الإنسان المصرى.. ماذا فعل فى حرب أكتوبر ٧٣ وماذا فعلت فيه؟

05/10/2016 - 2:18:18

بقلم: لواء. نصر سالم

فى الساعات الأخيرة وقبل آخر ضوء من يوم التاسع والعشرين من شهر أكتوبر عام ١٩٥٦ قامت إسرائيل بإسقاط كتيبة مظلات (٣٩٥ مظلياً) على المدخل الشرقى لممر متلا على مسافة حوالى ٨٠ كم من مدينة السويس ، وقامت بمهاجمة القوات المصرية التى تؤمن المدخل الشرقى للمضيق فى منطقة صدر الحيطان. وكانت تقدر بسرية مشاة لا يتعدى قوامها (١٠٠ فرد)، واستمر الاشتباك بين القوتين طوال ليلة ٢٩/٣٠ أكتوبر، بعد أن لحقت بكتيبة المظلات الإسرائيلية قوة إسرائيلية أخرى تسللت من داخل الأراضى الإسرائيلية عبر منطقة الكنتلا إلى منطقة نخل ثم صدر الحيطان، وكانت هذه القوة تقدر بلواء مشاة مدعم بكتيبة دبابات، بقيادة العقيد/ اريل شارون.


وطبقاً لرواية شارون فى مذكراته فقد استمر القتال ليلة ٢٩/٣٠ ، وطوال يوم ٣٠ أكتوبر ولم تستطع القوات الإسرائيلية اختراق الموقع المصرى فى مدخل ممر متلا وتكبدت قوات شارون عدد (٣٨ قتيلا) . ويروى شارون فى مذكراته أيضا أن القيادة فى إسرائيل وجهت إليه اللوم نتيجة هذا الفشل لأنه لم يتول قيادة قوة الاقتحام بنفسه وبقى خارج المضيق، فكان رده فى غاية السذاجة، وهو أنه علم أن هناك لواء مدرعاً مصرياً تحرك من العريش فى اتجاه المضيق (مضيق متلا) فآثر أن ينتظره على رأس القوة الرئيسية خارج المضيق حتى لا يتمكن اللواء المدرع المصرى من مهاجمته من الخلف وهو داخل المضيق .!


وتعليقى هنا على سذاجة رد (شارون) أنه لم يكن هناك لواء مدرع فى العريش وحتى لو أراد اللواء أن ينسحب فى اتجاه القناة لن يكون ممر متلا أحد خياراته أما عن سير أعمال القتال .. التى أنقذت شارون وباقى القوات الإسرائيلية من هزيمة محققة .. فقد صدر الإنذار الإنجلو فرنسى يوم (٣٠ أكتوبر) يطالب كلا من مصر وإسرائيل بوقف إطلاق النار فورا وانسحاب الجيش المصرى إلى مسافة عشرة كيلومترات غرب القناة والجيش الإسرائيلى إلى مسافة عشرة كيلومترات شرق القناة، مع قبول احتلال القوات البريطانية والفرنسية للمواقع الرئيسية على القناة من أجل تسهيل الملاحة لكل سفن العالم وإلى أن يتم التوصل إلى ترتيبات نهائية .


وجدير بالذكر أن هذا الإنذار بنفس السيناريو، هو ماسبق الاتفاق عليه بين كل من إنجلترا وفرنسا وإسرائيل، قبل العدوان. طبقا لرواية موشيه ديان وزير الدفاع الإسرائيلى وقتها فى مذكراته (قصة حياتى) .


وقد قامت القوات الجوية الإنجليزية والفرنسية بمهاجمة المطارات المصرية صباح يوم ٣١ أكتوبر ودمرت أعداداً كبيرة من الطائرات وبدأت فى إسقاط قوات المظلات فى مطار الجميل فى بورسعيد. وفى نفس التوقيت أبحرت البوارج والمدمرات البريطانية والفرنسية فى إتجاه فى بورسعيد .


ورغم أن الجيش المصرى صدرت إليه الأوامر يوم ٣١ أكتوبر بالإنسحاب من سيناء بعد ظهور نية الأعداء فى عزله فى سيناء والاستيلاء على قناة السويس الأمر الذى قدم سيناء لإسرائيل على طبق من فضة خالية من القوات. إلا أن الجيش الإسرائيلى لم ينس ما لاقاه من القوات المصرية فى صدر الحيطان على المدخل الشرقى لممر متلا، وأذهله ما حققته البحرية المصرية حين انطلق سرب من زوارق الطوربيد المصرية بقيادة البطل المصرى جلال دسوقى بمجابهة الأسطول الأنجلوفرنسى شمال بحيرة البرلس فأغرق أكبر مدمرة فى الأسطول الإنجليزى وأعطب طراد فرنسى وأخرجه من الخدمة .. وأدهش العالم أجمع صمود الشعب المصرى ومقاومته المستميتة فى بورسعيد، فوقف إلى جوار الشعب المصرى ، وانتهى العدوان، وعادت القوات المعادية من حيث أتت وانتصرت مصر.


كل هذه الأحداث كانت ماثلة أمام القيادة الإسرائيلية وهى تخطط لحرب يونيه ٦٧ لتنفيذ خطة (اصطياد الديك الرومى) التى وضعتها الولايات المتحدة الأمريكية للتخلص من الزعيم جمال عبدالناصر .


وكانت القيادة الإسرائيلية تقدر مدى القلق النفسى الذى يشعر به جنودها من خشية مواجهة الجيش المصرى وجنوده ، فأعدت البرامج التى تمحو ذلك الأثر النفسى ، والغريب أن يكون من بين هذه البرامج ترجمة قصة (يوميات نائب فى الأرياف) للكاتب المصرى توفيق الحكيم، إلى اللغة العبرية وتوزيعها على الجنود الإسرائيليين لتقول لهم إن الجندى المصرى الذى ستقاتله ولد وتربى فى هذا المجتمع الفاسد المريض المتخلف كما يؤكد ذلك الكاتب المصرى فى تقديم كل شخصيات روايته ، والأغرب هذه المرة فى يونيه ١٩٦٧ أن يقدم (القائد المصرى السيئ) وقتها سيناء على طبق من ذهب حين يصدر أوامره للجيش المصرى بالإنسحاب من سيناء قبل أن تتمكن إسرائيل من إحداث أى اختراقات ذات قيمة على طول الحدود البالغ طولها (٢٢٠ كم) - ولو ترك الجيش المصرى بدون أمر الانسحاب ، ما استطاع الجيش الإسرائيلى من الاستيلاء على خُمس سيناء وهذه المرة صدق الإسرائيليون أنفسهم ، بأنهم الجيش الذى لا يقهر .


وصدقوا رواية توفيق الحكيم ! أن الشعب المصرى يعانى الفساد والجهل والفقر والمرض. وهذا الجندى من ذاك الشعب .


وعلى الرغم من بعض البطولات التى ظهرت فى ظلام النكسة من بعض القوات والأفراد ، مثل ما قام به اللواء ١٤ مدرع فى معركة جبل لبنى بعد صدور الأمر بالإنسحاب وتدميره للواء مدرع إسرائيلى ، وما قام به أبطال الصاعقة فى معركة رأس العش يوم ـ ١ يوليو ١٩٦٧ والقوات الجوية يومى ١٤ ، ١٥ يوليو ١٩٦٧ وإغراق المدمرة إيلات يوم ٢١ أكتوبر ١٩٦٧ وأعمال عناصر الاستطلاع التي استمرت تعمل في سيناء من يونيه ١٩٦٧ حتى أكتوبر ١٩٧٣.. إلا أن القيادة الإسرائيلية حاولت أن تمحوا ذلك من ذاكرة جنودها ، وكانت كلما وجهت قواتنا لها ضربة موجعة أثناء حرب الاستنزاف وجهت نيران مدافعها وصواريخ طائراتها إلى أهداف مدنية لتقنع نفسها بقدرتها على توجيه ضربات مماثلة لنا مثلما قامت بصب نيران مدافعها ضد معامل تكرير البترول فى الزيتية جنوب مدينة السويس بعد إغراق قواتنا البحرية للمدمرة إيلات الإسرائيلية .. وقصف مدن القناة بعد توجيه نيران مدفعيتنا لمواقعهم وقواتهم وكذا ضرب مدرسة بحر البقر ومصنع أبو زعبل.


وملأت الدنيا ضجيجاً بقدرات خط بارليف المنيع الذى لا تقوى على تدميره إلا القنابل النووية.. وأنها صاحبة اليد الطولى (أقوى قوات جوية) وأن جيشها لا يقهر .


وكانت المفاجأة التى فاجأت الإسرائيليين ولم تفاجئنا .. هى المقاتل المصرى ، الإنسان المصري..


فخط بارليف الذى قال عنه الجنرال (حاييم بارليف) الذى سمى الخط باسمه ، أنه أنشئ بقدرات تسبق قدرة المصريين بخمسين سنة وأن على المصريين أن يعملوا ويطوروا لمدة خمسين سنة حتى يمكنهم التغلب على هذا الخط وأن إسرائيل سوف تستمر فى تطوير هذا الخط لتحافظ على الفارق العلمى والتكنولوجى أى الخمسين سنة بينها وبين المصريين .. فماذا فعل الإنسان المصرى بعقله وإرادته ثم بهمته .. لقد قال للإسرائيليين احتفظوا أنتم بتفوقكم وبالخمسين سنة، واستعار من أجداده المصريين ماكانوا يقومون به منذ خمسة آلاف سنة . واستخدم خراطيم المياه وسلالم الحبال فى التغلب على خط بارليف وبعد ست ساعات فقط لم يكن هناك أى عمل لخط بارليف بعد أن تمكنت قواتنا من اقتحامه وأصبح لنا على الضفة الشرقية للقناة خمس فرق قوامها خمسين ألف جندى .. وتواصلت الملحمة فى اصطياد دبابات العدو والمعدة والجاهزة لتوجيه ضرباتها وهجماتها المضادة ضد قواتنا التى تنجح فى عبور القناة . ليصل معدل تدمير اللواء المدرع الإسرائيلى بأيدى جنودنا عشرين دقيقة/ للواء المدرع .


لقد كانت معدلات الآداء للإنسان المصرى أقرب إلى الخيال. فطاقم الصواريخ المضاد للدبابات له معدل عالمى عبر الحروب السابقة وهو تدمير ٢ : ٣ دبابات فحقق مقاتلونا تدمير ست وعشرين دبابة للطاقم الواحد ولا ننسى الجندى المصرى (عبدالعاطى صائد الدبابات) وغيره من الجنود.


وفى الجو كانت المقارنة النوعية بين الطائرة الفانتوم الإسرائيلية وطائرات الميج ٢١ المصرية ٤ : ١ ، أى أن كل طائرة فانتوم تساوى أربع طائرات ميج ٢١ ، لأن الأولى تستطيع إسقاط طائراتنا على مسافة ١٢.٥ كم باستخدام الصواريخ الموجهة وقتها، فى حين لا تملك الميج ٢١ إلا مدفعا رشاشا مداه لا يزيد عن ستمائة متر فقط كى يحقق إصابة مؤكدة . فحقق طيارونا المعجزة وأسقطوا الفانتوم بطائرات الميج ٢١ ، الميج ١٧ الأقل قدرة بل أسقطنا الفانتوم بإحدى مروحياتنا طراز مى ٨ ، حقق الفرد المصرى فى القوات الخاصة بأسلحته الخفيفة معدلات قتال غير مسبوقة، حين تمكنت سرية صاعقة من إغلاق ممر سدر الجبلى لمدة عشرين يوما ولم تستطع القوات الإسرائيلية بكل قدراتها من فتح الممر حتى وقف إطلاق النار يوم ٢٦ أكتوبر وانسحاب مقاتلينا الذين بقوا على قيد الحياة .


لقد كانت هناك ملاحم أخرى كثيرة.. حققها الإنسان المصرى فى حرب أكتوبر ٧٣ فماذا كان نصيبه من غنائمها.. إن الذى ينطبق على مقاتلينا مقارنة بمن لم يقاتلوا هو ما ينطبق على ما حققته وما استفادت منه الدول البترولية من ثروات نتيجة إرتفاع سعر البترول فى حرب أكتوبر وما بعدها أما - نحن المصريين - فنواجه موجات الغلاء العالمية التى كانت من نصيبنا فى تلك القسمة . ولكن لسان حال المقاتل دائما يردد :


«وللأوطان فى دم كل حر ..


يد سلفت ودين مستحق ..»


ترى ماذا يردد لسان حال .. من امتلأت جيوبهم وبطونهم من جراء هذا النصر ، إن نظرة واحدة إلى تلك الدراما التى تقدم على شاشات السينما والتلفاز وفى الأدب المسموع والمقروء . ليقول لإسرائيل ومن على شاكلتها لم تعودوا فى حاجة إلى ترجمة (يوميات نائب فى الأرياف) فإن رواد مدرسة الواقعية فى مصر جعلوا من الإنسان المصرى سُبة فى سلوكه وشرفه وحياته .. جعلونا أقل الأمم ، ومن يقول لهم «هذا عيب» يصبح عدوا للإبداع ومتخلفاً ومخالفاً للدستور .