اللواء طيار كمال المنصورى ... مناورة الموت الأخيرة

05/10/2016 - 3:53:04

حوار فاطمة قنديل

ابتسامته لا تفارقه وكأنها تُعبر عن مدى فخره واعتزازه بنفسه وبزملائه وما حققوه من نصر فى حرب أكتوبر ١٩٧٣، فهو مثال حى للشجاعة والعزيمة على تحقيق هذا النصر مهما كلفه من ثمن .


أثناء المعركة أدرك أنه سيموت لا محالة ولكنه قرر ألا يموت هباء بدون تحقيق ولو بطولة واحدة لوطنه، فقام بملحمة رائعة بكل المقاييس العسكرية جعلت العدو الإسرائيلى ذاته يطلق عليه «الطيار المجنون» فى فيديو قامت إسرائيل بعمله وإذاعته بعد حرب أكتوبر ٧٣ ويعد بمثابة اعتراف رسمى من العدو بعبقرية وشجاعة هذا البطل الذى يعتبرها أول تكريم له ومن العدو شخصيا، ويقول وهو يضحك «ومع ذلك لم أمت هما اللى ماتوا وأناعشت بعد هذا النصر ٤٣ سنة» فهو حقا رجل يهابه الموت .


هو البطل اللواء طيار أحمد كمال المنصورى أو»الطيار المجنون».


المنصوري كان أثناء الحرب برتبة نقيب وعمره ٢٥ سنة متزوج ولديه طفلان وكان يتقاضى مرتب «٥٠ جنيها» وكان عايش وسعيد بيهم جدا.


يقول: قبل حرب أكتوبر عشت ٥٠٠ يوم فى حرب الاستنزاف بـ٧٦ شهرا تذوقنا فيها العذاب والمر والعرق بالدم لأن القاعدة العسكرية تقول «العرق فى التدريب يوفر الدم فى القتال» ، ولولا هزيمة ٦٧ وما حدث فيها ما كان النصر تحقق فى ٧٣ والعبور العظيم الذى عبر بمصر والأمة العربية بعد ١٠٠ ألف شهيد دفعناهم فى ٤ حروب هم حرب ٤٨ و٥٦ و٦٧ ونهاية بحرب ٧٣ .


متى تم إخباركم بميعاد الحرب وكيف كان الاستعداد لها ؟


تم إبلاغنا بميعاد الحرب يوم ٥ أكتوبر ليلا، وبالطبع كان سلاح الطيران هو أول سلاح يعلم بميعاد الحرب على مستوى جميع أسلحة القوات المسلحة لأننا سنقوم بالضربة الجوية الأولى بـ٢٢٥ طيارة لتدمير طيران العدو وإحداث شلل تام فى قواته تمهيدا لعبور باقى القوات قناة السويس .


بعد إعلامنا بالميعاد نظرنا جميعا إلى بعضنا البعض وكأنها نظرات الوداع وكأننا نقول فى دواخلنا «ياترى مين اللى هيرجع ومين مش هيرجع ومين اللى هيستشهد ومش هيشوف ولاده تانى»، ثم قلت للتشكيل الذى كنت أقوده وهو تشكيل الفهود السوداء وسمى «بنصف دستة أشرار» لأننا كنا أشرار على إسرائيل، بالفعل «كلنا لازم نحلق شعرنا واللى مش هيحلق شعره على إسرائيل مش هيحط رجله فى طيارة من الطيارات ومش هينول شرف القتال» وبالفعل قمنا جميعا بحلاقة رؤوسنا تيمنا بقول الله تعالى «لتدخلن المسجد الحرام بإذن الله محلقين رؤسكم ومقصرين.»


وماذا عن يوم الحرب وأين كنت وما دورك فيها ؟


كنت قائد تشكيل مقاتلات فى سرب انتحار كان اسمه السرب ٤٩ مقاتلات وموقعنا كان على الجبهة فى السويس فى مطار القطامية


وكان إجمالى القوات ١٠٠ طيار و٤٠٠ طيارة بقيادة اللواء طيار محمد حسنى مبارك، وفى تمام الساعة الثانية ظهرا انطلقنا لضرب طيران العدو، وأول شهيد سقط فى حرب أكتوبر ٧٣ هو الشهيد الطيار عاطف السادات شقيق الرئيس الراحل أنور السادات؛ حيث كان على الطائرة القذيفة المقاتلة، وكان فى مطار «المليز» ونحن خرجنا معهم كحماية بعدما دمروا المطار وفجروا قنابلهم أخذ الشهيد عاطف يطير بطائرته، وكان لازال معه قنبلتان ووجد طيارتي ميراج إسرائيلى صاعدتين وعلى الفور قام بإطلاق الصواريخ عليهم حتى أسقطهم ليفدى الطيارين الذين كانوا معه وضحى بنفسه فداء مصر .


وعندما أبلغنا الرئيس السادات إن عاطف أخاه استشهد قال لنا «وهو أجدع من مين ولا مين فيكم» جميعكم أولادى وفداء مصر .


وأيضا استشهد الطيار شريف عرب بطل مصر والعرب والذى كان يقود الطيارة الميج ١٧ رقم ٢٩٦١، وهو أول طيار مصرى يضرب طيارة فانتوم حديثة الصنع بتكنولوجيا أمريكية عالية «بطائرة الحرب العالمية الثانية الميج ١٧» وأسقطها وهذه من البطولات النادرة والتى استحق عليها نجمة سيناء؛ هؤلاء الأبطال جميعا نذكرهم ونذكر بطولاتهم وتضحياتهم ولا ننساهم أبدا.


ولماذا أطلق عليك العدو الإسرائيلى «الطيار المجنون» ؟


وجدت طائرات العدو خلفى وأنا بمفردى حينها أدركت أننى سأموت لا محالة، ولكننى قررت ألا أموت بدون تحقيق انتصار لبلدى، وأننى لا يجب بأى حال من الأحوال أن أموت هباء، وقلت فى نفسى «أنا كده كده هموت يبقى لازم يشاركنى العدو فى الموت» ونظرت للسماء وناجيت الله عز وجل وقلت له «يرضيك يارب أموت كده من غير ما أحقق أى حاجة لبلدى» وقررت عمل مناورة تسمى «مناورة الموت الأخيرة» يلجأ إليها الطيار عندما يدرك أنه حتما سيموت، وكأن الله سبحانه وتعالى استجاب لمناجاتى .


واندفعت بمقدمة الطيارة نحو الأسفل بأقصى سرعة مما جعل العدو يظن أننى سأنتحر، وأطفأت محركات الطيارة حتى نتج كمية كبيرة من التراب نتيجة الهبوط بسرعة عالية ، بعدها نظرت للعدادات وجدتها على ارتفاع ٣٠٠٠ قدم من الأرض «ويلزم لهذه المناورة ارتفاع ٦٥٠٠ قدم من الأرض» فانطلقت بالصعود بالطائرة إلى أعلى بسرعة عالية جدا، الأمر الذى جعلنى فى موضع خلف طائرات العدو ورددت «بسم الله الله أكبر» وأطلقت عليهم الصاروخ الأول ثم قلت فى نفسى «لا يجب أن أسمى على عدو حقير» فقلت ابتسموا وأنتم تموتون وأطلقت عليهم الصاروخ الثانى «صحيح كان تمنه ١٠ آلاف جنيه وهم أرخص منه لكن قام بالمهمة ودمرهم» وأنا دمرت ٣ طائرات ٢ فانتوم وواحدة ميراج .


وبعد حرب أكتوبر ٧٣ مباشرة قامت إسرائيل بعمل فيديو عن هذه الواقعة تقر فيه بهزيمتهم الساحقة فيها وأطلقوا على «الطيار المصرى المجنون» نظرا للمناورة التى قمت بها، وأنا أعتبر هذا شرفا ووساما على صدرى أن يُقر ويعترف العدو الإسرائيلى بشكل رسمى بانتصارى عليه وهذا أول تكريم حصلت عليه بعد حرب أكتوبر ٧٣ .


كما أننى حصلت على وسام الشجاعة لأننى أصبت فى حرب أكتوبر بنسبة عجز ٥٠٪ وكنت فى المستشفى مصابا وهربت منها وذهبت لاستكمال الحرب مخالفا بذلك الأوامر وأخذت جزاء من اللواء حسنى مبارك بسبب ذلك لأننى خالفت الأوامر العسكرية وهذا الجزاء أضعه عندى فى صالون البيت لأنه فخر لى وأنا الطيار الوحيد الذى حصل على نجمة الشرف ووسام الشجاعة .


وهنا أود التأكيد على أنه قبل الحرب الجميع قال لنا إن نصف القوات الجوية سيقع بها خسائر وأن الـ١٠٠ ألف جندى الذين من المقرر أن يعبروا قناة السويس سيموت نصفهم قبل العبور وسيغرق النصف الآخر بالنابلم الإسرائيلى، ولكن الحمد لله عبرت القوات والخسائر لم تتجاوز ٢٪ «لأننا كنا رجالة « والله عز وجل نصرنا ، واليوم يوجد ٦٠ مليون شاب مصرى الأمل فيهم لأننا الآن فى خريف العمر وهم الربيع وهم الذين سيحملون مسئولية هذا الوطن ونوصيهم به خيرا .


وماذا بعد تحقيق النصر ؟


نحن جميعا كمصريين وليس صعايدة فقط نقدس الأخذ بالثأر والحياة فى نظرنا تتوقف حتى الأخذ بهذا الثأر «وببساطة خدنا بتارنا» وفرحة النصر لا توصف بمجرد الكلام ، ولا أنسى أمى «وهى أم البطل» وتوفيت وعمرها ١٠٠ عام وكانت دائما تقول لى أنت تحارب وأنت تضحك باستمرار كيف ذلك ، وكنت أقول لها إننا كنا كل يوم ندور على الموت الجبان ومكانش عايز يجى ، فكتبت فى قصيدة أطلقت عليها «رجلا يهابه الموت» ظل يحيطه من كل جانب حتى يرى ثغرة جبن وحيدة ينفذ منها لكنه أبدا لم ولن يجدها وظل حيا .


وأنا الآن جاهز للرحيل وأوصيت أولادى وأحفادى أن يدفنوا معى كل ما يتعلق بى فى الحرب من خوذة الطيران التى طارت معى وباقية حتى الأن وأوسمتى ونياشينى؛ لأننى حصلت على جميع أوسمة ونياشين القوات المسلحة التى بالنسبة لى هى أعظم شيء حصلت عليه طيلة حياتى .