عن الصاعقة.. وفريق العقول!

05/10/2016 - 2:12:17

بقلم: حمدى الكنيسى

لأننى علمت من موقعى كمراسل حربى للإذاعة تفاصيل مثيرة مبهرة عن العمليات الرائعة التى قام بها رجال الصاعقة أثناء حرب الاستنزاف ثم حرب أكتوبر.


قررت أن يكون مقالى اليوم عن بعضهم كنماذج للشجاعة والإقدام فى الالتحام المباشر مع جنود العدو ودباباته ومدرعاته.


واتجه فكرى إلى الكتابة عن مجموعات معينة منهم، تم تكليفها بمهام شبه انتحارية حيث قامت طائرات الهليوكوبتر بإبرارهم فى عمق سيناء ليقوموا بعمل “كمائن” تتولى منع قوات العدو من التقدم غرباً لإيقاف إنطلاق قواتنا لتعبر القناة، وتقتحم حصون خط بارليف، وبالفعل نجحوا فى إعاقة الألوية المدرعة للعدو عن التقدم، ودمروا الكثير من دباباتهم، وقد أذعت فى برنامجى “صوت المعركة” فحوى رسالة استغاثة أطلقها قائد لواء مدرع التقطتها قواتنا وهو يصرخ منهاراً قائلاً: إنها ليست أشجاراً.. إنها تتحرك.. إنهم الكوماندوز المصريون الذين انهالت قذائفهم وصواريخهم علينا حتى اضطررت للتراجع بما تبقى من دباباتنا ومدرعاتنا”.


وهكذا توالت العمليات الناجحة لأبطال هذه المجموعات من خلال الكمائن التى أقاموها فى “وادى بلبع” و “وادى فيران” وصدر الحيطان “مضيق سدر” وغيرها من الكمائن التى بثت الرعب فى قوات الجيش الذين قالوا إنه لا يقهر وألحقت بهم خسائر ضخمة رغم عدم التكافؤ، لأن رجالنا مجرد أفراد بأسلحة صغيرة، فى مواجهة دبابات وطائرات العدو.


وحيث إنه يضيق المقام عن استعراض قصص كل أبطال هذه الكمائن، قلت لنفسى: إذن أكتب عمن ظلوا خلف خطوط العدو “٢٠٠ يوم” مثل النقيب “آنذاك” عبدالحميد خليف، والنقيب “آنذاك” مجدى شحاتة ومن تبقى من أفراد مجموعتهم، خاصة أننى كنت قد أذعت نجاح مجموعة “مجدى شحاتة” فى تدمير أتوبيس كان يقل ١٢ ملاحاً وطياراً إسرائيلىاً وتدمير ثلاث مدرعات كانت تتقدم ذلك الأتوبيس، لكننى سرعان ما تراجعت عن تلك الفكرة لأننى وجدت أن الأمانة العلمية تقتضى أن أكتب أيضاً عن أبطال آخرين لتلك الكمائن مثل “محمود عباس” و “حازق طوب صنال” و “محمود زكى برادة” و “عمرو بيومى” و “محمد حسين” وأسد الصحراء “سيد زكريا”، و “حسين مسعود” “الذى صار بعد ذلك وزيراً للطيران”.


بل إننى وجدت أنه من المنطقى أن أكتب أيضاً عن الذين كانت لهم مهام أخرى “غير الكمائن” مثل معتز الشرقاوى وأحمد رجائى عطية، ومحيى نوح، وعصام الدالى ووسام حافظ، وإسلام توفيق.. وغيرهم.


ثم كيف لا أكتب عن قيادات رائدة كالأسطورة إبراهيم الرفاعى، ومصطفى كامل، ونبيل شكرى، وأحمد شوقى.. وغيرهم!!.


وهكذا وجدت أنه من المنطقى جداً أن ألقى بالكرة، فى ملعب إدارة “التوجيه المعنوى” لتولى عمل مسلسلات وأفلام عن هؤلاء الأبطال وغيرهم من الأسلحة المختلفة الذين كانوا ومازالوا من الملامح الرائعة لانتصار أكتوبر والذين يستحقون أن تقام لهم التماثيل!!.


وهكذا أتجه الآن بقلمى إلى جانب واحد من حرب أكتوبر، جانب له أهميته القصوى.. وهو “معركة العقول” التى انتصر فيها قادة قواتنا المسلحة فى خداع وتضليل العدو، حتى إن أحدث تقارير أشهر مخابرات عالمية السى آى ايه” يقول: إن المخابرات الأمريكية فشلت فى التنبؤ بالحرب، بما يعنى أن حرب أكتوبر مثلت أحد أكبر الإخفاقات فى تاريخ واحد من أهم وأكبر أجهزة الاستخبارات فى العالم، فعلى مدار الأيام التى سبقت الحرب فى الوقت الذى كان فيه الجانبان “المصرى والسورى” يعدان الترتيبات الأخيرة لشن الحرب، خلت التقارير اليومية للجهاز الاستخباراتى الضخم من أى رصد لما يحدث على الأرض، والأنكى أنه وحتى ساعات قليلة ربما دقائق من بدء الهجوم المصرى - السورى المشترك فى سيناء وهضبة الجولان كانت التقارير تبث رسائل طمأنة للرئيس الأمريكى مستبعدة تماماً اندلاع أية أعمال عدائية خاصة من الجانبين المصرى والسورى.


تلك أحدث شهادة من جهاز المخابرات الأمريكية بنجاح فريق العقول المصرى فى إحدى مراحل معركة العقول مع الجانبين الإسرائيلى والأمريكى لكننا نظلم كثيراً فريقنا المتوهج ذكاءً وفكراً.. إذا ما تصورنا أن عملية الخداع والتضليل تمثل كل معركة العقول، إذ إنها مجرد فصل من فصول هذه المعركة.. كما توضحه الحقائق التالية، التى تبرز ثلاثة مراحل فقط من تلك المعركة الرهيبة.


حددت القيادة المصرية الهدف العسكرى بالعمل على هزيمة قوات العدو وتكبيدها خسائر فادحة، والاستيلاء على مناطق ذات أهمية استراتيجية تهيئ الظروف المناسبة لفرض الحل السياسى العادل للقضية وتمت دراسة الإستراتيجية العسكرية الاسرائيلية بكل جوانبها وأسسها وهى: أ- العمل على نقل المعارك باستمرار خارج إسرائيل وإبعادها عن العمق الإسرائيلى.


ب- عدم التنازل عن أى شبر من الأراضى التى تم احتلالها


ج- تجنب الخسائر الكبيرة فى الأرواح حفاظاً عن القوة البشرية المحدودة.


كيفية التغلب على المانع المائى.


أ- تم تحديد أصلح الأماكن لإقامة المعابر بعد دراسة درجات الميل والانحدار فى قناة السويس وكذا نوع التربة.


ب- تحديد أصلح أوقات العبور بالشهر واليوم بل وبتحديد الساعات بما يتفق مع حركة المد والجزر ومنسوب المياه.


ج- تحديد ساعة عبور المشاة بأن تكون فى الثانية وعشرين دقيقة بعد أن توجه القوات الجوية ضربتها الشاملة، وبعد التمهيد النيرانى بالمدفعية، ومعنى ذلك أن الموجات الأولى من المشاة ستعبر قبل أن يستعيد الطيران الإسرائيلى توازنه ويتصدى لهذه الموجات، كما أن فاعلية الطيران المعادى تقل أو تنعدم بعد الساعات القليلة المتبقية من النهار كذلك كان تحديد ساعة العبور مرتبطا باتجاه الشمس حيث تكون أشعتها فى وجه قوات العدو أثناء عبور قواتنا.


د- استكمالا لنفس الخطة تم إبرار وحدات من قوات الصاعقة داخل عمق العدو لتعطيل مدرعاته التى تنجو من قصف المدفعية وقذف الطائرات عن الانطلاق لإيقاف عملية العبور ومساندة قوات خط بارليف “وهذا ما تم تنفيذه كما ذكرت من قبل”.


هـ - ركزت الخطة على أن يعبر القادة مع الموجات الأولى من جنودهم للسيطرة المباشرة وإدارة المعركة من واقع تطورات الأحداث، إلى جانب ما يحققه ذلك من التأثير المعنوى الهائل عندما يرى الجنود قادتهم بينهم وأمامهم.


كيفية التعامل مع السلاح السرى الإسرائيلى:


بعد أن اكتشفنا خطة إسرائيل لتحويل القناة إلى نار جهنم تحرق جنودنا لو قاموا بالعبور، وذلك من “مواسير النابالم” أسفل سطح المياه لتدفع بقوة نيراناً رهيبة تحرق حتى الأسماك فى قاع القناة خططت القيادة المصرية لاستطلاع تجهيزات العدو الخاصة بمواد النابالم وغيرها والتى كانت موجودة فى خزانات كبيرة مدفونة تحت الأرض وتتصل بها المواسير التى تندفع منها والسوائل الملتهبة الحارقة إلى سطح القناة وقرر فريق العقول المصرى سد تلك المواسير بتركيبة معينة من الأسمنت وبعض اللدائن سريعة التصلب، وتتولى مجموعات رجال الصاعقة التى تنزل إلى الضفة الشرقية قبل ساعة الصفر سد المواسير وقطع خراطيم الطلمبات الماصة الكابسة.


وبالمناسبة نجحت تلك المجموعات فى مهمتها تماما بل أنها أسرت ضابطاً مهندساً يدعى “ألبرت حميم” عندما كان يتأكد من سلامة معدات سلاحهم السرى.


ولمزيد من الدقة كان فريق العقول المصرى قد أعد خطتين آخريين فيما إذا لم تنجح الخطة الأولى ما يوضح عمق وبراعة التخطيط.


وبالمناسبة أيضا يذكر التاريخ أن الجيش الألمانى واجه نفس المشكلة ولكن بحجم أقل بكثير جداً، عندما ابتكر الانجليز وسيلة إشعال سطح المياه، ونشرت الأجهزة الخاصة بالحرب النفسية؟ قصصاً كثيرة عن المانع المائى النارى.


والذى لابد من أن يواجهه الألمان عند هجومهم على انجلترا، وعندما أجرت القيادة الألمانية تجربتين على إحدى البحيرات القريبة من روسيا الشرقية، ظهرت المخاطر الرهيبة التى دفعت فريق العقول الألمانى إلى تغطية أسطح قوارب العبور بأوراق الاسبستوس، واستلقها الجنود فعلا وتحركوا بها داخل المنطقة تم دفع الزيت على سطح مائها ثم إشعاله بالنار، وكانت النتيجة أن احترقت القوارب واحترق الجنود الألمان وتحولوا إلى رماد!! فأصدر هتلر أوامره فوراً بإيقاف الاستعداد لغزو انجلترا!.


ولعل المقارنة مع ما خططه فريق العقول المصرى.. تؤكد التفوق الكاسح الذى وجه ضربة أخرى لفريق العقول الإسرائيلى!.


والحديث عما خططه قادتنا.. لمواجهة والتغلب على بقية الموانع التى كانت تقف فى وجه قواتنا المسلحة كالمستحيل.. يطول ويطول، ولذلك أكتفى بما ذكرت كوسام شرف على صدور فريق العقول المصرى الذى سجل أعظم وأخطر الأهداف فى مرمى فريق العقول الإسرائيلى وحلفائه، وسوف تظل “كراسة الجمسى” التى تضمنت حصيلة أفكار وخطط انتصارنا فى حرب أكتوبر المجيدة، دليلا ونبراسا على ما يستطيع المصريون أحفاد الفراعنة العظام تحقيقه مهما كان التحدى بالغ الخطورة!


ومهما كانت وسائل الدعاية تهلل وتضخم من صورة الأعداء.