أسرار الخلاف الأخير بين السادات والفريق أول صادق!

05/10/2016 - 3:54:56

بقلم: سليمان عبدالعظيم

فى مساء يوم من أيام أغسطس١٩٧٢.. قال الرئيس السادات للواء أحمد إسماعيل رئيس جهاز المخابرات العامة، بينما كانا يجلسان معا فى منزله بالجيزة: «لابد من استراتيجية جديدة تعتمد على إعداد القوات المسلحة وتجهيزها لكسر قرار وقف إطلاق النار.. وفى تصورى أننا - منذ هذه اللحظة - أغسطس ١٩٧٢ وحتى منتصف نوفمبر ١٩٧٢- لابد من استغلال هذه الشهور لتجهيز قواتنا المسلحة.. وسوف أستدعى الفريق أول صادق غدًا.. لأكلفه بهذه المهمة».


وبالفعل جرى لقاء بين الرئيس السادات، ووزير الحربية الفريق أول محمد أحمد صادق وروى الرئيس لرئيس المخابرات العامة فيما بعد، تفاصيل هذا اللقاء بينهما، حيث قال إنه كلف وزير الحربية، بعقد اجتماع عاجل وفورى للمجلس الأعلى للقوات المسلحة.. وإبلاغ القادة برسالة القائد الأعلى للقوات المسلحة لهم، بتجهيز القوات المسلحة لكسر قرار وقف إطلاق النار وأن يبدأ القائد العام مع القادة، فى إعداد خطة تجعل القوات المسلحة فى أعلى مراحل الاستعداد، لشن هجوم شامل.. وحدد الرئيس السادات لوزير الحربية يوم ١٥نوفمبر.. كموعد ينتهى فيه القادة، من استكمال الاستعداد لشن الهجوم.


وقتها كان الرئيس الأمريكى نيكسون، مشغولًا منذ بداية عام ١٩٧٢ بمعركة انتخابات الرئاسة، التى تحدد يوم ٧ نوفمبر لإجرائها، وعادة لا يستطيع الرئيس الأمريكي، اتخاذ أى خطوة أو قرار فى مجال السياسة الخارجية لبلاده، فى العام الذى تجرى فيه انتخابات الرئاسة، ومن ثم، فقد كان الرئيس السادات يري، أن الرئيس نيكسون، لن يكون فى إمكانه اتخاذ أى خطوة فيما يتعلق بتحريك الموقف فى قضية الشرق الأوسط.. قبل يوم ٧ نوفمبر.


وكان واضحا أن الرئيس السادات قد ازدادت قناعاته، بأن الحل العسكرى هو الحل الوحيد المتاح فى هذا الوقت، ومن ثم كانت توجيهاته للفريق أول صادق تقضى، بأن يعمل المجلس الأعلى للقوات المسلحة، على انتقال القوات المسلحة إلى الوضع الهجومى وأن يعمل الفريق أول صادق مع أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة، على وضع الخطط العسكرية البديلة، بحيث يختار القائد الأعلى للقوات المسلحة من بينها، الخطة التى ستقوم القوات المسلحة بتنفيذها.. ويقوم كذلك باختيار موعد شن المعركة الهجومية.


كانت تكليفات الرئيس السادات لوزير الحربية واضحة وصريحة ومباشرة، فمعركة تحرير الأرض لابد أن تبدأ.. ولكن قبلها يجب إعداد القوات المسلحة لدخول الحرب، ولكن لم تتحقق أى من هذه التكليفات، وبدأ الرئيس السادات يشكو إلى رئيس المخابرات العامة فى منتصف أكتوبر ١٩٧٢، من أن الفريق أول صادق لم ينفذ توجيهاته وتكليفاته السابقة، وأنه يشعر أن وزير الحربية، يتجنب أن يعرض عليه الخطة العسكرية الهجومية التى كلفه بإعدادها فى أغسطس الماضي، وأنه كلما طلب من الفريق أول صادق الإسراع بعرضها عليه.. تهرب الأخير..!


ولأن الموعد الذى حدده الرئيس السادات للفريق أول صادق - ١٥ نوفمبر- لإعداد قواتنا المسلحة وتجهيزها لشن الحرب الهجومية.. كان قد بدأ يقترب بسرعة قال الرئيس السادات للواء أحمد إسماعيل: لقد قررت أن أواجه الأمر بنفسي!.


كان الفريق أول صادق يردد علنا فى هذا الوقت، أنه يريد دخول المعركة، حتى تحرر سيناء، ولكن الاتحاد السوفييتي، لا يريد أن تدخل مصر هذه الحرب، وكان القائد العام كثيرًا ما يشكك فى إمكانيات الأسلحة والمعدات السوفييتية بل كان يعمد دائما إلى إحاطة موقف موسكو تجاه مصر بالغموض والشكوك، وبالطبع كانت هذه التصريحات تلهب حماس الضباط والقادة، حتى بدا البعض يتصور أن المسئول الوحيد فى البلاد الذى يريد دخول معركة تحرير سيناء هو الفريق أول صادق..!


ولكن الحقيقة أن الفريق أول صادق كان يريد دخول حرب شاملة ويعارض أن تدخل مصر حرباً محدودة وفقاً للإمكانيات المتاحة لدى قوتها المسلحة، ولذا لم يكن يتجه بسرعة إلى الحرب - خصوصا- بعد إخراج المستشارين والخبراء السوفييت- بنفس السرعة التى يسعى ويطالبه بها الرئيس السادات، وخلال الفترة من مرحلة ما بعد أحداث مراكز القوى فى مايو ١٩٧١ وحتى أكتوبر ١٩٧٢.. دخلت السياسة من أبواب القوات المسلحة ونوافذها.. وكل رجل عسكرى محترف، يعرف جيدا أنه عندما تدخل السياسة جيشا.. تفسده!


ووفق معرفة اللواء أحمد إسماعيل بتركيبة الرئيس السادات.. ومن خلال صلته القديمة به، التى تمتد إلى عام ١٩٣٤.. كان رئيس جهاز المخابرات العامة يتوقع أن يقوم الرئيس السادات بإقالة وزير الحربية الذى كان يعمل بأسلوب سياسى واضح داخل القوات المسلحة.. حريصا على إبراز آرائه السياسية.. فى لقاءاته مع الضباط.


ولم يكن وزير الحربية، مؤمنا بأن الحرب سوف تقوم.. وكان هذا الأمر هو محور الخلاف بين الرئيس والفريق أول صادق.


وعندما اكتشف الرئيس السادات، فى الاجتماع الذى عقده للمجلس الأعلى للقوات المسلحة بمنزله بالجيزة مساء ٢٤ أكتوبر ١٩٧٢ اهتزاز الموقف الدفاعى على جبهة القناة، رغم أن هناك خطة دفاعية معدة، كان يجب على الفريق أول صادق الحفاظ عليها بشكل مستمر.. كان لابد أن تحدث مواجهة بين الرئيس السادات ووزير الحربية..!


فقد ألغى وزير الحربية تدابير وجهود خط الدفاع المصرى على جبهة القناة، حيث أوقف عمليات تعلية الساتر الترابى على الجبهة المصرية، فى وقت استمر فيه الإسرائيليون فى تعلية ساترهم حتى وصل ارتفاعه إلى١٧ مترًا.. فتكشفت أوضاع قواتنا أمام نظر العدو.. بينما صار ما يجرى على الجانب الآخر من القناة أمرا مجهولا للجنود المصريين..!


وتزامن فى هذا الوقت أواخر عام ١٩٧٢ -أن شكاوى بعض الوزراء أعضاء الحكومة المصرية، من وزير الحربية، كانت قد وجدت طريقها إلى الرئيس السادات تطلب منه بالحاح مستمر أن يتدخل لوقف الانتقادات الحادة والمؤلمة التى يوجهها الفريق أول صادق لهم فى شئون وزارتهم، وكان الكل يلاحظ لجوء الفريق أول صادق إلى إبداء آرائه فى مسائل غير عسكرية.. ليس له علاقة بها بالمرة بوصفه وزيرا للحربية، مثل تسييس القوات المسلحة والهجوم المستمر على الاتحاد السوفييتى وانتقاد أوضاع بعض الوزارات المدنية..!


وذكر الرئيس السادات آنذاك للواء أحمد إسماعيل أن أحد هذه الشكاوى جاءته من الدكتور عزيز صدقى نفسه.. الذى كان رئيسا للوزراء فى هذا الوقت، وكانت شكواه تنصب حول قيام الفريق أول صادق بتوجيه نقد لاذع لأوضاع المصانع الحربية، خلال تواجده فى إحد اجتماعات اللجنة المركزية بالاتحاد الإشتراكي.


وروى الرئيس لرئيس جهاز المخابزات أنه قال للدكتور عزيز وقتها.. عندما ذهب إليه غاضباً يشكوه قائلًا إنه لا يقبل كرئيس للوزراء.. أن يوجه أحد الوزراء هجوماً ضد زملائه أمام اللجنة المركزية: «من الواضح أن الفريق أول صادق يصنع أوضاعا جديدة.. أنه لايملك- لا هو ولا غيره، أن يوجه مثل هذا النقد!».


ولم تكن الشكوى من وزير الحربية وتدخلاته فى كل الأمور.. مصدرها الوزراء وحدهم، فقد حكى الرئيس السادات للواء أحمد إسماعيل فى مساء ١١ اكتوبر ١٩٧٢ أن الفريق أول صادق بدأ يلسن عليه هو شخصيا فى زياراته للوحدات العسكرية.وأنه يتعمد إحراجه سياسيا فيوجه هجومه ونقده للاتحاد السوفييتى فى أحاديثه للقادة والضباط.. بل إن الأمر وصل إلى الحد الذى بدأ فيه فى تحريض القادة والضباط ضد الرئيس السادات، وذكر الرئيس السادات أن أحد الضباط الكبار أبلغه شخصيا بهذا الأمر.. وأنه تأكد من صحة هذا، حينما أبلغه د. عزيز صدقى أن أحد أقاربه، يلفت النظر إلى قيام وزير الحربية، بتوجيه نقد خفي، لشخص الرئيس، أثناء زيارته لأحد المواقع العسكرية بالإسكندرية، الأمر الذى يبدو معه.. وكأنه يحرض الضباط على القائد الأعلى للقوات المسلحة!.


وفى الحقيقة فإن الفريق أول صادق كان يردد دائما، فى لقاءاته بقادة وضباط القوات المسلحة أن الرئيس السادات لن يحارب، وكان يؤكد لهم أن القوات المسلحة لن تدخل الحرب إلا إذا تسلمت كافة ما تحتاجه من أسلحة وعتاد عسكري، وكان يعلن بالفعل فى تلك اللقاءات أن الاتحاد السوفييتى غير جاد.. ولن يعطى مصر السلاح الذى ستحارب به .!


كان لابد إذن أن يبدأ الرئيس السادات، فى ترتيب البيت من الداخل، للمعركة القادمة، ولكن كانت هناك مسألة خاصة، تشغل بال الرئيس السادات طويلا.. وتؤرقه كثيرا..!!


كان هناك مركز قوى جديد.. قد بدأ يتشكل وتزداد قوته..!


واعترف الرئيس السادات شخصيا للواء أحمد إسماعيل عندما فاتحه فى أمر تعيينه وزيرا للحربية فى ٢٥أكتوبر ١٩٧٢.. بأنه يشعر بنوع من الحرج الشديد.. حين يجد نفسه مضطرا إلى اتخاذ قرارا بشأن الفريق الأول صادق، بل إنه قال له فى اليوم بالحرف الواحد «إننى أقدر الدور الكبير الذى لعبه الفريق أول صادق.. فى أحداث مايو ١٩٧١.. ولكن وزير الحربية.. صار الآن «رجل أزمات»!


وقال الرئيس كذلك لرئيس المخابرات العامة: «لقد كان علي، أن أتخذ قرارًا سريعًا ولم أتردد فيه لحظة فأصدرت قرارًا بإعفاء الفريق أول صادق من مناصبه كقائد عام للقوات المسلحة وكوزير للحربية.. وحقيقى يا أحمد.. هذا القرار لم يكن مفرحًا لى.. ولكنه كان مطلوبًا.. حتى يبدأ الاستعداد الحقيقى، لخوض معركة تحرير الأرض من اليهود.. فقد كنت أرى التمزق والتفسخ الذى يعانى منه الوضع الداخلى للبلاد، نتيجة لاستمرار سنوات الهزيمة العسكرية.. وعدم حسم قضية تحرير سيناء».


وكان الرئيس السادات فى غاية الضيق والتألم من تصرفات وزير الحربية وتصريحاته العلنية والخفية التى كانت تضع الرئيس فى موقف من لا يريد دخول معركة التحرير واسترداد سيناء، وتسببت ممارسات وزير الحربية، فى حدوث بلبلة شديدة داخل صفوف القوات المسلحة ووضعت الرئيس السادات فى حرج شديد، حيث كان الرأى العام يسمع تصريحاته وتصريحات كبار رجالات الدولة عن وضع مصر فى إطار الدولة للحرب، بينما يردد الفريق أول صادق أننا لن نحارب!


كانت العلاقات بين رئيس الجمهورية ووزير الحربية.. تسير بسرعة فى طريق الصدام غير المعلن، ويوما بعد يوم صار الرئيس السادات منزعجا وقلقا من تصرفات الفريق أول صادق وتدخلاته الكثيرة فى مسائل وشئون غير عسكرية، وعندما تيقن الرئيس، من أن وزير حربيته بدأ عامه الثانى فى الوزارة، بالسعى لتحقيق شعبية ومجد شخصى له، كان من أبرز وسائله فى تحقيقها داخل القوات المسلحة قيامه بمنح مزايا مادية للضباط بما يضمن انتشار نفوده وسيطرته على مجريات الأمور داخل القوات المسلحة، حيث قام بتعيين أصدقائه فى بعض المواقع والمراكز الحساسة فى القوات المسلحة، ومنهم نائبه الفريق عبدالقادر حسن واللواء على عبدالخبير قائد المنطقة العسكرية المركزية ولكل هذه الأسباب، كان لابد حتما من حدوث المواجهة بين الرئيس السادات والفريق أول صادق.


فى ٢٥ أكتوبر ١٩٧٢، ولم يكن يدور بخلد اللواء أحمد إسماعيل فى هذا اليوم عندما استدعاه الرئيس السادات، للحضور فورًا إلى منزله بالجيزة عن طريق سكرتيره الخاص فوزى عبد الحافظ، أن الرئيس سوف يصدر قرارا بتعيينه وزيرا للحربية، وإن كان لم يستبعد بالطبع أن يكون وراء هذا الاستدعاء العاجل والمفاجئ أمرًا على جانب كبير من الخطورة والسرية، كان يقرر الرئيس أن إعفاء الفريق أول صادق وزير الحربية من منصبه قد حان أوانه.


وبمجرد انضمام رئيس المخابرات للرئيس فى جولة المشى التى اعتاد ممارستها يوميا قال له: «هل تتذكر الآن المناقشات التى دارت بيننا وطلبت منك منذ شهور الاحتفاظ بها سرا، لقد آن الأوان الآن لإخراجها إلى حيز النور، لقد قررت إعفاء الفريق أول صادق من منصبه كقائد عام للقوات المسلحة ووزيراً للحربية، فقد تيقنت أمس تمامًا بعد اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة من عدم اقتناعه، بأن الإمكانيات التى تملكها قواتنا المسلحة لخوض معركة عسكرية ناجحة فى حدود ما لديها من عتاد وسلاح.. كافية.. وأنه يرفض خوض معركة فى حدود طاقة ما نملكه بالفعل.. ويطالب بوجود إمكانيات عسكرية كاملة لتحرير سيناء.. وهذا يعنى أن أنتظر طويلا وصول هذه الإمكانيات وسوف يضيع الوقت ولن تصل هذه الأسلحة من موسكو.. وما يطرحه الفريق أول صادق، يعنى بشكل عملى انتهاء فكرة خوض معركة التحرير، وموت قضية تحرير سيناء على المستوى السياسى والدولي..»


وبدأ الرئيس السادات يستعرض مع رئيس المخابرات العامة أسماء من يصلحون لتولى هذا المنصب.. وصفاتهم، وكلما طرح اللواء أحمد إسماعيل اسما رفضه الرئيس السادات مبررا هذا الرفض بأسباب وجيهة.


وفجاة توقف الرئيس السادات عن السير.. قائلًا: «إن الصفات المطلوبة موجودة فى شخصك وهذا قدرك.. استعد يا أحمد للمعركة وعلى بركة الله».


هنا تذكر اللواء أحمد إسماعيل ماكان قد قاله له بالجيزة السيد حافظ إسماعيل مستشار الأمن القومي: « إما أن تقبل منصب وزير الحربية أو تذكر لنا من يمسك مكانك فى المخابرات».


وقبل أن يغادر اللواء أحمد إسماعيل منزل الرئيس بالجيزة.. قال له الرئيس السادات بالحرف الواحد: «إذا لم أكن أتيت بك.. لآتى بك عبدالناصر- لو كان على قيد الحياة.. لتقوم بدخول المعركة».