«المواطن مصرى»: ذكريات فيلم لأول مرة حكاية عبد الله محمود من الألف وحتى الياء

05/10/2016 - 2:25:17

بقلم : يوسف القعيد

قد لا يعرف الكثيرون أن فيلم المواطن مصرى كان ابن صدفة ولم يكن نتيجة تخطيط. كان المرحوم صلاح أبو سيف يريد إخراج روايتى: يحدث فى مصر الآن، فى فيلم سينمائى. وأخذ منى الرواية وذهب بها إلى الرقابة. ولكن الرقابة رفضتها. وظل هذا الرفض فترة طويلة. إلى أن تمكن منير راضى بعد ذلك بسنوات من الحصول على موافقة الرقابة على تحويل الرواية إلى فيلم.


يومها لم يعرف اليأس طريقه لقلب ووجدان صلاح أبو سيف. سافر إلى العراق فى زيارة. وعاد ومعه نسخة من روايتى: الحرب فى بر مصر. كانت قد صدرت طبعة عراقية من الرواية. وأيضاً صدرت طبعة بيروتية وطبعة فى فلسطين المحتلة. المهم قرأ صلاح أبو سيف الرواية. وقرر تحويلها لفيلم سينمائى.


كان صلاح أبو سيف من ذلك الجيل الدؤوب الذى لا يعمل سوى العمل. كان يسكن فى مواجهة قصر عابدين. وكان يمشى على قدميه من بيته إلى لاباس بالقرب من ميدان طلعت حرب حيث كازينو المثقفين العرب، الذى أغلق الآن وكلما مررت أمامه حزنت على هذه الأماكن الجميلة التى لم يبق لنا منها سوى الذكريات.


ذهبت إليه مبكراً. وقال لى بشكل مباشر أنه سيحول الحرب فى بر مصر إلى فيلم سينمائى. سعدت جداً عندما أخبرنى أنه اختار محسن زايد لكتابة السيناريو. فاتنى أن أقول كلمة عن البطل الحقيقى الذى يقف وراء الفيلم. أنه المنتج السينمائى الجميل حسين القللا، الذى قدم للسينما المصرية عدداً من أجمل وأعذب وأهم أفلامها. ثم ترك مصر فترة من الوقت وعاد مؤخراً ليستأنف دوره فى خدمة السينما المصرية.


فوجئت بالصديق محمود سعد يبلغنى أن حسين القللا، الموجود فى أحد الفنادق قرر تحويل الحرب فى بر مصر إلى فيلم سينمائى. وأن هذا الرجل محب للسينما. وهو حب لا يقف وراءه أى حب آخر سوى الحب نفسه.


كان فى ذهن صلاح أبو سيف فى اللحظة الأولى أن يكون عنوان الفيلم: المواطن مصرى. ولم يعجبنى العنوان. وكنت منحازاً لعنوان روايتى. ولا أبالغ عندما أقول أن جميع من يعملون كانوا مع عنوان الرواية ولم يكونوا مع عنوان الفيلم الذى اختاره صلاح أبو سيف.


واجه صلاح أبو سيف هذه الاعتراضات بعبارة لا أنساها أبداً. قال إنه يفرق تماماً بين ديمقراطية المناقشة وديكتاتورية القرار. وأن الفيلم فيلم المخرج. هو المسئول الأول والأخير عنه. وهو صاحب أى قرار يتصل بهذا الفيلم من قريب أو من بعيد.


فى هذه الأيام سعدت عندما عرفت أن الصديق الفنان صلاح السعدنى، شفاه الله من مرضه وأعاده لنا سالماً. سيقوم بدور المتعهد فى الرواية. وقد جاء صلاح فعلاً، ووقع عقداً وحصل على مقدم الأتعاب. لكنه بعد فترة من الوقت أعاد المقدم والعقد واعتذر عن الدور. ورفض تماماً أن يشرح لىَّ السبب. وإن كنت قد حاولت تخمينه، ولن أذكره الآن إحتراماً لمرض الإنسان العزيز والجميل صلاح السعدنى.


عندما أبلغونى أن هناك محاولة لكى يقوم الفنان عمر الشريف ببطولة الفيلم. وقالوا إنهم سيسافرون إلى باريس لعرض الأمر عليه وإقناعه. وعرضوا علىَّ السفر معهم. ورغم أن السفر إلى باريس يشكل حلماً. فهى المدينة التى كتب عنها أرنست هيمنجواى، كتابه البديع: وليمة متنقلة. فهو يرى أن باريس فى حد ذاتها وليمة. تنتقل بين كل زمان ومكان.


رفضت السفر معهم لأنى لم أكن مستريحاً لأن يلعب عمر الشريف بطولة الفيلم، لمعرفتى الشخصية بمواقفه التى تتناقض تماماً مع ما يحاول الفيلم أن يقوله. لم أكن عرفته قبل أن يترك مصر ويهاجر. لكنى قرأت مذكراته التى كتبها خارج مصر ونشرت أيضاً خارج مصر وأدركت ساعتها أن الرجل والرواية على طرفى النقيض.


كانت المرة الأولى التى أعيش تجربة ما تصورت أننى سأعيشها فى حياتى. أن تتحول الرواية التى كتبتها إلى فيلم سينمائى. وأن أتابع كتابة السيناريو. وأن أحضر جلسات العمل. ثم أذهب إلى أماكن التصوير مكاناً مكاناً. وكنت أعيش حالة من الصعب وصفها وأنا أرى الأحرف والكلمات تتحول إلى مشاهد يتم تصويرها فى فيلم سينمائى.


حتى عندما سافر الفيلم إلى مهرجان موسكو السينمائى الدولى. كنت معهم هناك. وقضيت أياماً مع ممثلى الفيلم: عزت العلايلى، وصفية العمرى، وصلاح أبو سيف، وحسين القللا. وكانت سعادتى أن من كتب السيناريو والحوار محسن زايد، يمكن أن أقول أننى ابن جيله. وأننا نقترب من بعضنا كثيراً فى الرؤى والأحاسيس والمواقف تجاه قضايا هذه الحياة.


يبقى من هذا الفيلم فى الذاكرة عبد الله محمود. وعبد الله محمود الذى قام بدور مصرى حكاية. سواء الأداء الذى قدمه. أو الفهم الذى عكسه أو مدى التزامه بالعمل. لم تكن المرة الأولى التى يقدم عبد الله محمود فيلماً عن رواية لى. سبق ذلك بطولة فيلم: البيات الشتوى. وهو فيلم تليفزيونى. أخرجه هشام أبو النصر. ولعبت البطولة أمامه صديقتى الفنانة صابرين.


عرفت المرحوم عبد الله محمود خلال تجربة تصوير فيلم المواطن مصرى. المأخوذ عن روايتى الحرب فى بر مصر. ومصرى كان البطل الجوهرى للعمل. الذى تدور حوله الأحداث. وكان عبد الله محمود من اختيار المرحوم صلاح أبو سيف. وجرت محاولات كثيرة لخطف الدور واستكثاره على عبد الله محمود. ولكن صلاح أبو سيف تمسك به وأصر عليه.


صحيح أن عبد الله لم يكن مجهولاً فى ذلك الوقت. كان معروفاً وكان له الكثير من الإنجازات. ومع هذا جرت مؤامرت كثيرة لخطف الدور منه. وأشهد أنه من ذلك النوع من الفنانين الذين يأخذون العمل بأكبر قدر من الجدية. كان أول من يحضر وآخر من ينصرف سواء خلال البروفات أو عند التصوير. ولم يكن يكف عن طرح الأسئلة حول الشخصية التى سيؤديها. حتى يتمكن من الدخول تحت جلدها. أو الإمساك بمفتاحها بين يديه.


وتلك كانت تعبيراته. كان يسألنى طوال الوقت عن ماضى الشخصية. وصداقاتها ومزاجها العام خاصة أنه كان من القلائل الذين بحثوا عن الرواية المأخوذ عنها الفيلم وقرأها بعناية. كانت مشكلته أن مصرى ليس له فصل فى الرواية. وفى النهاية جسد الشخصية بصورة تكاد أن تقترب من المثال. وللشهادة وللتاريخ أيضاً أقول أن الفنان أشرف عبد الباقى، ربما كان دوره الصغير فى الفيلم، من أدواره المبكرة فى السينما. كان يلعب دور صديق مصرى. وقد ناقشنى كثيراً فى دوره الصغير الذى لم يتعد بعض المشاهد العابرة فى الفيلم.


ولد عبد الله محمود فى السادس من ديسمبر عام ١٩٦٤. واسمه بالكامل عبد الله محمود سعيد. وكان ميلاده فى القاهرة. ونشأته فى حى شبرا الشهير. ثم درس حتى تخرج فى المعهد العالى للتعاون. ثم التحق بعده بالمعهد العالى للفنون المسرحية حيث تخرج فيه عام ١٩٨٠. وعمل فترة من الوقت موظفاً بوزارة الزراعة. ثم اتجه إلى التمثيل خاصة فى المسلسلات التليفزيونية وأفلام السينما.


كان أول فيلم يظهر فيه عام ١٩٧٩ هو فيلم يوسف شاهين: إسكندرية ليه. ويوسف شاهين كان يوصف بأنه مكتشف وصانع النجوم. كثيرون من نجوم السينما المصرية والعربية عرفوا خطواتهم الأولى معه ومن خلاله. وإن كان عبد الله محمود لا يعد اكتشافاً شاهينياً. مثل معه فى فيلم ثان. وإن كان لم يحصل على بطولة مطلقة معه أبداً. قدم معه حدوتة مصرية عام ١٩٨٢. ظهر بعد ذلك مع يوسف شاهين لثالث مرة فى فيلم المصير عام ١٩٧٧. وكان دوراً هامشياً أيضاً. تنويعة من عالم الفيلم. وليس دوراً مؤثراً.


وعرف عبد الله محمود مخرجين آخرين. وعندما نستعرضهم سنكتشف أنه كان محظوظاً بمن عمل معهم من المخرجين. وعندما نحاول أن نطل على حال السينما المصرية الآن. لا بد أن نترحم على أيام زمان بالنسبة للسينما المصرية. عمل عبد الله محمود مع عاطف الطيب فى فيلم: سواق الأوتوبيس. وهذا الفيلم يعد علامة مهدت للسينما المصرية الجديدة.


ومن عاطف الطيب إلى محمد خان. فأى مجد هذا؟ ظهر عبد الله محمود فى فيلم: الحريف لمحمد خان. ثم يأتى دور خيرى بشارة. وكأننا نتحدث عن دنيا من الأحلام التى لا تتحقق فى الواقع. شارك فى فيلم خيرى بشارة: الطوق والإسورة. المأخوذ عن رواية يحيى الطاهر عبد الله بنفس الاسم والعنوان.


فى عام ١٩٩٠. بعد بطولة المواطن مصرى وعرض الفيلم فى العام التالى. وكان دوره جوهرياً. وكان أكثر جوهرية قبل التغييرات التى أدخلها عمر الشريف على السيناريو حتى يكون عدد المشاهد التى يظهر فيها – أى عمر الشريف – أكثر من عدد المشاهد التى يظهر فيها عزت العلايلى وعبد الله محمود.


لا أعرف إن كانت حيلة من عمر الشريف هدفها هو تغيير جوهر الفيلم والابتعاد به عن جو الرواية. فالرواية بطلها مصرى. ولكن البطل فى الفيلم أصبح العمدة. الذى لعب دوره عمر الشريف. والحدث الجوهرى فى الرواية هو حرب السادس من أكتوبر. وإن كان الحدث الجوهرى فى الفيلم هو عودة الإقطاع إلى الريف المصرى. ومع هذا ورغم هذه التغييرات. فقد ظل دور مصرى الذى أداه ببراعة عبد الله محمود هو المحرك أساساً لكل الأحداث فى العمل.


يمكن القول أن دوره الثانى بعد المواطن المصرى هو فيلم طالع النخل. وللأسف الشديد فهذا العمل عومل باعتباره فيلماً تليفزيونيا. وهو فعلاً من إنتاج التليفزيون. أى أنه لم يعرض عرضاً جماهيرياً. مع أنه من أهم الأفلام التى قدمت فى تاريخ السينما المصرية. وإن كنت لا أستطيع الجزم إن كان يمكن أن يحقق نجاحاً. فى حالة عرضه جماهيرياً أم لا.


 كان هذا الفيلم من إخراج المخرج الجميل محمد فاضل. ولعب دور البطولة فردوس عبد الحميد حيث لعبت دور طبيبة تواجه مرض البلهارسيا الذى كان منتشراً فى ريف مصر بصورة رهيبة. أما عبد الله محمود فقد كانت وظيفته طالع النخل. وهو عمل موسمى فى قرى ريف مصر. خاصة فى الصعيد. يقوم به أكثر شباب القرية فتوة وقوة. وطلوعه النخل بهدف التلقيح. فى فترة الخصوبة.


ولكن طالع النخل يصاب بالبلهارسيا ويدخل إلى المستشفى وتهتم به الدكتورة بعد أن تعرف طبيعة عمله السابقة على الإصابة. أكثر من نصف هذا الفيلم تم تصويره فى مستشفى قصر العينى. ليس الفرنساوى الحالى ولكن المنيل الجامعى الذى يقع فى منتصف المسافة بين المستشفى القديم والجديد.


ويخيل إلى أنه لعب مبكراً الدور الذى حدث له فى أرض الواقع لاحقاً. مع بعض الاختلاف فى التفاصيل. فعند مرضه لم تكن البلهارسيا هى السبب لأنه لم ينشأ فى الريف. ولكنه شعر بصداع ولأن العقاقير لم توقف هذا الصداع اكتشف بعد ذلك. أن هناك ورماً فى المخ. وقد تم استئصال هذا الورم. ولكن يبدو أنه اكتشفه فى مرحلة متأخرة. ومتقدمة وأن العلاج يمكن أن يهدئ ولكنه لا يستأصل الداء تماماً.


قبل أن يداهمه المرض كان عبد الله قد ضاق ذرعاً بلعبة السينما. فقرر أن ينتج من الأفلام ما يتمكن من أن يقول فيها ما يريد قوله. وأن يبدع فى التمثيل كما يشاء. لم يكن أمامه سوى الإنتاج. وهكذا جمع تحويشة العمر وكان من المفترض أن يتركها لولديه الصغيرين أحمد وعمر. بدلاً من ذلك أنتج فيلم واحد كابتشينو. وكان أمله أن يعرض فى دور العرض. ولكن اللعبة الخاصة بدور العرض منعت عرض الفيلم فى حياته، حيث إن سوق العرض شهد انقلاباً حقيقياً فى السينما المصرية. وكل ما استطاع أن يفعله هو إقامة عرض خاص صغير ومحدود حضره عبد الله محمود وكان فى ظروف صحية شديدة القسوة.


كنت أتصور أنه يمكن تهافت شركات العرض على الفيلم بعد وفاته كنوع من الاستثمار التجارى لها، ولكن هذا لم يحدث. للأسف الشديد.


للذكرى التى نتجرعها كالعلقم كل يوم تقريباً أكتب أن عبد الله محمود ولد فى ٦ ديسمبر ١٩٦٤، ومات فى ٩ يونيو ٢٠٠٥. أى أنه رحل عن عالمنا عن عمر ٤١ عاماً. قبل أحد عشر عاماً مضت. فما أسرع جرى الليالى. وكر الأيام.