خروجا عن مبادئ الإسلام توابع تمزق الدولة العباسية !

12/10/2016 - 10:15:16

بقلم - رجائى عطية

مع تمزق الدولة العباسية فى عصرها الثانى الذى تعددت فيه الدويلات ، ووهنت الدولة الأم ـ لاقت السلطة من الضعف والهوان ، ومن الانقلابات وإراقة الدماء ، أكثر كثيرًا مما صاحب الدولة فى عصرها الأول الزاهى ، وأسرف الخونة والطامعون فى العبث بالحكم ، وتدبير الانقلابات ، وخلع الخلفاء وسجنهم وقتلهم بأبشع أساليب القتل .


ويلح علىّ طوال الوقت ، وأنا أكتب هذه السطور ، أن أُذَكِّر القارئ بأن هذه الصورة القاتمة فى الصراع على السلطة ، لم تكن حال عقيدة الإسلام ولا حال حضارة الإسلام ، فقد كان مرد هذه الصورة المؤسفة فى الخيانة وإراقة الدماء وتدبير الانقلابات ، إلى أسباب سياسية واجتماعية ، ولا أثر للعقيدة ولا للدين فيها ، وبقيت هذه العقيدة فى أصولها ومنبتها سليمة بريئة من هذا الجنوح ، وبرغم اتشاح المتصارعين بالدين فى تحقيق مآربهم وأغراضهم .


وسواء وقوة هذه العقيدة ، هو الذى حفظ للأمة توازنها وللحضارة أسباب حركتها رغم هذه الصورة الدامية ، ورغم الصعاب والعقبات ، بل كان من المفارقات أن يتسابق أصحاب السلطة المتصارعون عليها فى إجازة الشعراء والأدباء طلبًا للمديح واتقاءً للهجاء ، وكان
من هذه المفارقات أن « المعتصم » الذى تورط فى تعذيب الإمام أحمد بن حنبل ، هو هو الذى انتفض ـ على نحو ما رأينا ـ تلبية لصيحة امرأة استنجدت به فى عمورية صارخة
« وامعتصماه » !


من كبائر الواثق ورزاياه !


آلت الخلافة بعد المعتصم إلى ابنه « الواثق » بالله : أبو جعفر « هارون بن المعتصم » ، يوم وفاة أبيه الخليفة « المعتصم » فى الثامن من ربيع الأول ٢٢٧ هـ (٥ يناير ٨٤٢ م) ، وكانت أمه من أمهات الأولاد ، وتُدعى « قراطيس » ـ وامتدت خلافته خمس سنوات وستة أشهر وأيام ، إلى أن توفى بمرض « الاستسقاء » فى السابع من ذى الحجة ٢٣٢ هـ / ١١ أغسطس ٨٤٧ م عن ستة وثلاثين عامًا .


وتواتر عنه أنه كان مَّيالاً كعمه المأمون ، إلى مجالس المناظرة بين الفقهاء والمتكلمين فى الأصول والفروع ، وأخذت مسألة خلق القرآن فى عهده شكلاً وبعدًا حادًا أكثر مما كان فى عهد أبيه المعتصم .


ومن عجائب استبداده ، ما رواه الطبرى ، وابن الأثير ، وابن كثير فى أحداث سنة٢٢٩ هـ ـ عن بطشته بالكتّاب والقائمين على الدواوين ، فأخذهم جميعًا أخذ عزيز مقتدر ، وحبسهم ، وضربهم بالسياط ، ومنهم من بلغ مجموع ضربه ألف سوط ، وهو أحمد بن إسرائيل الذى ألزمه بألف ألف دينار ، وتراوحت المبالغ التى ألزم بها كل كاتب منهم بين ستين ألف دينار ، ومائة ألف دينار ، وأربعمائة ألف دينار ، وألف ألف (مليون) دينار .


اشتط هذا الشطط ، وبطش هذه البطشة ، وهــو يردد : « العاجز من لا يستبد » ، وهى عبارة استعارها من قصة بطش جده « هارون الرشيد » بالبرامكة ، فقد عَنَّ له وهو يتسامر مع سمّاره فى ليلة من لياليه ، أن يسألهم عن سبب بطش جده « الرشيد » بالبرامكة ، فحكى له أحدهم أن المنشأ كان حين أراد « الرشيد » أن يشترى جارية أعجبته ، شــرط صاحبها « عون الخياط » مائة ألف دينار ثمنًا لها ، فأرسل الرشيد إلى وزيره الأول « يحيى البرمكى » ليبعث إليه بالمبلغ ، ولكن يحيى استكثره واعتبرها نذير سوء ، فلما غضب عليه الرشيد وخاف العاقبة ، أمر معاونيه بأن يبعثوا إليه المبلغ فى صورة دراهم حتى يستكثرها ، فلعله بذلك يعدل عن شراء الجارية بهذا المبلغ الضخم ، وحدث ما توقعه يحيى ، فقد استكثره الرشيد بالفعل ، وجعل من المبلغ نواة لبيت مال له ، وسماه بيت مال العروس ، ثم حدث بعد ذلك أن حرضه من يدعى « أبو العود » على « يحيى بن خالد البرمكى » ، وراق حديثه للرشيد ، فأمر له بثلاثين ألف درهم ، ولكن يحيى البرمكى تباطأ فى أدائها إليه بدعوى الانتظار لما يرد لبيت المال ، فعاود « أبو العود » استفزاز الرشيد ، وألقى عليه ببيتى شعر جاء فى نهاية ثانيهما عبارة « العاجز من لا يستبد » ، فراقت العبارة للرشيد ، وكانت هذه الواقعة مقدمة لانقلابه على البرامكة ، فلما سمعها « الواثق » راقت العبارة له بدوره ، وصادَقَ عليها قائلاً صدق والله جدى ، وأخذ يصطنع الأسباب لاتهام الكتّاب وأرباب الدواوين بالتفريط والخيانة ، فكانت مأساة حبسهم وضربهم بالسياط واستئداء هذه المبالغ الضخمة منهم على غير ما سند من الشرع والدين !


فى الدماء وضرب الأعناق !


وروى المؤرخون الثلاثة الكبـار الطبرى وابن الأثير وابن كثير ـ فى أحـداث سنة ٢٣١ هـ ، أن أنبـاءَ تواتـرت إلى « الواثق » الذى كان حاد التصدى لكل من لا يقول بخلق القرآن ، أن المحدث المعروف « أحمد بن نصر بن مالك الخزاعى » ، وهو من كبار أهل الحديث ومعروف بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، دأب فى بغداد على مخالفة من يقول إن القرآن مخلوق ، ويطلق لسانه فيه ، وأنه يغشاه بعض أصحاب الحديث حيث يتحدث إليهم بحديثه أن القرآن كلام الله ، وليس بمخلوق .


وما كان ذلك ليمر على « الواثق » مع غلظته وحدته فى التعرض لمن لا يقول بخلق القرآن ، وتعقبه لكل من يخالف قوله بأن القرآن مخلوق ، إنْ لم يكن بالقتل فبالحبس والتنكيل الشديد ، وجاء برواية الطبرى وابن الأثير وابن كثير ، أن « الواثق » حين علم بأمر « أحمد بن نصر الخزاعى » أمر بإحضاره من بغداد إلى سامُرّا مقيدًا تقييدًا غليظًا بالأغلال ، وأنه عندما علم بوصوله وآخرين ممن يجرون مجراه ، جلس لهم مجلسًا عامًا فيه « أحمد بن أبى دؤاد » المشايع المتشدد المحرض ، ليمتحنهم امتحانًا مكشوفًا ، وجعـل « الواثق » يســأل « أحمد بن نصر » عما يقوله فى القرآن ؟ فقال : « كلام الله » . فعاود « الواثق » سؤاله : أمخلوق هو ؟ . فقال : هو كلام الله .


استطرد « الواثق » يسأله : فما تقول فى ربّك ؛ أتراه يوم القيامة ؟ قال الرجل : يا أمير المؤمنين ! قد جاءت الأخبار عن رسول الله ، أنه قال : « ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر لا تضامون فى رؤيته » ؛ فنحن على الخبر . وكان النبى يدعو : « يا مقلب القلوب ، ثبت قلبى على دينك » .


هنالك قال اسحق بن إبراهيم : ويلك ! انظر ما تقول !


ولكن « أحمد بن نصر » لم يتردد أن يفصح عن أنه هو الذى طلب إليه أن يصدق النصيحة للخليفة ، وقال لإسحق : أنت أمرتنى بذلك . فأشفق إسحق مما أفصح عنه الرجل ، فردد مستنكرًا أو مدعيًا الإنكار : أنا أمرتك ؟ . فقال أحمد بن نصر : نعم ، أمرتنى أن أنصح له، ونصيحتى له أن لا يخالف حديث رسول الله .


هنالك قال « الواثق » لمن حوله : ما تقولون فيه ؟ فقال عبد الرحمن بن إسحق وكان قاضيًا على الجانب الغربى : هو حلال الدم وعزك يا أمير المؤمنين ، وقال بعض أصحاب أبى دؤاد : « اسقنا دمه » ، بينما قال أبو دؤاد وكأنه خشى أن يُقتل الرجل بسببه : هو كافر يُستتاب لعل به عاهة ونقص عقل !


ولكن « الواثق » وقد عزم على قتله وبيده ، دعا بالصمصامة ( السيف ) ، وقال آمرًا من حوله : « لا يقومنّ أحدٌ معى ، فإنىّ أحتسب خُطَاى إليه » .. أى يحتسبها عند الله !


وأمر « الواثق » بالنطع ، وصيروا « أحمد بن نصر الخزاعى » فى وسطه وألقوه عليه وهو مقيد بالأغلال ، وشُدّ رأسه بحبلٍ ، وتقدم « الواثق » فضربه بالسيف على حبل عنقه ، ثم ضربه ضربةً أخرى على رأسه ، ثم انتضى « سِيمَا الدمشقى » سيفه ، فضرب عنقه وحَزَّ رأسه !


وحُمِلَ رأسُ القتيل إلى بغداد ، فَنُصب فى الجانب الشرقى أيامًا ، وفى الجانب الغربى أيامًا ، ثم حُوّل إلى الشرق ، بينما صلبت جثته فى مدينة « سُرّ مَنْ رأى » ، ومن العجائب أن هذا الصلب استمر للرأس والجثة ست سنوات حتى تولى « المتوكل » الخلافة ، فأنزله ودفنه .


هذا وقد نُصب من حول الرأس المصلوبة حظيرة وضرب عليها فسطاط ، وأقيم
عليه حرس ، وعلقت فى أذن الرأس رقعة ، كالبطاقات التى توضع الآن بالمتاحف للتعريف بالأثر ، مكتوب عليها : « هذا رأس الكافر المشرك الضال : « أحمد بن نصر بن مالك الخزاعى » ، قتله الله على يدى عبد الله هارون الإمام « الواثق » بالله أمير المؤمنين ، بعد أن أقام عليه الحجة فى خلق القرآن ونفى التشبيه ! » ولم يكتف « الواثق » بهذه المأساة ، فأمر بتتبع وملاحقة كل من وُسِمَ بصحبة « أحمد بن نصر » ، ومن ذُكر أنه كان متشايعًا معه ، فتم إلقاؤهم بالحبس ، وبلغوا نيفًا وعشرين رجلاً ، وسموا فى حبوس الظلمة ، ومنعوا من أخذ الصدقة التى يُعطاها أهل السجون ، ومنعت عنهم الزيارة ، وبولغ فى تقييدهم بالأغلال الثقيلة !


الخليفة المتوكل ومفارقاته !


هو المتوكل بالله : أبو الفضل « جعفر بن المعتصم » ، أخو الواثق بعهد الله
« هارون بن المعتصم » ، وأمه خوارزمية يقال لها « شجاع » ، ولكنه لم يتول الخلافة بعهد ، فلم يعهـد « الواثق » بالخلافة لأحدٍ من بعده ، فاجتمع الكبراء يوم وفاته فى ٢٤ ذى الحجة ٢٣٢ هـ الموافق ١١ أغسطس ٨٤٧ م ، وعلى رأسهم الوزير محمد بن عبد الملك الزيات ، والقاضى أحمد بن أبى دؤاد ، وآخرون منهم الكاتبان عمر بن فرج وأحمد بن خالد ، والقائدان التركيان ايتاخ ووصيف ، وتداولوا فيمن يولونه الخلافة من بعد الواثق ، فاقترح الوزير الزيات أن يولوا « محمدًا » ابن « الواثق » ، فأحضروه وألبسوه ودرعوه وعمموه ، ولكنهم وجدوه صغيرًا بالغ الصغر ، لا تجوز معه الصلاة ، فعدلوا عن تنصيبه ، وقبلوا اقتراح ابن أبى دؤاد بتنصيب « جعفر بن المعتصم » (أخو الواثق) ، فاستدعوه وألبسوه زى الخلافة ، وعمموه ، وبايعوه ولقبوه « بالمتوكل » على الله ، وبايعته العامة من بعدهم ، وكان ذلك فى ذات يوم وفاة الواثق سنة ٢٣٢ هـ/ ٨٤٧ م .


ولاية العهد


ومع أن المتوكل لم يل الخلافة بعهد ، إلاَّ أنه آثر أن يقتدى بجده هارون الرشيد ، وأن ينصب ثلاثة على التوالى من أولاده لولاية العهد : محمد المنتصر ثم محمد المعتز ثم إبراهيم المؤيد ، وقسم البلاد بينهم ، فجعل « للمنتصر » أكبرهم إفريقيا والمغرب كله من حيث عريش مصر إلى حيث بلغ سلطانه من المغرب ، فضلاً عن قنسرين والثغور الشامية وديار مضر وديار ربيعة والموصل وغير ذلك من الكور والبقاع .


وجعل لابنه « المعتز » كور خراسان وما يضاف إليها ، وطبرستان والرى وأرمينية وأذربيجان وغيرها .


وجعل لابنه « المؤيد » جند دمشق وجند حمص وجند الأردن وجند فلسطين .


ولكن الأمور لم تجر كما خطط المتوكل ودبر ، ولنا إلى ذلك عود فى حينه .


رزايا المتوكل


ندع الآن مؤقتًا ولاية العهد التى عقدها المتوكل لأبنائه الثلاثة وكان فيها مقتله على ما سيجىء ، وننظر فى الكبائر والرزايا التى ارتكبها المتوكل مدة حكمه التى استمرت زهاء خمس عشرة سنة حافلة بكثير من الدماء التى أريقت ، والمظالم التى نصبت ، ولم تنج من ذلك أجداث الموتى ، ولا أضرحة آل البيت ، فهدم ضريح الإمام الحسين بن علىّ وسوّاه بالأرض ، وعبث أسوأ العبث به وأمعن فى تخريبه !


محنة الوزير الزيات


وقتله تعذيبًا !!


بدأ المتوكل ولايته بداية طيبة ، فقد أمر بإنزال جثة المصلوب « أحمد بن نصر الخزاعى » ودفنها بعد ضم الرأس إلى الجسد ، وأبطل الجدل وأمر بتركه وإظهار السنة ، ومع ذلك كان محبًّا للعب والمضاحكة ، وقال المسعودى وغيره إنه أول من أظهر من خلفاء بنى العباس اللعب والمضاحك والهزل فى مجلسه ، وأحدث من ذلك أشياء تَابَعهُ فيها الأغلب من خواصه وأكثر رعيته ، فلم يكن من وزرائه وكتّابه وقواده من يتعالى على المجون والطرب ، وذكر المسعودى فى مروج الذهب ـ أنه كان منهمكًا فى اللذات والشراب ، وكان له أربعة آلاف سُرِّيّة وطأهن جميعًا !


أما محنة محمد بن عبد الملك الزيات ، وزير المعتصم والواثق ، فالبادى أن « المتوكل » أضمرها من يوم تولى الخلافة وهو فى السادسة أو السابعة والعشرين من عمره ، فقد وَجَدَ على « الزيات » أنه كان قد رشح بدلاً منه للخلافة « محمد » بن الواثق ، لولا أن رفضه الكبراء لصغر سنه ، وَوَجَد عليه أنه إبان خلافة أخيه « الواثق » لم يحسن معاملته ، فقد كان هارون « الواثق » ضيقًا متأففًا من سلوك أخيه « جعفر » الملقب بالمتوكل فيما بعد ، وأخذ عليه بعض الأمور ، ووكل عليه « عمر بن فرج الرُّخَّجىّ » و« محمد بن العلاء الخادم » فكانا يرقبانه ويكتبان بأخباره إلى الخليفة « الواثق » ، فلما ضيّق كثيرًا على أخيه « جعفر » ، لجأ إلى محمد بن عبد الملك الزيات ليتشفّع لديه ليرضى عنه ، بيد أن الزيات لم يحسن لقاءه وتحدث إليه بلهجة جافة لا تخلو من التقريع ، وقيل إن « جعفر » انصرف كئيبًا حزينًا لما لقيه من قبح اللقاء ، فحفظها له ، وشكا ما كان إلى « عمر بن فرج » فلم يلق لديه أفضل مما لقيه من الزيات ، وأورد الطبرى وغيره ، أن الزيات كتب إلى الواثق حين خرج جعفر من عنده ، يحرضه عليه ، ويذكر له أنه أتاه فى زى المخنثين وشعره مرسل على قفاه ، فأمره الواثق بإحضاره وجَزِّ شعر قفاه ، وبأن يضرب به وجهه ، وقد فعل ، وانزعج « جعفر » من ذلك انزعاجًا شديدًا ، تحدث به وشكا منه !


وعلى عكس ذلك تصرف « أحمد بن أبى دؤاد » ، الذى أحسن استقباله ، وقبل رأسه ، وسعى لدى الواثق لاسترضائه على أخيه ، ومازال به حتى رضى فى نهاية الأمر ، وعاد فترفق بجعفر وكساه وأرضاه .


لذلك فلم يكد « المتوكل » يستوى على دست الحكم ، حتى عزم على الانتقام من محمد بن عبد الملك الزيات ، فأمر بالقبض عليه والهجوم على داره وأخذ جميع ما فيها من متاع ودواب وجَوارٍ وغلمان ، ووجه إلى بغداد من قبض هناك على خدمه واستولى على أمواله ، وأمر « أبا الوزير » الذى عينه حديثًا بقبض ضياعه وضياع أهل بيته أينما كانت .


وأمر المتوكل فألقى بالزيات فى الحبس ، ومنع عنه الطعام ، وقيد بالقيود والأغلال ، وأمر المتوكل بتعذيبه فتفننوا فى ذلك ، وجعلوا كلما يميل إلى الرقاد ينخسونه بالحديد ، ثم وضعوه فى « تنور » من خشب ، فيه مسامير حديد قائمة فى أسفله ، فأقيم عليها ، ووكل به من يمنعه من القعود والرقاد ، ونقل الطبرى عن الموكل بتعذيبه أنه كان يخرج ويقفل الباب عليه ، فيمد يديه إلى السماء جميعًا حتى يدق موضع كتفيه ، ثم يدخل التَّنُّور فيجلس ، وفى التنور مسامير حديد وفى وسطه خشبة معترضة ، يجلس عليها المعذب ، وأنه خاتله يومًا فأوهمه أنه خرج عنه وأغلق القفل ، ثم غافله ودفع الباب فجأة ودخل عليه بعد أن مكث قليلاً ، ليضبطه يستريح فى التنور على الخشبة ، فقام بتشديد خناقه ، واستل الخشبة وجعلها بين رجليه ، حتى لا يستطيع القعود .


واختُلف فى سبب موته ، فمن رواية أنه لبث على ذلك أيامًا حتى مات من وطأة التعذيب ، ومن قائل إنه بُطح وضرب على بطنه خمسين مقرعة ، ثم قلب فضرب على ظهره مثلها ، فمات وهو يُضرب وهم لا يعلمون ، وأصبح ميتًا وقد التوت عنقه ، ونتفت لحيته ، فاستدعوا ابنيه : سليمان وعبيد الله ، وكانا محبوسين ، فدفعوا إليهما الجثة ، فدفناه بعد أن حفرا له ، إلاَّ أنه يبدو أن الحفرة لم تكن عميقة بما فيها الكفاية ، فنبشتها الكلاب ، وأكلت لحمه !


ويقول الرواة إنه سُمِعَ قبل موته يقول لنفسه : يا محمد لم تقنعك النعمة ، والدواب ، والدار النظيفة ، والكسوة الفاخرة ، وأنت فى عافية ، حتى طلبت الوزارة ، فذُقْ ما عملت بنفسك ! .. وأضافوا أنه سكت بعد ذلك ، فلم يكن يزيد على التشهد ، وذكر الله عز وجل ، وكان موته لسبع خلون من صفر سنة ٢٣٣ هـ ، بعد شهور قليلة من تولى « المتوكل » دست الحكم فى ٢٤ ذى الحجة سنة ٢٣٢ هـ , وغنى عن البيان أن حفيظة « المتوكل » وموجدته على وزيره الأول ، والذى كان وزيرًا لأخيه وأبيهما ، سواء بسبب ترشيحه غيره للخلافة بعد وفاة الواثق ، أو من معاملة سابقة إبان خلافة أخيه ، لا تبرر هذه الصورة البشعة التى اختطها « المتوكل » لتصفية الوزير ، والتى حملت صنوفًا شنيعة للضرب والتعذيب انتهت بالإماتة على هذا النحو الذى يجافى الإنسانية ويخالف الدين الذى يتمسحون كذبًا به !


هذا ولم يمض عام ٢٣٣ هـ ، إلاَّ وكان المتوكل قد انقلب أيضًا على « عمر بن فرج الرخجى » ، وهو الكاتب الذى رمى بصك المتوكل فى صحن المسجد أيام خلافة الواثق ، فقبض عليه المتوكل وحبسه ، وصادر ضياعه وأملاكه وأمواله وجواهره وجواريه ، وبلغ مقدار ما أُخذ منه ومن أخيه ٢٧٤ ألف دينار غير القصر والأمتعة التى حملت فى رواية المؤرخين على خمسين جملاً كرَّت لتحملها مرارًا ، ثم أُطلق من محبسه وقبض عليه فى قصره ، ولم ينج « أبو الوزير » أحمد بن خالد الذى كان الواثق قد جعله زمامًا على « عمر بن فرج » فى ديوان النفقات ، فغضب عليه ، فكان ممن تعرضوا لغضبةٍ جامحة طالت الأموال والضياع ، والحبس .


وقد أورد ابن الأثير فى الكامل أنه فى هذا العام غضب « المتوكل » أيضًا على
« سليمان بن إبراهيم الجنيدى » النصرانى كاتب سمانه ، وضربه وأخذ ماله ، ولنا عود لموقف المتوكل من أهل الذمة ، ولتحفل السنوات التالية من حكمه بحادثات أخرى جرت فى إطار هذه الغضبات والوثبات الاستبدادية التى لم ترع حرمة الكرامة والحريات ، ولا حرمة الممتلكات ولا حرمة الدماء !