره وتماشيًا مع معتقده. ولكن لابد أن يدرك كل منا أن الآخر يؤمن بذات الإيمان وينتظر ذات الرجاء وهذه حكمة وعظمة الإيمان الدينى بشكل عام ولأى دين. فالله هو الذى خلق الإنسان وأنزل الأديان وأراد التعددية. وهذا يعنى بالطبع أن من حق أى إنسان أن يؤمن بما يعتقد وبما يؤمن وفى ذات الوقت للآخر نفس الحق. فالأديان خاصة السماوية مع توضيح جوهر المعتقد الدينى والأساس المشترك هو عقيدة الألوهية والإيمان بالله الواحد. إضافة لتسجيل المرحلة التاريخية والاجتماعية للواقع وللموقع الذى نزل فيه الدين. ولكن الجوهر هو ما يسمى بالمقاصد العليا والمبادئ الأساسية والقيم القويمة للدين. والمقاصد العليا هى التى تقبل فى مجملها الآخر الدينى وغير الدينى حيث إن الله الذى سيحاسب. «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، “ الأمة التى تعمل صلاحًا هى مقبولة عند الله” كما أن العبرة بالإيمان الممزوج بالعمل، «ما وقر فى القلب وصدقه العمل» «ليروا أعمالكم الصالحة فيمجدوا أباكم الذى فى السموات» و”إيمان بدون أعمال إيمان ميت» والأهم فإن الله الذى أراد التعددية وأعطى الحرية للإنسان حتى أن لا يؤمن بالله. هو الذى سيحاسب الجميع «إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شىء شهيد» أما أن يتصور كل صاحب دين أنه هو الوحيد والأوحد الذى ينال الآخرة دون غيره أو دين دون سواه «ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرًا» فكفى متاجرة بالأديان وكفى تحميلا للدين ما ليس فيه وكفى استغلالًا للدين والعاطفة الدينية ولا عصمة لغير الله ولاتسليم إلا لله. كفى استغلالا وتأجيجا للعاطفة الدينية. كفى استغلال الدين لصالح السياسى. نعم للنص الدينى السماوى. ولكن التفسير والتراث فهذا فعل بشرى يقبل الصواب والخطأ فلا تجعلوا غير المقدس مقدسًا. ولا وصاية على الدين لغير الله. فتصحيح وتجديد الفكر الدينى بما يستند إلى النصوص التى لا تحتمل التأويل فهذا واجب واجتهاد على كل من له قدرة وله اهتمام ويملك الرأى بلا وصاية من مؤسسة فالدين علاقة بين الله والإنسان وللقضية أبعاد أخرى إن شاء الله.