حقق النصر واستعاد الأرض ويجاهد ليعمرها ارحموا جيش مصر

05/10/2016 - 4:00:54

بقلم: أحمد أيوب

كتب كثيرا عن حرب أكتوبر، آلاف الكتب والمذكرات والحوارات والأعداد الخاصة، لكن بقيت الرسالة الأساسية لم نستطع أن نعبر عنها أو نظهرها بأى شكل، إبداعات كثيرة قدمت ملامح وصورا من حرب الكرامة، وبعضها فضل أن يتناول النصر من خلال قصص بعض الأبطال، لكن ظلت الصورة الكاملة غائبة جزء منها دفن مع من نالوا الشهادة وجزء آخر ضاع وسط زحمة الأفكار والجرى وراء إثارة لا تعبر عن ملحمة أهم وأعمق من ذلك بكثير، فهى لم تكن حرب أكشن ولا معركة إثارة، وإنما حرب تحرير وطن تلاشت فيها الشخصنة واختفت المصالح الضيقة وتضاءلت النفس أمام الأرض.


صحيح لعبت البطولات الشخصية دورا فى نصر أكتوبر لا يمكن انكاره، لكن مهما كانت عظمة وقيمة هذه البطولات تبقى الملحمة المتكاملة، التى جمعت ما بين جنود وضباط، ما بين قادة ومقاتلين، ما بين جيش وشعب، فى لوحة تلاحم ندر أن يجود الزمان بمثلها، واستحال أن يرسمها فنان مهما أوتى من قدرة ومهارة.


والحقيقة أننا ما أحوجنا الآن أن نستعيد ولو بعض لقطات من هذه اللوحة التى امتدت بطول البلاد وعرضها ولم تقتصر على أرض المعركة وحدها.


ما أحوجنا كى نستعيد هذه الروح بما فيها من ملامح الفداء والعطاء والإيثار والتكامل والتماسك والحب والشجاعة والاحترام


فنحن الآن فى حرب ربما أصعب مما خضناه فى ٧٣، حربنا الآن ضد عدو لا يقل خسة ولا حقارة عن الإسرائيليين، لكنه يزداد عنهم فى أنه شبح.


نواجه الآن حربا لا يستطيع الجيش أن يخوضها وحده ولن تستطيع القيادة أن تخطط لها بمفردها وإنما لابد أن تتكاتف كل الجهود من مواجهتها.


وطالما تحدثنا عن التكاتف والتماسك، الذى نحتاجه الآن، وطالما تحدثنا عن الإيثار والتلاحم بين الشعب وجيشه فلابد أن نعود مرة أخرى لنرى كيف كانت هذه الروح أحد أهم مفاتيح النصر فى معركة التحرير.


فربما لا يعلم كثير من أبناء الجيل الحالى وشباب مصر معنى ربط الأحزمة، لكن فى ٧٣ تجسد هذا المعنى، فعلى مدى ست سنوات كاملة منذ نكسة ٦٧ استجاب الشعب دون استثناء لنداء القيادة، بل لنداء الوطن والواجب بربط الأحزمة من أجل أن يدعموا الجيش كى يستعد للمعركة، وطوال هذه الفترة كان الشعار عند كل المصريين لا طعام ولا شراب وإنما تسليح للجيش المصرى ودعمه حتى آخر لحظة كى يستعيد الأرض، كان الشعب عند حسن الظن فلم نسمع عن شكوى ولا اعتصام أو إضراب لأى مطالب فئوية، لم نر تاجرا يتاجر بآلام البلد، أو يستغل الظروف الصعبة ويحتكر سلعا أو يغالى فى أسعارها، بل كانوا جميعا نموذجا للوطنية والإخلاص فى حب البلد، سجل الأقسام لم يسجل واقعة سرقة واحدة طوال أيام الحرب، سجل الشرف سجل عشرات بل مئات وربما آلاف الرجال المصريين الذين دعموا جيشهم بما يملكون، ولم يقتصر هذا على المقتدرين بل كان من الجميع، مواطنون بسطاء وفنانون أقاموا حفلات المجهود الحربى ومن تبرعوا بخدمة المصابين والمرضى بالمستشفيات وقبل كل هؤلاء كانت الأسر التى تتبرع بأبنائها إلى الميدان ليكونوا جنوداً فى خدمة الوطن.


كان من ملامح لوحة أكتوبر الزاهية أيضاً المرأة التى كانت قائدا لا يراه العدو، مقاتلا لا يقل شراسة عن جنودنا فى الميدان، فقد قدمت المرأة الزوج والابن هدية للوطن، حفزتهم على القتال، وتحملت غيابهم واستقبلت نبأ استشهادهم بالزغاريد، فقد ضربت المرأة المصرية المثل فى الانتماء وعلمت الجميع أن حب الوطن ليس بالقتال فى الميدان وحده وإنما هناك جبهة خلفية تصنع الأبطال.


فى قلب لوحة البطولة الإقدام والتضحية، رجال رفضوا التأجيل والإعفاء من التجنيد وأصروا على الانضمام للقوات المسلحة، وودعوا أبناءهم وأهلهم وذهبوا إلى المعركة، لم يكن هناك من يتهربون من التجنيد ولا من يشوهون جيشهم ولا من يتهمون قادته بالخيانة، ولا من ينشرون الشائعات والأخبار المفبركة عنه لم يكن هناك من يطلقون على جيشهم الوطن عسكر.. بل كان هناك من يسارع ويقاتل من أجل أن ينال شرف الانضمام وارتداء الأفرول، كان هناك من يقاتل كى يفوز بتنفيذ مهمة قتالية من زملائه، ولهذا سمعنا عن جزاءات كثيرة وقعها القادة على مقاتلين وجنود لأنهم خالفوا الأوامر وتسارعوا فى تنفيذ مهام فدائية بحماس وجرأة.. لأنهم كانوا يشعرون بالوطن واحتياجه لهم.


كانوا مصرين على الثأر بلا يأس أو استسلام للإحباط، فمنذ أن منى الجيش المصرى بنكسة ٦٧ ولد الإصرار داخل نفوس قادته وأبنائه، بل داخل كل مصرى على أنه لا بديل عن النصر، لا شماتة ولا حزن ولا بكاء وإنما جهاد حتى النصر.


ولهذا الشعور الوطنى والفداء كان الجندى الأعزل الذى يدمر دبابة بمفرده، وآخرون يتمكنون من أسر سرية دبابات إسرائيلية كاملة بالحجارة، وسمعنا أيضاًعن المجند الذى يواجه الموت وينزف الدم من جسده، لكنه يرفض الانصياع لأوامر العودة ويقول بصوت عال لقائده «يافندم حياتى ليست أغلى من بلدى»، بل وجدنا جنديا مجندا قطع ذراعه فى غارة إسرائيلية ولم يشعر به وفوجئ بأنه بذراع واحدة وأبى إلا أن يكمل المعركة، بل ويعبر القناة.


أى قوة.. أى إصرار.. أى عزيمة.. أى تضحية.. بل أى حب للوطن هذا الذى نتحدث عنه، أين هو الآن بين جيلنا وشبابنا، هل افتقدناه أم أنه كامن فى النفس.


هذا بعض من ملامح الصورة المصرية التى حققت النصر، كم نحن فى حاجة للوقوف أمامها طويلا وقراءة كل تفاصيلها لنعرف لماذا منحنا الله هذا النصر، ولندرك أننا لن نحقق أى نصر آخر إلا إذا أعدنا أشلاء هذا الإنسان المصرى من جديد ورممنا ما تلف فى هذه اللوحة بفعل الزمن وما وفد علينا من ثقافات غربية وغريبة أفقدتنا الهوية وأضاعت من أغلبنا معنى الوطن وأفقدتهم الانتماء، وشوهت لديهم قيمة الأرض وصون العرض.


لقد نال آلاف من جيل أكتوبر الشهادة راضين مرضيين من أجل وطنهم، وهذا جهاد لا ينكره الدين بل يحث عليه، لكن ماذا حدث لهذا الوطن بعد كل هذا العمر، فالأرض التى رويت بدماء الشهداء الآن تتعرض لمخطط جديد من أجل سرقتها ونحن نيام فى الملاهى وأمام الشاشات وعلى المقاهى، راكعين تحت أقدام الملذات، افتقدنا روح التضحية وفضل بعضنا الاستهانة بما تتعرض له بلادنا من عدوان جديد وقالها «فليذهب جيشنا فليحارب ونحن هاهنا قاعدون» بل زاد البعض على هذه الخسة قدرا من النذالة الوطنية، فلم يكفهم أن يتركوا جيشهم يقاتل إرهابيين صدروا لنا من كل دول العالم وتمولهم دول كبرى، ويواجه مؤامرات لتفتيت مصر، وإنما ساهموا فى النيل منه بالهجوم عليه والمشاركة فى حملات التشويه المتعمدة ضده.


تخيلوا معى ولو للحظات، ماذا سيقول أى شهيد من أبطال أكتوبر لو قام من قبره وشاهد هؤلاء المتخاذلين المتآمرين على جيش مصر، أعتقد أنه سيموت مرة أخرى لكن كمدا وحزنا على حال هذا الوطن المصاب فى بعض شبابه.


إن من استعادوا الأرض أراهم فى كل مرة ألتقى أحدا منهم يكاد يبكى بدل الدموع دما لما يراه من انحدار فى قيم الشباب وانهيار لمعنى الوطنية داخل أغلبهم، وهم يهاجمون الجيش لأنه يحاول أن يحافظ على قوام مصر، كما هو ثابت لا يتزعزع، فيتحمل عبء المشروعات الكبرى وينفذها فى وقت قياسى من أجل البلد، ويقف رجاله المقاتلون فى الشوارع ليقدموا السلع الغذائية للمواطنين كى يحمونهم من جشع تجار لا يراعون وطنا ولا ضميرا ولا غلابة ويرفعون مياة السيول من الشوارع وحتى لا تغرق البيوت.


بعد أن كنا نرى شعبا يقدم التحية العسكرية لكل مجند فى القوات المسلحة احتراما لهذه المؤسسة الوطنية ولتاريخها وبطولات أبنائها، نجد الآن من أسافل القوم من يصفونه بما يستحق أن يعاقبوا عليه بالخيانة.


ما أحوجنا الآن لنقرأ التاريخ، ونستعيد معا بطولات الشعب المصرى ومساندته لجيشه حتى يعلم أبناء هذا الجيل أن جيشهم جيش الشعب وليس جيش السلطة أو النظام.


بصراحة أقولها بل أصرخ بأعلى صوتى.. ارحموا الجيش واتركوه يعمل لصالح هذا البلد..


ارحموا من يدافع عنكم.. من يحمى الحدود ويؤمن دولتكم بدلا من أن تشاركوا فى حملات هدمه التى تنفق من أجلها المليارات.


تأكدوا أن هذا الجيش هو حجر العثرة، التى تعطل كل المؤامرات المخططة ضد مصر، وكل ما يحلم به الأمريكان والإسرائيليون أن يختفى هذا الجيش من الوجود حتى تسقط مصر.


فهل تقبلون أن تكون جزءاً من هدم هذا الجيش الوطن العظيم..


ارحموا جيشكم من محاولات السخرية والتشويه والنيل منه التى احترفها بعض سفهاء المواقع الإلكترونية والعملاء ممن يخدمون على أجندات خارجية لا تقبل الخير لهذا البلد ولا لجيشه.


ارحموا رجال جيشكم الذى أزال اسرائيل وقطع ذراعها الطويلة وكسر غرورها.


ارحموا جيشكم الذى يفقد كل يوم شهداء من أجل أن تناموا آمنين فى ظل دولة متماسكة تحمى أولادها وتؤوى شعبها.


ارحموا جيش مصر.. جيش الشعب.