كنت هناك تجرعت مرارة النكسة وذقت حلاوة النصر

05/10/2016 - 2:15:40

بقلم - رجائى عطية

قُيِّض لى أن أعيش حرب رمضان / أكتوبر ١٩٧٣، وأن أحضر من قبلها انكسارة يونيه ١٩٦٧، وما سبق وأعقب هذه الهزيمة المرّة من تداعياتها،
وأن أكون شاهدًا متابعًا على الأعمال العظيمة، التى أُدّيت واستردت بها مصر
نفسها، وحققت نصرها، ورفعت الوصمة التى ظلت تضنينا منذ يونيه ١٩٦٧، حتى رمضان / أكتوبر ١٩٧٣.


كان من نصيبى، أو من حظى، أن تواصْلَتْ فترة تجنيدى بالقوات المسلحة فى سبتمبر ١٩٥٩ بعد حصولى على إجازة الحقوق من جامعة القاهرة، تواصلًا مستمرًّا موصولًا داخل صفوف جيشنا المصرى لسنوات ناهزت العشرين عامًا، فقد التحقت بالكلية الحربية ضمن دفعة الجامعيين فى أول الستينيات، لأتخرج فيها ضابطًا عاملًا نائبًا للأحكام بالقضاء العسكرى.


كان النظام يوجب آنذاك أن نبدأ خدمتنا بالتشكيلات الميدانية قبل الانخراط فى الأعمال القضائية، وفى الكتيبة الثانية للمشاة بالعامرية، بدأت خدمتى قائدًا لفصيلة ثم لسرية مشاة، بحكم الأقدمية المضافة إلينا حسب تاريخ حصولنا على التوجيهية التى صار مسمّاها بعد ذلك الثانوية العامة، وكان النظام يقتضى أن نتأهل بالفرق العسكرية، وفى مدرسة المشاة تخرجت بتفوق فى مقدمة الفرقة الأساسية لضباط المشاة، وتواصلت من بعدها مع امتحان الترقى الذى كان يوجبه النظام للترقى إلى الرتبة الأعلى، فأُتيح لى أن أدرس علوم وفنون العسكرية، ما بين الأسلحة بأنواعها، وما بين التكتيك وباقة العلوم اللازمة له، ودفعتنى هواية القراءة إلى الاستزادة من العلوم العسكرية والإستراتيجية، من واقع الكتب المتميزة المختارة التى كانت توزعها علينا ـ مجانًاـ إدارة التوجيه المعنوى لرفع مستوى تأهيل وعلم وكفاءة وخبرات الضباط.


لم أكن مضطرًّا لهذا التوسع بحكم تخصصى القضائى، ولكنى كنت محبًّا للمعرفة، شغوفًا بها، واقترن ذلك بالخبرات التى طفقت تتراكم على مرّ السنين من عملى القضائى بالتحقيقات والمحاكمات ومراجعة الأحكام والنظر ـ بعد أن تمرست ـ فيما عساه يقدم فى النعى عليها من طعون، على غرار ما يجرى ـ مع الفارق ـ بمحكمة النقض، وأتاحت لى هذه الخبرات العملية أن ألمَّ إلمامًا واسعًا وعميقًا بأحوال القوات المسلحة، وامتد ذلك إلى ما صادف القوات باليمن من مشكلات متنوعة، بدأت منذ دُفع بها هناك ـ بغير موجب ـ من سبتمبر ١٩٦٢، وظل وجودها هناك موصولًا إلى ما بعد نكسة ١٩٦٧، حتى عادت فى أعقابها إلى أرض الوطن، وكانت تشكل معظم عصب القوات الميدانية الضاربة، بيد أن الاندفاع إلى يونيو ١٩٦٧، لم يتفطن إلى مخاطر الاشتباك الحربى المحتمل، بينما رمانة ميزان القوات الرئيسية هناك بعيدًا باليمن!


لم أكن مستبشرًا!


لم أكن مستبشرًا من التلاحق والحشود ـ العددية ـ التى دُفع بها بغير إعداد وتجهيز إلى سيناء فى مايو ١٩٦٧، وكنت على علمٍ من واقع المعايشة بحقيقة الأحوال، وبأن هذه القرارات المتسرعة المتلاحقة لم تضع القوات المسلحة فى الوضع المناسب، ليس فقط لغياب القوات القتالية الرئيسية فى اليمن، وإنما أيضًا لأوضاع رانت وتسببت فى سلبيات لا أحب الآن اجترارها، وكان ذلك كله يورى بنُذرٍ غير طيبة، غير أنها غابت وسط الهدير الذى انطلق على موجات الأثير، حتى ظن المتابعون للإذاعة أننا على أعتاب القدس لرد الأذان الحبيس إلى كافة ربوعها!


الصدمة!


حين انكشف الغطاء، كانت الصدمة قاسية ومرّة، وتداعياتها بالغة الخطر على مصير البلاد، لولا أن تماسك الشعب وانتفض رافضًا الاستسلام للهزيمة، ومطالبًا
عبد الناصر أن يستمر فى موقعه ليستأنف النضال للخروج بمصر من هذه المحنة.


كان وقْع الصدمة والإحساس بها ـ أكبر وأشد وأعمق فيما بيننا نحن رجال القوات المسلحة، ولازلت أتذكر ولم أكن أمتلك سيارة فى ذلك الوقت، كيف كنت أتحاشى الإفصاح عن هويتى العسكرية فى المواصلات العامة، وأشترى تذكرة كاملة فى القطارات والحافلات، مع أنى كنت فى أشد الحاجة آنذاك لفارق النصف أجرة المقرر لنا. وبرغم الأعمال الكبار التى أُدِّيت والمهام العظمى التى كانت تُنجز تباعًا، لم نستطع أن نفارق إحساسنا بوجيعة هذه الصدمة الهائلة وآثارها العميقة فى نفوسنا!


الأعمال الضخمة


التى أُنجزت


خرج العمل الوطنى من النكسة بميلاد جديد، فانطلق على جميع الأصعدة، مقدمًا مقتضيات معركة الثأر المرتقبة على ما عداها، فما أُخِذ بالقوة لن يُسترَد بغير القوة، ولا اعتبار يعلو على اعتبارات الإعداد لهذه المعركة الواجبة المرتقبة. إعادة الضبط والربط وتنظيم القوات، ومسابقة الزمن لجبر الأضرار والاستعواض، ومتابعة التسليح ودعم القوات البرية والجوية والبحرية بأسلحة أكثر كفاءة وتطورًا، والارتفاع بمستوى الجندى من خلال التوسع فى الاستعانة بذوى المؤهلات العليا، والارتفاع بمستوى التأهيل والتدريب، مع عودة قواتنا فى اليمن إلى مواقعها الواجبة فى قلب الوطن، وتهيئة الأرض للعمليات المنتظرة على ضفتى القناة، واستكمال الدشم والمواقع الحصينة للطائرات والمدفعية والقوات المدرعة والمشاة.


عبد الناصر الغائب الحاضر


من الإنصاف للتاريخ، ولعبد الناصر، أن نذكر أن عبد الناصر بذل جهودًا هائلة فور النكسة، ولم يسلم الراية منكسةً للسادات، ولن ينسى له التاريخ شموخه وصلابته فى مواجهة الانكسارة، وما تلاها من شروخ واضطرابات بالداخل، وكيف واجه المحنة بعزم وصلابة وقوة، فأدى أعظم أداء له فى السنوات الثلاث الأخيرة قبل أن يفارق.. أعاد ترتيب «البيت»، واستخرج من المحنة قوة عربية بدأت معطياتها بمؤتمر قمة الخرطوم ولاءاته ومساعداته، واستخلص القوات المصرية المسلحة المعلقة فى اليمن ليستكمل الحشد على جبهة القتال التى صمدت وانتقلت من الصمود إلى الاستنزاف ومن الاستنزاف إلى الردع، فى ظل قيادة واعية ردت إلى الجيش نظامه، وهيأت له استكمال تسليحه وتأهبه وتطوير صفوفه ومعداته.


وصف الرجل القيمة حافظ إسماعيل: العسكرى الفذ ورئيس المخابرات العامة بعد النكسة ثم مستشار الأمن القومى فيما بعد ـ وصف انطباعاته فى الأيام المائة الأخيرة التى اقترب فيها جدًّا من عبد الناصر قبل رحيله، فكتب يقول بكتابه أمن مصر القومى فى عصر التحديات « كان عبد الناصر فى هذه الأيام ـ رغم مرضه ـ قادرًا على أن يملأ الدنيا من حولنا، وكان إيقاع الحياة معه سريعًا لا يفتر، متصلًا دون توقف. وكان علينا أن نستجيب لكل إشارة منه، ولكل توجيه يصدره، أو رغبة يعرب عنها. كان يحمل المسئولية ـ كل المسئوليةـ التى طالبناه منذ ثلاثة أعوام أن يتحملها.. كان يخوض المعركة التى وهب نفسه لها، حتى لتبدو الساعات أحيانًا قاصرةً عن أن تتسع لإرضاء ما يأمل أن يحققه. ولقد رأيته فى منتصف أغسطس فى استراحته بالمعمورة حيث أصدر لنا توجيهاته للتصدى للقوى السياسية المعارضة للسياسة المصرية. وبدا لى يومها منهكًا حتى أننى لم أملك إلا أن أهمس فى أذنه فى نهاية المؤتمر أن يراعى صحته ».


حتى إذا ما قطعت عليه الطريق أحداث أيلول الأسود بتداعياتها ونذرها، هَبَّ فى صلابة وعزم الرجال ليدعو لمؤتمر القمة العاجل فى القاهرة، ويقيم إلى جوار مكان انعقاده لدفع مسيرته إزاء الصعاب المتراكمة.. عنها يقول حافظ إسماعيل فى كتابه: «وخلال أيام مؤتمر القمة العربى رأيته فى جناحه الخاص يعتصره الإرهاق والتعب. وعندما دعانى للعشاء لاحظت كيف كان يتحرك فى بطء، وكيف كان يأكل بمعاناة. ومع ذلك فقد ظل طيلة المؤتمر شامخ القامة مرتفع الرأس، محافظًا على توقد الروح وقدرات المبادرة والإبداع، وصفاء الذهن والفكر والمهارة السياسية التى قاد بها سفينة المؤتمر وسط الأنواء والتهديدات والابتزاز! وفى النهاية أبى أن يموت قبل أن يرتب «بيته» والبيت العربى، أو أن يرحل قبل أن يعيد الاستقرار ويدعم الصلابة».


أوقف عبد الناصر نزيف الدماء الجارى، واستخلص «أبو عمار» من الحصار، وأبى الزعيم إلا أن يكون الإنجاز وعبور الأزمة، هو يوم وداعه وأعلامه مرفوعة، فيصمم على توديع كل ملك ورئيس وأمير بالمطار، وإلاّ أن يصاحب أمير الكويت آخر الموَدَّعين إلى طائرته رغم ضغط الإرهاق ونذر المرض، حتى لم يعد قادرًا على العودة إلى سيارته، ولتفيض روحه إلى بارئها بعد دقائق من وصوله إلى داره الذى لم يغيره منذ كان برتبة البكباشى بالقوات المسلحة، فيلقى ربه وقد أدى واجب الزعامة حتى اللحظة الأخيرة فى صلابة وقوة، وعزم وتصميم، وليبقى هذا المشهد الأخير دالًا فى صفحات التاريخ على جدارة الزعيم بما استحقه من احترام ومحبة وحياة فى القلوب.. مات عبد الناصر ولكنه بدا أكثر حياةً فى قلوب الملايين.


السادات يحمل الراية


ويواصل النضال


من الإنصاف للسادات أنه وقد استلم الراية ـ استأنف النضال والاستعداد فى صبر وإصرار رغم ظروف كثيرة معاكسة، بلغت حد المناوأة، ومعارضته حتى فى نواياه، ولكنه صمد وثابر وجاهد وواصل إتمام الرسالة، واستكمال الاستعدادات الحربية، فرأينا الأشغال العسكرية وسلاح المهندسين يسابقان الزمن لمد شبكة طرق واسعة، وتمهيد الطرق والدروب الموجودة، وإقامة الجسور المرئية والمخفاة لنصف متر تحت سطح ماء الترع والجداول وروافد النهر، حتى لا ترصدها الطائرات وأجهزة الرصد المعادية، وشهدت شبكة الاتصالات جهودًا ضخمة للارتفاع بمستوى كفاءتها لتلبية احتياجات معركة التحرير المرتقبة.


كنت شاهد عيان على جهود هائلة بذلت لإعادة بناء جدار الثقة، وإعادة التسليح رغم معوقات كثيرة وظروف عالمية معاكسة، لاستكمال الفاقد فى حرب يونيو / حزيران ١٩٦٧، والإمداد بتعزيزات كمية ونوعية تلاحق آلة الحرب الإسرائيلية التى تواليها الولايات المتحدة الأمريكية بكل جديد من الترسانة الأمريكية، وفى سخاءٍ سخى لا يكلف الميزانية الإسرائيلية شيئًا!


كنت أتابع مع غيرى ـ فى إعجاب وثقة ـ هذه الجهود المضنية الرائعة التى تحاول انتشال الإرادة والفعل المصرى من وهدةٍ غائرةٍ وقعا فيها.. كانت المهام المطلوبة عريضة ضخمة، ما بين بناء قواعد الدفاع الجوى فى العمق لحماية السمـاء والمرافـق المصرية مـن الطائـرات المغيرة، وعلى الضفة الغربية للقناة لتغطية الطيران المصرى فى الاشتباكات المتوقعة فى الأراضى الصحراوية تحت سماء مكشوفة تكون فيها السيادة للقوات الجوية.. وما بين استكمال شبكة كبيرة من المهابط والممرات ودشم منيعة للطائرات تعطيها حرية الاختيار والبدائل فى الإقلاع والهبوط، وتحقق لها الأمان تحت سواتر الدشم الحصينة، وتخفيها أيضًا عن عيون الأرصاد.. على حجم النكسة ـ على قدر ما انتفضت العزائم لتعيد الإمساك بالزمام، وتحفظ لمصر حاضرها ومستقبلها، لا يقعدها ما تلاقيه من مصاعب وضائقات اقتصادية خانقة، وما تصادفه من مصاعب أكبر فى تدبير السلاح وتنويع مصادره وعقد وتنفيذ اتفاقياته، فضلا عن مهام تفعيل وتكريس وزيادة الإنتاج الحربى المتاح على الأرض المصرية، ومغالبة ما كشفت عنه حرب يونيو / حزيران من فروق فى السلاح تستوجب العلاج والتدارك لتقنيّات الأسلحة الروسية إزاء ما كانت الترسانة الأمريكية تتيحه لإسرائيل من أسلحة متطورة لم تستخدمها القوات الأمريكية ذاتها!


مقاومة العوائق الطبيعية


والعقبات المصطنعة!


توازى مع المعركة العسكرية، معركة سياسية كبيرة ومتشعبة، خاضتها مصر عبر سنوات، لمواجهة حواجز وعقبات استطاعت مصر أن تجاوزها واستخلصت إرادتها، ورتبت الأوضاع لتتيح لجيشها الباسل أن ينجز مهمته المقدسة، وأن يخوض حربه حاملًا آمال مصر ومستقبلها فى صفحة وجدانه.


لم يكن هذا الطريق الشاق مفروشًا بالورود، بل كان حافلًا بالعوائق الطبيعية والعقبات المصطنعة، لإعاقة التسليح ومستلزماته من ناحية، ومصادرة حق مصر فى الحركة والتضييق عليها ومنعها من ممارسة حقوقها فى تحرير أراضيها.


وقد أتيح لى لاحقًا، الإطلاع ودراسة مذكرات معظم القادة العسكريين الكبار الذين أعدوا القوات والميدان ومصر للحرب، وللساسة الذين قاموا بأدوار مؤثرة فى إدارة الصراع فى الميدان السياسى، وأتيح لى أن أدرس بإمعان بل وأكتب عن « حافظ إسماعيل » العسكرى الفذ ومستشار الأمن القومى الذى شارك فى الإعداد وفى إدارة حرب ١٩٧٣، وأفرغ تجربته الطويلة فى كتابه الرائع «أمن مصر القومى فى عصر التحديات»، وهو الكتاب الوحيد الذى جمع بين الجانبين العسكرى والسياسى، باعتبار الحرب والأمن القومى بعامة، محصلة التفاعل والتساند بين المحورين، تستخدم فيه كل أدوات الصراع العسكرية والسياسية.


ومن يونيو ١٩٦٧، وتقام العراقيل، وتتبنى إقامتها الولايات المتحدة ومن يجرى مجراها ويدور فى فلكها، فوجدنا قرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢ يتحدث عن «أراضٍ محتلة» لا عن «الأراضى المحتلة»، وهو حذف مقصود لأداة التعريف لا يفوت مغزاه، وتواصلت العراقيل ولم تتوقف حتى ٦ أكتوبر ١٩٧٣، فرأينا سعى الولايات المتحدة لعرقلة دفع فرنسا / ديجول لعملية السلام، ومبادرات الولايات المتحدة لكسب الوقت لإسرائيل لا للحل، وقيام السادات فى مارس ١٩٧١ ببداية ولايته، بزيارة الإتحاد السوفييتى للتنسيق وتجاوز الأزمات وطلب تزويد مصر بطائرات الردع واستكمال الذخائر وحاجات الدفاع الجوى.


وزادت وتيرة العراقيل والعقبات، الخارجية والداخلية، حين أعلن السادات فى خطابه ١٦ سبتمبر ١٩٧١، أن هذا العام هو عام الحسم أن قتالًا أو سلمًا، فسارعت الولايات المتحدة للمحاصرة والتمويه بزيارة «بيرجس» إلى القاهرة فى ٧ أكتوبر ١٩٧١ باقتراح أمريكى باتفاقية لفتح قناة السويس ووقف إطلاق النار ستة أشهر، وعبور قواتنا مع ترتيبات للأمم المتحدة ودور أمريكى.


وأمام تعقد الموقف وزيادة العراقيل، عاود السادات زيارة الإتحاد السوفييتى ما بين ١١ و١٣ أكتوبر لإزالة شكوك السوفييت بالنسبة للوضع الداخلى إزاء مجموعة مايو ١٩٧١، والتأكيد على وجوب إمداد مصر بكميات ونوعيات ممتازة من التسلح، فضلا عن الطائرات تى يو ١٦ القاذفة المسلحة بصواريخ مداها ١٥٠ كم وطائرات الميج ٢١ وصواريخ سام ٦ للدفاع الجوى، والمدفعية ومعدات العبور، ثم ما اقتضته الأوضاع الداخلية من إجراء عدة تعديلات، والموازنة بين رأيين عسكريين عن نطاق ومدى مهمة العمليات الحربية المرتقبة.


وكان من العراقيل المصطنعة، أنه حين أزمع السادات زيارة الإتحاد السوفييتى فى
٣ و٤ فبراير لحسم الأمور، سارعت الولايات المتحدة لاصطناع إمكانية الوصول إلى تسوية سياسية، والقصد هو إثناء السوفييت عن الاستجابة لمطالب مصر فى التسليح لبداية عمليات التحرير.


ومع أن الالتفاف بلغ حد وصول برقية لبريجينيف من واشنطن أثناء اجتماعه بالسادات، بإعلان إسرائيل استعدادها للدخول فى مباحثات عن قرب، وترحيب الولايات المتحدة، إلا أن مصر تجاوزت هذا الاحتيال المقصود به إثناء السوفييت، وطرحت مصر احتياجات العمل العسكرى المحدود من القاذفات المقاتلة فى العمق، والدبابات الحديثة طراز ت ٦٢، ودعم جهاز الحرب الإلكترونية، وتصنيع السلاح داخل إطار الاتحاد الثلاثى العربى، وطلب عاجل باستكمال احتياجات مصر من الذخائر مع الاستعداد لسداد ثمنها بالعملة الصعبة.


وأوضحت مصر فيما أوضحت، أن الطيارين المصريين والليبيين يتدربون فى القواعد الليبية على طائرات الميراج الفرنسية، وأنه يلزم القيام بالعمليات قبل نهاية ١٩٧٢ حتى لا يتجمد الموقف، واتفق السوفييت مع مصر على أن ما تطرحه الولايات المتحدة من مشروعات تسوية مرحلية، إنما هو للتسويف ولتضليل العالم العربى.


ووسط هذه الجهود الشاقة المتتالية، هبت رياح معاكسة، ليس الآن أوان مناقشتها، وإن كان رد فعل السوفييت قد جاء صادمًا، فقد أبلغ وزير الدفاع جريتشكو سفيرنا يحيى عبد القادر ـ بأنهم لا يستطيعون بيع الطائرة إم ٥٠٠ إلينا، وأنهم وافقوا فقط على شحن طائرات تى يو ٢٢ التى يعتبرونها جيدة، أما الدبابة ت ٦٢ فلم يرسل السوفييت منها سوى عشر دبابات مع وعد باستكمال الصفقة.


وتفاقم الموقف بما دعا السوفييت فى أبريل ١٩٧٢ ـ إلى طلب زيارة «حافظ إسماعيل» عاجلا لموسكو، فيما بدا انعكاسًا لقلق السوفييت ورغبتهم فى تجنب حدوث شرخ فى موقفهم التفاوضى فى القمة السوفييتية الأمريكية المرتقبة آنذاك.


وجاءت الزيارة فيما يروى حافظ إسماعيل مثقلة بالهموم، وعرض بريجينيف فى الاجتماع الثانى ما يمكن للسوفييت إمدادنا به من الطائرات السوخوى والصواريخ التقليدية، ثم حصلت عكارة فى الطريق بتفتيش الخبراء السوفييت بمطار القاهرة فى طريق عودتهم لبلادهم فيما ظهر أنه كان بتوجيه من الفريق صادق!


دعنا الآن من هذه الحكاية، فلها وقتها، وانتهت السحابة بتعيين أحمد إسماعيل وزيرًا للحربية وقائدًا عامًّا،والحق أنه تعاون مع حافظ إسماعيل تعاونًا مستمرًّا للتنسيق بين الإعداد للحرب والسياسة، وكثفت مصر اتصالاتها الدولية للتمهيد للحرب، بزيارات لكل من الرئيس اليوغوسلافى جوزيف بروز تيتو، واتصالات بالاتحاد السوفييتى، ومع رومانيا، وزيارة حافظ إسماعيل لموسكو، وزيارته بريطانيا بدعوة منها، وانتهت المباحثات مع كيسنجر إلى حصاد الهشيم، بينما كان العمل فى مصر على قد وساق لإعدادها للحرب، وجرت المفاضلة بين توقيتات ثلاثة للعمل العسكرى، وإن ظل القرار المتفق عليه خافيًا لم يعلم به أحد، مما ساعد على تحقيق المفاجأة التكتيكية بل والاستراتيجية.


وهكذا، فيما يبدى حافظ إسماعيل بكتابه الضافى، صار واضحًا مع نهاية صيف ١٩٧٣ أن المعركة العسكرية باتت حتمية، للقوات المسلحة، وللشعب، ولأجيالنا القادمة. وكان أن ساد الهدوء جبهة عملياتنا السياسية خلال سبتمبر ١٩٧٣، ولكنه كان الهدوء الذى يسبق العاصفة!


المفاجأة التى أذهلت العالم


وفاجأتنا حتى فى القوات المسلحة!


كنت أحمـل كل هـذا فـى صفحة وجدانى وأنا أمارس يـوم عمـل عادى بإدارة المحاكم العسكرية يوم ٦ أكتوبر١٩٧٣ الموافق ١٠ رمضان.. كنا نطوى القلوب على جراح من نكسة ١٩٦٧ لم تندمل.. لم أتوقع كما لم يتوقع غيرى، أن هـذا اليوم هـو اليوم الموعود لانفجار معركة استرداد الكرامة الجريحة.. حتى الساعة الثانية ظهرا لم يكن اليوم يعنى بالنسبة لنا سوى أنه يوم عمل عادى من أيام شهر أكتوبر يوافق العاشر من رمضان، ولم أكن أعرف ولا عرف غيرى أنه قد حل بحلوله ميعاد استيفاء الحق، وأن هذا اليوم هو يوم فارق يتوج جهودًا رائعة نجحت معها القوات المسلحة فـى إخفـاء هدفهـا التكتيكى بل والاستراتيجى إخفاءً تامًا حتى فوجئنا كما فوجئ العالم كله والقوات الإسرائيلية المحتلة ذاتها، بسماع بيان الهجمة الجوية الأولى على موجات الإذاعة المصرية ليتبعها دور القصف الصاروخى والمدفعى الذى هيأ للقوات البرية ـ وتحت الغطاء الجوى ـ عبور قناة السويس واجتياح تحصينات خط بارليف التى اندكت وتهاوت مع سقوطه الإرادة الإسرائيلية وأسطورة جيشها الذى لا يقهر، واستعادت القوات المصرية روحها وكرامتها وهى تخطو عبر القنال إلى التراب المصرى الذى ظل تحت الاحتلال البغيض ستة أعوام!


لم يكن العبور يومها محض عبور لقناة السويس، وإنما عبرت مصر كلها من هزيمة طالت كل شىء، عاينتها بنفسى وأنا أطالع ـ بحكم موقعى القضائى ـ قضايا
النكسة وجوانب دفينة أخذت القوات المسلحة وأخذت مصر بعيدًا عن آمال عريضة نبتت وتجمعت وتصاعدت مع الثورة، ثم انفثأت انفثاءً مرًّا جارحًا وموجعا مع هزيمة
يونيو ١٩٦٧!!


فى السادس من أكتوبر الذى وافق العاشر من رمضان، انتفضت مصر من مرارة الانكسار والنكسة، إلى حلاوة نصر توج جهودًا مضنية وعظيمة بدأها عبد الناصر فور النكسة لترميم وإعادة بناء وتسليح القوات المسلحة، وقطع فيها شوطا بعيدا قبل أن يلاقى ربه فى سبتمبر ١٩٧٠، ليستكملها الرئيس السادات فى شجاعة وصبر.. حمل هذه المرحلة معهما قادة كبار وضباط عظام وصف ضباط وجنود بواسل بذلوا الجهد والعرق والدماء، وقاموا بأعمال أقرب إلى الخيال، هيأوا بها أرض العمليات المنتظرة على ضفتى القناة، واستكملوا كافة الاستعدادات والتجهيزات ومهام التسليح والتدريب والحشد والتنظيم، وردوا للعسكرية المصرية ولمصر شرفهما واعتبارهما.


لا يمكن لأحد أن يتخيل حجم ما جرى، إلا إذا قيض له فى ذلك الأوان مشاهدة ومعاينة تحصينات خط بارليف التى سقطت فى أيدى القوات المصرية. كنت هناك ضمن تشكيل محكمـةٍ عسكريـةٍ عليا تعقـد جلساتهـا ما بين «أبوحماد» و«الإسماعيلية»، وانْتَقَلَت بعد العبور إلى قيادة الجيش الثانى فى الإسماعيلية.. رأيت بعينى آثار الصفحات الرائعة التى سجلها المقاتل المصرى، وشاهدت وعاينت من الخارج ومن الداخل التحصينات الرهيبة لدشم خط بارليف التى اجتاحتها القوات المصرية فى بطولةٍ ملحمية.. يومها وقفت مبهورًا متهدج الأنفاس، ينثال منى دمع سخين يغسل أتراحًا تجمعت على مدار سنوات، ويوارى الانكسار الذى كان، ويفتح القلب والصدر والوجدان لاستقبال هذه النسمات الجديدة التى هبت، ومعها ترحمات على أبطال شهداء امتزجت دماؤهم بمياه القناة وروت رمال الصحراء فى سيناء.. يملؤنى الرضا والإعجاب والإكبار لكل من كتبوا سطور هذه الملحمة، وأعادوا الحياة للإرادة المصرية، وطهروا أرضنا من دنس الاحتلال، واجتازوا بنا حاجزًا رهيبًا جَرَّعنا الهوان لسنوات، وردّوا إلينا الكرامة والثقة.. أذكرهم وأذكر معهم كثيرًا من البسطاء الذين بذلوا وضحوا بأرواحهم فى صمت ووقار، فحققوا معجزةً
ملحميةً، واجتازوا بنا المحال، وأعادوا الروح والدماء إلى الشرايين التى جفت، ووهبوا
لنا الحياة!