الأقباط والجيش..

05/10/2016 - 2:35:44

بقلم: جمال أسعد

فى هذه المناسبة الوطنية والتاريخية والتى تعد فخراً لكل مصرى والتى تضاف إلى أهم وأعظم أيامنا الوطنية مناسبة انتصار الجيش والشعب المصرى فى ٦ أكتوبر ١٩٧٣.. دائماً فى هذه المناسبة وما يماثلها من مناسبات ما نذكر بفخر وإعزاز قواتنا المسلحة الباسلة.. ولهذا قد طلب منى السيد مدير التحرير كتابة مقال عن الأقباط والجيش.. وبالرغم من قناعتى الدائمة برفض الحديث أو التعامل على هذه الأرضية الطائفية، ولكن أحداث التاريخ ووقائعه تجعلنا نناقش هذا الموضوع من زاويته التاريخية والتى تعنى تاريخ الجيش المصرى وكيف تطور حتى وصلنا إلى هذه المرحلة التى نقول فيها بملء الفم إن قواتنا المسلحة هى قوات الشعب المصرى فهى لا تنحاز إلى دين أو طائفة ولا هى صنيعة حزب أو جماعة أو تنظيم ولا هى تنحاز إلى حاكم أو نظام ولكنها هى قوات الشعب المصرى المسلحة التى تضع كل إمكانياتها لحماية مصر وشعبها من أى غاصب أو محتل..


ولا أدل علي ذلك ما حدث من موقف القوات المسلحة عندما ثار الشعب المصري ضد مبارك في ٢٥/١/٢٠١١ وقف الجيش مع الشعب المصري رافضاً التوريث بالرغم من أن مبارك هو القائد الأعلي للقوات المسلحة.. ونفس الموقف تكرر عندما ثار الشعب ورفض حكم جماعة الإخوان التي كانت تريد مسح ومسخ هوية مصر التاريخية وتمكين الجماعة من أهم دول المنطقة حتي تكون نواة لحلم الخلافة، فمصر لهم لم تكن غير صفقة تراب عفن.. هنا تدخل الجيش أيضاً وسقط حكم الإخوان حيث إن ذلك كان إرادة الشعب المصري.. وهنا عندما نتحدث عن الأقباط والجيش لا بد لنا من استعراض سريع لتاريخ الجيش.. حيث إن جيش مصر دائماً ما كان رهناً لمن يملك السلطة والقوة والنفوذ.. كما أنه بلا شك فمصر الجغرافيا والتاريخ وطبيعة البشر كان ومازال لها دور مباشر أو غير مباشر في كيفية تكوين الجيش وطبيعته وبوصلة انتمائه.. ففي التاريخ الفرعوني القديم لاشك وأن التركيبة الحاكمة وطبيعة علاقتها بالتركيبة الاجتماعية آنذاك كان لها التأثير الأول في طبيعة وتكوين الجيش.. فكان الحاكم هو الأهم فأحياناً ما كان هو الحاكم والكاهن وبمكانة الإله الذي لا يرد له طلب.. فنظام هكذا لابد أن تكون تركيبته الاجتماعية والسياسية والثقافية خاضعة تماماً لهذا الحاكم ونخبته التابعة، ولذا من الطبيعي أن يكون الجيش من هذه النخبة ويكون جيش الفرعون الحاكم المستبد.. ولهذا كان الجيش يلعب دوراً سلبياً أو إيجابياً ينتصر أو ينهزم تبعاً لنفوذ الحاكم ومدي تأثيره علي الشعب.. فبالرغم من أن الجيش هو جيش الفرعون ولكن لا أحد يستطيع إغفال دور الشعب في أي معركة كانت.. فكان الجيش ينهار عندما تضمحل قوة الدولة ويضعف الفرعون، فكم هجرة جماعية جاءت إلي مصر مثل الهكسوس الذين احتلوا مصر قرابة الثلاثمائة عام ولكن لما قوي النظام ونهضت الدولة تم دحرهم .. ناهيك عن غزو اليونان والرومان وكيف انهار النظام أمامهم ومدي تأثيرهم علي الشعب المصري طبيعة وهوية، في كل الأحوال لا نستطيع أن نقول إنه في ظل هذه الظروف ومع طبيعة ونظام الحكم أن هناك شعباً بالمعني السياسي والواقعي، فالوجود والتواجد للحاكم ونخبته وتابعيه، ظل الوضع كذلك فلا شعب بأي معني والجيش هو جيش الحاكم هو الذي يشكله بمعرفته حسب أهوائه، ففي ظل الحكم الروماني كانت السلطة والجيش للرومان.. ثم جاء الإسلام في القرن السابع الميلادي هازماً الرومان بمساعدة المصريين وقناعتهم بذلك، فكان أيضاً الجيش هو جيش الفاتح الإسلامي.. حيث كان النظام الاجتماعي والسياسي يقسم مصر إلي ثلاث فئات الأولي الفاتح العربي الذي جاء مع الفتح وهو درجة أولي ثم المصري الذي اعتنق الإسلام وهو بمثابة درجة ثانية لأنه ليس بعربي ثم المصريون من غير المسلمين وهم الذميون وهم درجة ثالثة أو غير ذلك.


ومع تطور الأمور واستقرار الحكم في مصر التي يميز شعبها الجنوح نحو الهدوء والاستقرار.. كان يصرح للمصري المسلم أن يأخذ بعض المواقع ولكن القبطي حين ذاك فهو ذمي لا يحق له المشاركة في الدفاع عن الوطن ولكن عليه دفع الجزية مقابل ذلك.. واستمر الوضع هكذا لا يحق ولا يشارك المصري المسيحي في جيش بلاده خاصة أن فترات كثيرة من التاريخ ما حكم مصر حكام غير مصريين مثل المماليك وهم البشر الذين يتم شراؤهم ويتم إعدادهم عسكرياً لصالح الحاكم في المقام الأول ولصالح ما يريد.. وهنا حتي المسلم المصري كان يعامل معاملة أقل من الآخر غير المصري، وقد وجدنا هذا مجسداً خير تجسيد في العصر العثماني.. ثم كانت الحملة الفرنسية والتي وضعت المصريين علي أول سلم التطلع إلي الأفضل.. كما ساهمت في إظهار ونمو فكرة الوعي القومي لدي المصريين جميعاً..


وجاء محمد علي ولم تكن فكرة الشعب قد اختمرت في ذهنه فكان الشعب خليطاً من الأجانب والأرناؤوط وبقايا المماليك والأتراك وبعض الشوام وقليل من النخبة القبطية وكانوا هم نواة الدولة الحديثة. أما الشعب فلم يكن له وجود فالفلاحون يقومون بالزراعة ودفع الضرائب والحرفيون بمهام حرفهم، فلم يتغير الشعب في أحواله الاجتماعية سواء كان حكامه رومانيين أو عرباً أو مماليك أو عثمانيين وظل علي حاله من البدائية والتخلف. ففي البداية لم يتجه محمد علي إلي الاستفادة من الشعب المصري كقوة بشرية فاعلة إلا عندما دخل في صراعات عسكرية مع الدولة العثمانية، وظهرت حاجته إلي الشعب سواء في الجيش أو الصناعات المغذية للعمليات الحربية. هنا أسند محمد علي تنظيم البحرية والجيش إلي مسيحيين أوربيين وليس إلي أقباط. ولم يبدأ تجنيد المصريين بشكل عام في الجيش إلا في عهد سعيد خاصة الفلاحين والأقباط وباقتراح من مدير مديرية أسيوط والذي استأذن في أخذ جنود أقباط حيث إن الأقباط وطبقاً للشريعة معفيون من التجنيد. ولذلك ألغي سعيد الجزية من علي الأقباط في ١٩ يناير ١٨٥٥.


وتطور الأمر إلي أن طلب البطريرك أن يرقي أبناء طائفة الأقباط خريجو المدارس العسكرية إلي رتبة الضباط أسوة بالفلاحين. وجاء إسماعيل وكانت الكتيبة فيها عرب وأقباط مسلمون ونصاري، ولم يكن المصريون في ذلك الوقت لديهم ثقافة الدفاع عن الوطن فهذا أمر لم يألفوه. وكذا كان بعد ذلك ما يسمي بالبدلية وهي مبلغ من المال يدفعه القادر حتي لا يتم تجنيده خاصة أن المجندين كانوا كثيراً ما يتحولون إلي عمال سخرة. وظل هذا الأمر حتي جاءت ثورة يوليو ١٩٥٢ فتجذر الإحساس القومي وظهر الانتماء الوطني وألغيت البدلية وأصبح التجنيد لكل المصريين بلا تفرقة دينية أو اجتماعية أو طبقية.


أصبح الجيش المصري الوطني هو جيش الشعب وفقط، وخاض المصريون بكل دياناتهم الحروب التي كتبت عليهم حرب العدوان الثلاثي من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل عام ١٩٥٦ تصفية لحسابات مع النظام الجديد. وتمت هزيمة العدوان الثلاثي بفضل الشعب والجيش مسلمين ومسيحيين. ثم كانت ٦٧ وحارب الشعب بكل طوائفه في حرب الاستنزاف التي كانت هي الطريق الصحيح والخطوات الأولي لنصر أكتوبر ١٩٧٣ ورفع العلم في ١٩٧٣ ورفع شعار الله أكبر من كل المصريين.


وكان فؤاد عزيز غالي قائداً للجيش الثاني الميداني وهو الذي حرر العريش.


وكان هذا المهندس القبطي النابه باقي زكي يوسف الذي أبدع فكرة إزالة خط بارليف بالماء لفتح الباب للقوات المسلحة حتي تدخل سيناء وتعبر القناة وتحقق النصر، فالآن الجيش هو جيش مصر وشعبها لاينحاز لغيرها. ومن خلال هذه المسيرة التاريخية يتضح أن الجيش هو المصنع الذي يصنع الرجال بل هو المنبع الذي جذر وأسس لفكرة المواطنة التي لم تكن يعرفها أحد . فعند دخول الأقباط الجيش منذ عهد سعيد وعند إلغاء الجزية علي الأقباط كان هذا هو الطريق الصحيح والخطوة الأولي لتأسيس حق المواطنة لكل المصريين . فالقرار الذي أصدره سعيد كان نتيجة اعتقاده أن النصاري إذا ماحملوا السلاح للدفاع عن وطنهم وخضعوا إلي نفس الواجبات التي يؤديها المسلمون فإنهم يكتسبون نفس الامتيازات التي يتمتع بها مواطنوهم. هذا هو تاريخ الجيش وتاريخ الأقباط مع جيش مصر . الذي أصبح الآن تاريخ مصر كل المصريين وجيش مصر كل المصريين.


تحية للقوات المسلحة وتحية للشعب المصري وتهنئة لكل المصريين بمناسبة نصر أكتوبر الذي يجب أن نستعيد فيه تلك الإرادة الصلبة التي كانت للشعب المصري حتي حقق النصر، تلك الإرادة التي نحن الآن في أحوج الحاجة إليها حتي نواجه تلك التحديات الجسام التي تواجه مصر وشعبها، حمي الله الجيش ومصر وكل المصريين.