أدب النصر نقـش على برديـة العبــــور

05/10/2016 - 2:32:57

تقرير: شيرين صبحي

دخل عام ١٩٧٣ وكان كل شيء هادئا لا ينبئ عن هذه العاصفة التى ستنطلق لاحقا قبل نهايات العام. جاء الخريف محملاً بالكثير من الأمل؛ فالحرب التى انتظرها المصريون طويلا دارت رحاها..


كان من الطبيعى أن تستجيب الأقلام لهذا الحدث العظيم، لكن أدب الحرب من الأنواع التى يصعب فيها التخيل إلا بقدر ضئيل، وكثير من الأدباء لم يعايش الحرب إلا فى أجيال متأخرة من أدباء الستينات والسبعينات، فمنهم من ذهب إلى الحرب مثل جمال الغيطانى كمراسل حربي، بينما كان عدد من أدباء جيل السبعينات مجندا بالجيش.


  لكن مشكلة أدب الحرب لدى العرب غالبا أنه وقف عند حدود المشاعر الوطنية التى تعنى تحرير الأرض، ولم يستطع أن يذهب إلى المستوى الإنسانى بأن تكون الأحداث شديدة المحلية لكنها دالة على الأوضاع الإنسانية، كما يقول الناقد د. محمد بدوي، فالأدب الغربى استطاع أن يبلغ جذورا عالية فى أدب بعد الحرب العالمية لأنها لم تكن حرباً وطنية؛ لذلك نتجت عنها آلام بشرية هائلة شككت الأوروبيين فى صحة الحرب والدعوة إليها، لذلك أنتجت أدبا وسينما شديدى الإنسانية.


 أما حرب أكتوبر – يضيف د. بدوى – فكانت محصورة فى المشكلة الوطنية وهى تحرير الأرض، وقد ذهب المجتمع والدولة ما بعد الحرب إلى اتجاه آخر تماما وهو الانفتاح، وكأنه يضع ستارا على حرب أكتوبر وانتشرت دعاوى تقول إنها آخر الحروب. 


ويرى أن أدب المقاومة وصل إلى مستوى عال جدا فى أدب الأبنودى فى ديوانه «وجوه على الشط» وهى أعلى ذروة بلغها أدب الحرب وكانت تذاع بشكل يومي، لدرجة أن السادات بعد انتصار أكتوبر فى الخطبة التى ألقاها قال «يأتى الأبنودى يكمل الملحمة التى بدأها».


 عبور الهزيمة


فى ظهيرة السادس من أكتوبر ١٩٧٣ كان نجيب محفوظ يجلس فى بيته يقرأ فى أحد الكتب.. رن التليفون وكان المتحدث هو ثروت أباظة، وبدون مقدمات صرخ قائلا: «عبرنا»، فلما استوضح محفوظ الأمر، قال له إن الجيش المصرى عبر القنال، فقابل محفوظ كلامه بسخرية، فأقسم أباظة بأن الحرب قامت وطلب منه فتح الراديو على أى إذاعة.. ولأول مرة فى حياته يسمع محفوظ الأخبار من المحطات الأجنبية التى كانت كلها تؤكد ما ذكره أباظة.


 يحكى شيخ الروائيين فى كتاب «نجيب محفوظ.. صفحات من مذكراته وأضواء جديدة على أدبه وحياته» الذى أعده الناقد الراحل رجاء النقاش، كيف كان انفعاله بالحرب قائلا «وجدت نفسى فى حالة ذهول غريبة. لم تكن تهمنى نتيجة الحرب العسكرية بقدر ما تهمنى نتائجها النفسية، وكيف أنها يمكن أن تنقلنا من حالة كنا نشعر فيها بمنتهى اليأس والانكسار، إلى حالة مضادة نشعر فيها بالثقة والعزة والكرامة. ولذلك فإننى أعتبر معركة أكتوبر هى الحرب التى أنقذت الروح العربية من الهزيمة. وطوال أيام المعركة كان لديّ إحساس غريب بأن أى تلاحم بين الجيشين المصرى والإسرائيلى سنكون فيه المنتصرين والمكتسحين».. ولم يكتب محفوظ أعمالاً أدبية عن الحرب بل مقالات قصيرة متتابعة بعنوان «دروس أكتوبر».


 أما توفيق الحكيم فكتب يقول: «عبرنا الهزيمة بعبورنا إلى سيناء، ومهما تكن نتيجة المعارك، فإن الأهم هى الوثبة، وهى المعني. أن مصر هى دائما مصر، تحسبها الدنيا قد نامت ولكن روحها لا تنام. وإذا هجعت قليلا فإن لها هبة ولها زمجرة، ثم قيام، وقد هبت مصر قليلا وزمجرت، ليدرك العالم ما تستطيع أن تفعل فى لحظة من اللحظات».


 وتناولت الكثير من الأعمال حرب أكتوبر منها «الحرب فى بر مصر» ليوسف القعيد، «الرفاعي» لجمال الغيطاني، “نوبة رجوع” لمحمود الورداني، “أنشودة الأيام الآتية” لمحمد عبد الله الهادي، “السمان يهاجر شرقاً “ للسيد نجم، “شجر الصبار” لمعصوم مرزوق، “رجال وشظايا” لسمير الفيل، “الخريف الدامي” لمحمد النحاس، “ سبع حبات من الرمال” للسيد الجندي، “يوميات مقاتل قديم” للسيد عبد العزيز نجم، “سنوات الحب والموت” لبهى الدين عوض، “يوميات على جدار الصمت” لمحمد السيد سالم، “عندما تشتعل النجوم” لفوزى البارودي، “حائط الصواريخ” لعادل حسني، “رأس العش” لسعد وهبة، “وتحطمت الطائرات عند الظهر” لأحمد بهاء الدين.. ومن العرب كتب حنا مينا “المرصد”، و”رفقة السلاح والقدر” لمبارك ربيع، “من يذكر تلك الأيام” لحنا مينا ونجاح العطار، “البيت والدخان” للسورى يحيى خضور.


ومن القصص القصيرة، «أرض أرض» و«امرأة فى القطار الحربي» لمحمد السيد سالم، «من وحى أكتوبر» لصلاح عبد السيد، «سوف نعيد ترتيب الأشياء» للمنسى قنديل، و«تعليقات من الحرب» لإبراهيم عبد المجيد، «لا تبحثوا عن عنوان إنها الحرب» لقاسم مسعد عليوة، «شوق وأنين» لمحمد نور الكنيسى، وغيرها.


 وقدم رجب سعد السيد مجموعة ممتعة بعنوان «الأشرعة الرمادية» بالإضافة إلى روايتين قصيرتين هما «المخاض»، و«نقوش الدم».. أيضا كتب عن الحرب أبناء السويس ومنهم محمد الراوى فى روايته «الرجل والموت» وسناء فرج فى روايتها «صباح».


العديد من هذه الأعمال تم تحويلها إلى أعمال سينمائية لعل أبرزها «الرصاصة لا تزال فى جيبي» لإحسان عبد القدوس، بطولة محمود ياسين ونجوى إبراهيم، «العمر لحظة» ليوسف السباعى بطولة ماجدة وأحمد مظهر، «أبناء الصمت» لمجيد طوبيا والذى أخرجه محمد راضى بطولة نور الشريف ومحمود مرسى وميرفت أمين، «حكايات الغريب» للغيطانى والذى أخرجته أنعام محمد على بطولة محمود الجندى وحسين الإمام، و«الحرب فى بر مصر» للقعيد الذى تحول إلى فيلم «المواطن مصري» بطولة عمر الشريف وعزت العلايلي.


 ويصعب حصر الأعمال التى قدمت عن حرب أكتوبر التى تحتمل مئات الروايات والقصص، ويلاحظ هنا أن معظم من كتب عن أكتوبر كانوا من الشباب الجدد حينها الذين عايشوا الحرب، بينما لم يكتب الأدباء الكبار حينها أمثال نجيب محفوظ ويوسف إدريس وغيرهما، غير مجموعة من المقالات ولم يعالجوها إبداعيا لأنهم كانوا بعيدين عن أرض المعركة.


حكايات الزمن الجريح


 جند يوسف القعيد فى الجيش المصرى عام ١٩٦٥ وخرج منه فى ١٩٧٤ ، وعن أكتوبر كتب «الحرب فى بر مصر»، «فى الأسبوع سبعة أيام»، «أطلال النهار»، «تجفيف الدموع»، و«حكايات الزمن الجريح» وتم تجميعها فى مجموعة كاملة بعنوان «من يذكر مصر الأخرى».


 خدم القعيد فى مستشفى عسكرى بالقاهرة، ولذلك يحمل أدبه الأثر الذى تركته الحرب على المجتمع المدني، وليس العمليات العسكرية أو أصوات المدافع والدبابات. ويروى أنه مساء يوم ٦ أكتوبر اجتمع يوسف السباعى وزير الثقافة المصرى حينذاك، بالأدباء وطلب منهم أن يكتبوا عن الحرب، مضيفا: كلنا كتبنا مؤيدين ومعارضين، وانطبق علينا المقولة الفرعونية القديمة «عندما يصير الكل فى واحد».


 يقول «أخذت أجازة وذهبت إلى البلد وسمعت أمى تقول إن العمدة فى البلدة المجاورة رفض يدخل ابنه الجيش ودخل ابن واحد فقير ومات فى الحرب ومختلفين على المكافأة من يأخذها العمدة أم والد الشهيد الفقير.. ولا أعرف مدى صدق هذه الواقعة».


فى وحدتنا كنا نستقبل الشهداء – يضيف القعيد - وكلفت من وحدتى أن أسافر مع شهيد إلى قريته فى كفر الشيخ وضللنا الطريق، وعلى غير العادة فى هذا التوقيت من العام كانت هناك أمطار غزيرة. ونبتت فى ذهنى فكرة الرواية لكننى ترددت، ولكن عندما خرجنا من نصر أكتوبر إلى مهازل المفاوضات مع العدو بدأت فى كتابة «الحرب فى بر مصر» رغم ترددى لأن الحروب مقدسة وعندما تنتقدها فكأنك تشكك فى قداستها، ثم ترددت كثيرا فى نشرها، حتى حدثت المفاوضات فأدركت أن ما كتبته قد يكون نبوءة لما حدث بعد ذلك.


ظلت الرواية ممنوعة من النشر فى مصر من عام ١٩٧٧ حتى عام ١٩٨٥ م، لكنها نشرت فى العديد من العواصم العربية، كما أن الفيلم المأخوذ عنها بعنوان «المواطن مصري» ظل مخرجه الراحل صلاح أبو سيف فى معارك مع الرقابة والمحاكم حوالى عشر سنوات.


رغم كل ما كتبه الأديب الراحل جمال الغيطانى عن حرب أكتوبر، كان يؤكد أنه لم يكتب، فالنتائج السياسية للحرب سببت له إحباطا شديدا، جعلته يتوقف عن الكتابة. لكنه لم يتوقف عن دعوة الجيش إلى الإفراج عن وثائق حروبنا العسكرية، وإحياء ذاكرة الجيش باعتباره العمود الفقرى للذاكرة الوطنية. كان يرى أن إلغاء الحرب واختصارها فى الضربة الجوية، ظلمها كثيرا، وخرج جيلان على الأقل لا يعلمون شيئا عن أكتوبر.


الغيطانى الذى شبه الحرب بأنها حق أريد به باطل، قال فى حوار سابق مع مجلة «المصور»، «الحرامية واللصوص الذين جاءوا بفضل السادات الذى دعا إلى سياسة الانفتاح، هم من جنوا ثمار حرب أكتوبر». وعلق فى أسف: «دائما أفعال المصريين عظيمة لكن يأتى أوغاد ويسلبونهم ما حققوه»..!


 إنها الحرب


الأديب الراحل قاسم مسعد عليوة أحد الذين تحمموا بنيران الحرب وكتبوا بوحى منها، فتتناول مجموعته «لا تبحثوا عن عنوان إنها الحرب إنها الحرب» قصصا من الواقع الحربى فى قناة السويس سواء من الجانب العسكرى عن المقاتلين وظروف القتال، أو الجانب المدنى المتمثل فى الصمود والمقاومة الشعبية.


 تدور القصة التى تحمل عنوان المجموعة عن فتى وفتاة يدخلان قبوا فى بورسعيد ومعهما أحد الجرحى، ومن خلال تعاملهما مع هذا الجريح تنمو بينهما قصة حب.. فبرغم الحرب والموت إلا أن الحياة تستمر وتنتصر العلاقات الإنسانية فى النهاية.


 من الأعمال الأخرى كتب عليوة «عربة خشبية خفيفة» تتناول قضية الحرب من خلال الروح المصرية القديمة التى يمكنها بأقل الإمكانات أن تنتصر على العدو المدجج بأحدث التكنولوجيا، فتحكى القصة التى تحمل عنوان المجموعة عن جندى فى مجموعة محاصرة فى موقع متقدم فى مواجهة دبابات العدو وانقطعت خطوط الاتصال مع الجيش، وتتخيل الشخصية الرئيسية فى القصة أنه قد بزغ من قرص الشمس قائد مصرى قديم يركب عربته الخشبية الخفيفة، وبسهم من سهام قديمة تمكن من قتل سائق الدبابة التى تحاصر البطل المصرى وتكاد تدهسه، وبعد المناورات يتمكن من تدمير الدبابة.


 وفى قصة بعنوان «الجهاز» يحكى عن جندى الإشارة الذى يقع منه الجهاز اللاسلكى وتبذل الوحدة العسكرية جهودا كبيرة لاستعادته حتى يجدوه ويتبين أنه عاطل عن العمل، فلا يملكون إلا مواجهة العدو والاستبسال.. من القصص الأخرى هناك «التداخل» وتحكى عن الثغرة وكيف تعامل الجندى المصرى حتى تمكنهم من التغلب على هذه الثغرة فى النهاية.


 ولا تكاد تخلو مجموعة قصصية لمسعد عليوة من محور عن الحرب التى كان ينظر إليها باعتبارها ظاهرة إنسانية ولا إنسانية فى آن واحد، فالحرب تجمع ما هو إنسانى ووحشى معا، فهى ضرورة للدفاع عن الحق والوطن لكنها تنطوى على مآس وإبراز قدرات الإنسان فى الاستهانة بالموت، ومع أن الحرب تجمع بين الثنائيات الضدية كالخوف والشجاعة، الإقدام والتقهقر، إلا أن ما يدفعها هى الثنائية الكبرى (الحياة والموت) فالحرب فرصة لتأمل الذات فى علاقتها بالوجود والكون.


 الشمس لما تضحك


كتب محمد السيد عيد أكثر من عمل إذاعى وتلفزيونى عن حرب أكتوبر منها مسلسل «الشمس لما تضحك» يرسم فيه كيف قامت الحرب بصهر الشباب المصريين؛ كى يكونوا جنودا قادرين على تحرير الأرض، وكيف يمكن أن يتناسوا ثأرهم فيما بينهم ويتحدوا كى يثأروا من العدو الذى اغتصب أرضهم.


فى سباعيته «الصقر» يتحدث عيد عن أبناء السويس الذين لم يتركوا مدينتهم رغم الحرب ومحاولات العدو لاحتلال هذه المدينة الباسلة وكيف وقف المدنيون والعسكريون ورجال المقاومة الشعبية فى وجه أعتى القوات الإسرائيلية وأنزلوا بها خسائر فادحة، وكيف ضحوا بدمائهم من أجل مدينتهم.


تحضر الحرب فى أكثر من عمل للأديب إبراهيم عبد المجيد، فظهرت لأول مرة فى قصة «تعليقات من الحرب» سنة ١٩٧٥ فى مجلة «الطليعة» ثم فى مجموعته الأولى «مشاهد صغيرة» وكان بها إرهاص لما سوف يحدث للبلاد، وتتضمن حوارا بين جنود محاصرين فى الجيش الثالث فخورين بما أنجزوا، فيقول أحدهم «لقد أنجزنا العبور ثم يأتى بعد ذلك تجار وسماسرة يستفيدون منها».


رواية «قناديل البحر» بطلها مقاتل قديم فى الحرب، ومن خلال رحلة فى العريش يجد هناك الإرسال الإسرائيلى أكثر من المصري، وتتداعى على ذهنه المعارك ويتذكر أصدقاءه الذين استشهدوا وانتهت القضية بسلام غير عادل ليس فى مصلحة القضية الفلسطينية، وهى أشبه بمرثية لأحلام الجيل العربى بالقومية والوحدة.


ما هو لافت للانتباه هو أن أكثر من ٩٠ ٪ من كتاب الرواية تحدثوا عن التداعيات السياسية للحرب أكثر من الحرب نفسها، فالذى حدث بمصر تحول سياسى كبير من القومية إلى المصرية، من الاتحاد السوفيتى إلى أمريكا، ومن الاشتراكية إلى الانفتاح.


نوبة رجوع


بعد حوالى ثمانى سنوات من الحرب أصدر الأديب محمود الوردانى روايته «نوبة رجوع»، الذى يملك تجربة مختلفة فى الحرب، حيث انتقل قبل الحرب بشهر واحد إلى مكان بعيد عن ميدان المعركة، وعمل فى قسم الشئون الثقافية فى المنطقة المركزية بالقاهرة، ثم اندلعت الحرب ولم يكن من الممكن الرجوع، ولكنه تولى مهمة أصعب تتعلق بالعساكر الذين يموتون فى المستشفيات وكان من الصعب توصيلهم إلى ذويهم، فكان الجيش يقوم بدفن جنوده فى مقابر الشهداء بالعباسية.


كتب الوردانى مجموعة قصصية عن الحرب كذلك بعنوان «السير فى الحديقة ليلا».


تعتبر حرب أكتوبر موضوعا جوهريا فى المشروع الفكرى للأديب السيد نجم، حيث تدور كتاباته فى إطار روح المقاومة، ومنها روايته «السمان يهاجر شرقا» التى تحكى عن طبيب عاش الفترة السابقة على معارك أكتوبر فى أحد المستشفيات الميدانية وينقل ضمن المجموعة الطبية التى عبرت واستولت على نقطة كبريت الحصينة، ولكن يتم حصار الكتيبة لمدة ١٣٤ يوما بدون طعام أو شراب مع ضرب نار، فيستشهد عدد كبير ومنهم قائد الكتيبة العقيد إبراهيم عبد التواب.. وبعد ١٣٤ يوما فى يناير ١٩٧٤ م يتم فض الاشتباك الثانى بين مصر وإسرائيل وفك الحصار عن كتيبة المشاة.


جند السيد نجم لمدة أربع سنوات وعايش حرب الاستنزاف ومرحلة اللاحرب واللاسلم، فحاول رصدها فى أعماله ومنها مجموعته «أوراق مقاتل قديم»، ولا يخلو عمل له من بطل أو شخصية من حرب أكتوبر، فتجربة الحرب محورية لديه.


تغريبة مصرية


لم يكن المسرح بعيدا عن تجربة الحرب فكتبت أول مسرحية بعنوان «حدث فى أكتوبر» قام بتجسيدها محمود ياسين، ثم كتبت بعد ذلك مسرحيتان هامتان هما «رسول من قرية تميرة للاستفهام عن حالة الحرب والسلام» لمحمود دياب عام ١٩٨٣ ، وفيها كان يتساءل لمن النصر وأين ذهبت تضحيات جيل ٦٨ عندما صدر قرارا بتجنيد كل حملة المؤهلات ولم يخرجوا إلا عام ١٩٧٤ ، وهو الجيل الذى عبر عنه عاطف الطيب فى فيلم «سواق الأتوبيس»، كما يوضح الناقد د. محمود نسيم رئيس لجنة المسرح باتحاد الكتاب.


المسرحية الثانية كانت للكاتب أبو العلا السلامونى بعنوان «تغريبة مصرية»، وتحكى عن جندى مصرى فقد الذاكرة فى الحرب ثم عاد ليجد خطيبته قد تزوجها رجل غنى فى القرية، وبدأ يستعيد ذاكرته من خلال التراث الشعبي.. وترمز المسرحية إلى استلاب النصر وذهابه إلى فئة أو طبقة محددة لكن المجتمع ككل لم يجن ثمار النصر.


أكتوبر اللى صبر


لم يكد يمر يومان حتى كتب الشاعر زين العابدين فؤاد فى الثامن من أكتوبر أثناء خدمته على الجبهة قصيدته «والحرب لسه فى أول السكة» والتى غناها الشيخ إمام والفنان عدلى فخري، ويقول مطلعها «الفلاحين بيغيروا الكتان بالكاكي/ ويغيرو الكاكى بتوب الدم/ وبيزرعوك يا قطن ويا السناكي/ وبيزرعوك يا قمح زرعة علم».


بينما كتب صلاح عبد الصبور يوم ٩ أكتوبر مخاطبا أول جندى يرفع العلم المصرى فى سيناء قائلا:


تملّيناك، حين أهلَّ فوق الشاشة البيضاء،


وجهك يلثم العلما


وترفعه يداك،


لكى يحلق فى مدار الشمس،


حر الوجه مقتحما


ولكن كان هذا الوجه يظهر، ثم يستخفى .


ولم ألمح سوى بسمتك الزهراء والعينين


ولم تعلن لنا الشاشة نعتا لك أو اسما


ولكن، كيف كان اسم هنالك يحتويك ؟


وأنت فى لحظتك العظمي


تحولت إلى معني، كمعنى الحب، معنى الخير، معنى النور، معنى القدرة الأسمي.


تراك،


وأنت فى ساح الخلود، وبين ظل الله والأملاك


تراك، وأنت تصنع آية، وتخط تاريخا


تراك، وأنت أقرب ما تكون


إلى مدار الشمس والأفلاك


تراك ذكرتني،


وذكرت أمثالى من الفنانين والبسطاء


وكان عذابهم هو حب هذا العلم الهائم فى الأنواء


 أما صلاح جاهين فكتب أكثر من قصيدة منها «أكتوبر» يقول فيها:


مـن غيـر مـا نتفـاخــــر ونتبــاهـى 
لا بـالـــــــرايـات اللـى رفعنـاهـا 
ولا بـالحصـــون اللـى انتـــزعنـاهـا 
ولا بـالـــدروع اللـى مــــزعنـاهـا
ولا بـالــــدمــوع اللـى ابتلعنـــاهـا 
علـى الضنــى الغــالـى وحجبنـــاهـا 
وحيـاة عيـون مصــــر اللـى نهـواهـا 
وأكتـوبــر اللـى كمـا النشــور جـاهـا 
بـلاش نعيــد فـى ذنـــوب عملنــاهـا 
أنـا اتعـس اللـى بـــدعهـا وجنــاهـا 
ومـازلـت تحـت عقـــابهـا وجــزاهـا 
وحيـــاة ليـالـى ســود صبــرنـاهـا 
واتبــددت بالشمـــــس وضــحـاهـا 
نكبــح جمـــاح الـزهـــو ، مـع أنـه
مـن حقنـــا ، ونحمـى النفـــوس منـه
ولـو « العبــور « سـالـونـا يـوم عنــه 
قـول : مجـرد خطـــــوة خـدنـاهـا !


 أحمد فؤاد نجم كتب عدداً من القصائد التى تمجد النصر منها «ضليلة فوق رأس الشهيد، منشور علنى رقم واحد، دولامين، عطشان يا صبايا»، وكتب أحمد الحوتى ديوانا كاملا بعنوان «نقش على بردية العبور»، وألف أحمد عبد المعطى حجازى قصيدتين هما «ثلاث أغنيات للوطن» و«أغنية إلى دمشق»، وكتب فاروق شوشة أغنيتين الأولى «أنشودة فى حب مصر» والثانية «اليوم السابع»، وكتب محمد إبراهيم أبو سنة قصيدته «خفقة علم»، وكتب محمد مهران السيد قصيدتين هما «أشواق كل ساعة» و«لغة الأيام المنتصرة» وكتب عصام الغازى «قراءة فى كتاب المجد».


 وكتب شاعر العامية جمال بخيت قصيدته «أكتوبر اللى صبر» يقول فيها:
مين اللى رش الندى.. على أطيب الأوطان 
وصب شهد المحبة.. على أجمل الأحضان 
مين اللى صالح نسيمي.. على هزة الأغصان 
ولم شمل الصحاري.. وفرش فوقيها غيطان 
مين اللى قال يا نبي.. جايلك فى يوم غفران 
أمحى الهوان والألم .. بإرادة الرحمن 
وأغسل بدمعى ندم.. وأبوس إيدين قرآن 
مين اللى قال: ارتوي.. بالحق يا عطشان 
أكــــتوبر اللـــى صــبر.. فــعبر.. فى إيــد رمضان


 وعلى الساحة العربية نجد نزار قبانى لم يكتب شعرا بل نثرا يقول فيه «قبل السادس من أكتوبر ١٩٧٣ كانت صورتى مشوشة وغائمة وقبيحة، كانت عيناى مغارتين تعشش فيهما الوطاويط والعناكب، وكان فمى خليجا مليئا بحطام المراكب الغارقة، وكانت علامتى الغارقة المسجلة فى جواز سفرى هى أننى أحمل على جبينى ندبة عميقة اسمها حزيران، أما عمرى فى جواز سفرى القديم.. فقد كان مشطوبا لأن العالم كان يعتبرنى بلا عمر.. واليوم (٦ أكتوبر ١٩٧٣)، يبدأ عمري.. واليوم فقط.. ذهبت إلى مديرية الأحوال المدنية، وأريتهم صك ولادتى التى حدثت فى مستشفى عسكرى نقال.. يتحرك مع المقاتلين فى سيناء والجولان، فاعتبرونى طفلا شرعيا. وسجلونى فى دفتر مواليد الوطن».


 على مستوى الأغنية الوطنية لحن كمال الطويل أغنية «دولا مين» التى غنتها سعاد حسنى من كلمات أحمد فؤاد نجم، وأغنية «النهاردة كل شيء يا بلادى أصبح له معني» التى غنتها نجاة الصغيرة وعثر عليها الطويل فى إحدى المجلات فبحث عن مؤلفها مجدى نجيب وجرى الاتفاق على تقديمها فى الساعات الأولى من أيام الحرب.


بينما لحن الموسيقار بليغ حمدى العديد من الأغانى منها «البندقية اتكلمت، لو عديت، عبرنا الهزيمة، فدائي، بسم الله، عاش اللى قال»، لكن تظل أغنية «على الربابة بغني» التى كتبها الشاعر عبد الرحيم منصور رمزا لحرب أكتوبر والتى علا بها صوت وردة الجزائرية «حلوة بـلادي.. السـمرة بلادي.. الحرة بلادي.. وأنا على الربابة بغني ما أملكـش غـير إنى أغنى وأقول تعيشى يا مصر»


 



آخر الأخبار